سلسلة مفاهيم في الفيزياء
الجزء الثالث والتسعون: فك لغز التوأمين: لا "من سافر"، بل "من سلك أقصر خط
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
29/01/2026
قصة قريبة في روحها من مفارقة التوأمين يرويها الفيزيائي الكبير ريتشارد فاينمان في محاضراته الشهيرة Lectures on Physics .
ويشير فاينمان منذ البداية إلى أن تسمية هذه الظاهرة بـ «المفارقة» لا تنشأ إلا عند أولئك الذين يسيئون فهم مبدأ النسبية، فيظنون أنه يعني أن كل حركة نسبية على الإطلاق، بلا أي بنية موضوعية تحكم الوصف الفيزيائي.
يقول هؤلاء، على سبيل السخرية:
من وجهة نظر التوأم الأول، أليس من الممكن القول إن التوأم الثاني هو من كان يتحرك؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يكون هو الأبطأ في التقدّم بالعمر؟ ومن حيث التماثل، أليست النتيجة المنطقية الوحيدة أن يكون التوأمان في العمر نفسه عند اللقاء؟ لكن هذا الاعتراض، رغم شيوعه، يقوم على خلطٍ مفاهيمي عميق. فلكي يلتقي التوأمان مجددًا ويقوما بالمقارنة، لا بد أن أحدهما قد غيّر حالته الحركية :
لا بد أن يعود، أو أن يتوقف، أو أن يدور في مساره. ومن يعود هو — بالضرورة الفيزيائية — الشخص الذي لم يبقَ على المسار نفسه. يُشير فاينمان إلى هذه النقطة بأسلوبه المعروف، قائلًا إن الشخص الذي استدار «يعرف» أنه كان هو المتحرك، لأن أشياءً غير عادية حدثت في مركبته: اشتغلت المحركات، وارتطمت الأجسام بالجدران، وشُعِر بقوى لم يشعر بها الطرف الآخر. ومن هنا يصل إلى صياغة شائعة للقاعدة:
الشخص الذي شعر بالتسارع هو الأصغر سنًا عند اللقاء. وهنا يجب التوقف بدقة.
فرغم أن ما يقوله فاينمان صحيح من حيث الوصف التجريبي، إلا أن هذا الشرح لا يمس جوهر الظاهرة.
بل يمكن القول، دون مبالغة، إن الاعتماد على التسارع هنا يُخفي التفسير الحقيقي بدل أن يكشفه.
لقد رأينا في الأجزاء السابقة أننا استطعنا التنبؤ بالنتيجة — أي فرق العمر — دون أن نحسب أي تسارع على الإطلاق.
كل ما فعلناه هو حساب طول خطوط المسار في زمكان مينكوفسكي. والنتيجة ظهرت مباشرة، وببساطة لافتة.
بل أكثر من ذلك: من السهل، على المستوى التصوري، تخيّل سيناريو يكون فيه التوأم الثاني هو من يتعرّض لتسارعات أكبر، ومع ذلك ينتهي به الأمر أكبر عمرًا من التوأم الأول. وهذا وحده كافٍ لإسقاط أي تفسير يجعل من التسارع «السبب» الفيزيائي للفارق العمري.
صحيح أن في زمكان مينكوفسكي لا بد أن يتسارع أحد التوأمين إذا كانا سيلتقيان مرتين، لأن زوجًا من الخطوط المستقيمة لا يمكن أن يتقاطع أكثر من مرة واحدة. لكن هذا التفصيل عرضي لا جوهري. فالذي يصنع الفارق ليس التسارع ذاته، بل الشكل الهندسي الكامل للمسار.
ويزداد هذا الأمر وضوحًا في النسبية العامة، حيث يمكن لجسمين يسيران دائمًا في مسارات عطالية (جيوديسية) أن يلتقيا أكثر من مرة، ومع ذلك يظهر بينهما فرق فعلي في العمر عند اللقاء. وسنرى مثالًا صريحًا على ذلك في مقالة لاحقة.
يشير كل من ريندلر وفاينمان — وبحق — إلى أن التسارع كمية موضوعية في النسبية، تمامًا كما هو في فيزياء نيوتن أو في زمكان غاليليو. لكن هذه الموضوعية لا تمنحه دورًا تفسيريًا في مفارقة التوأمين. المسألة، في جوهرها، لا تتعلق بانحناء المسار، بل بطوله.
أما الالتباس الثالث، وهو الأكثر انتشارًا في الكتب التعليمية، فيربط مفارقة التوأمين بما يُسمّى «تمدد الزمن النسبي»، ويُقدَّم عادةً في صيغة مبسطة تقول: كلما زادت سرعة الساعة، تباطأت دقّاتها.
ثم يُضاف إلى ذلك افتراض ضمني بأن أحد التوأمين «يتحرك حقًا»، بينما الآخر «ساكن حقًا» .
وعند مزج هذا التصور مع خطاب التسارع، نحصل على ما يمكن تسميته — دون مبالغة —
عاصفة مثالية من سوء الفهم.
فالواقع أن ظاهرة التوأمين يمكن تفسيرها بالكامل دون الحاجة إلى نسب أي معنى مطلق لـ «الحركة» أو «السرعة» أو «السكون» لأي طرف. إنها مسألة هندسية خالصة.
زمكان مينكوفسكي، شأنه شأن زمكان غاليليو، وعلى خلاف الزمان والمكان المطلقين في فيزياء نيوتن،
لا يدعم أي مفهوم جوهري لـ «السكون المطلق» أو «الحركة الحقيقية». ما يوجد هو مسارات:
قد تكون مستقيمة أو منحنية، عطالية أو متسارعة، لكن لا توجد حقيقة فيزيائية مطلقة تقول إن هذه الساعة «تتحرك أكثر» من تلك.
ولهذا السبب تحديدًا، لا يمكن تفسير مفارقة التوأمين بالرجوع إلى سرعة أي منهما. إن قانون الضوء، وقانون العطالة النسبي، وفرضية الساعة تربط جميعها السلوك القابل للرصد بالبنية الهندسية لزمكان مينكوفسكي.
وإذا أردنا أن نكمل بناء ديناميكا نسبية كاملة، فسنحتاج إلى صيغة من قانون نيوتن الثاني تربط القوة بانحناء المسار في الزمكان. لكن ذلك يتطلب أدوات رياضية تتجاوز مستوى هذا العرض.
أما في هذا السياق، فإن هذه المبادئ الثلاثة وحدها كافية تمامًا لفهم مفارقة التوأمين بوصفها نتيجة طبيعية، متّسقة، وخالية من أي تناقض.
يتبع في الجزء الرابع والتسعين…







د.أمل الأسدي
منذ اسبوعين
الكلمة الطيبة
مخاطر سهولة النشر ومجانية التواصل
حسين مني وأنا من حسين
EN