منذ اللحظة التي يبدأ فيها الطيار بإقلاع الطائرة، يصبح كل جزء من الرحلة تجربة مزيج بين العلم والتحدي، وبين الطبيعة القوية والمهارة البشرية. الرحلات الجوية الحديثة تمر أحيانًا عبر سحب ركامية ضخمة مليئة بالطاقة الكهربائية، الرياح العاتية، المطر الغزير، والمطبات الهوائية المفاجئة. لكل هذه الظواهر تأثير مباشر على الطائرة، لكن بفضل الهندسة المتقدمة، التدريب الدقيق للطاقم، ونظم الوقاية الحديثة، يمكن للطائرة أن تتجاوز هذا الاختبار الطبيعي بأمان، بينما يظل الركاب يعيشون تجربة مدهشة، تجمع بين الرهبة والإعجاب.
البرق هو أحد أبرز التحديات التي تواجه الطائرات. تحدث الصاعقة نتيجة تراكم الشحنات الكهربائية داخل السحب الركامية، حيث تتصادم قطرات الماء مع بلورات الجليد وحبيبات البَرَد، مولدة اختلافات شحنات هائلة بين أجزاء السحابة. الطائرة، بما أنها جسم معدني ضخم يتحرك داخل هذا المجال الكهربائي، تصبح مسارًا موصلًا طبيعيًا للتيار. ولكنها محمية تمامًا، إذ قام العلماء بتطبيق العديد من الإجراءات مثل
1- قفص فراداي حيث التيار يسير على السطح الخارجي للطائرة، بينما المقصورة الداخلية تبقى محمية، وكذلك الأجهزة الإلكترونية الحيوية.
2- خزانات الوقود تحتوي على مواد عازلة ودوائر تفريغ كهربائي لتجنب حدوث شرر أو انفجار عند مرور التيار الكهربائي. تصميم الفوهات والأنابيب يقلل من تراكم الشحنات الكهربائية داخل الوقود.
3- بعض الطائرات الحديثة تستخدم أجهزة إزالة الشحنات الكهربائية من الوقود (Fuel Static Dischargers).
4- على أطراف الأجنحة وذيل الطائرة توجد أشرطة معدنية أو طرفيات مخصصة لتفريغ الكهرباء الساكنة. هذه الشرائح توجه التيار إلى الخارج بعيدًا عن الأجهزة الحساسة، وتقلل فرص تكون شرر كهربائي داخل الطائرة.
5- نظمة الطائرة الإلكترونية (الرادار، أجهزة الملاحة، الكمبيوتر المركزي) محمية بعوازل كهربائية ودروع معدنية. التيارات الناتجة عن صاعقة البرق غالبًا ما تسبب نبضات كهرومغناطيسية قصيرة، وهذه الحماية تمنع تعطّل الأنظمة.كما تستخدم خطوط الطاقة وفلاتر ومضادات للتداخل الكهرومغناطيسي لضمان استمرار العمل الطبيعي للأجهزة.
6- الطائرات مزودة بأجهزة صغيرة تُسمى Static Wicks أو "الموزعات الكهربائية" وظيفتها: تفريغ الشحنات الكهربائية تدريجيًا قبل أن تتجمع لتسبب صاعقة داخلية أو تضر الأجهزة.
لكن تعرض الطائرة لصاعقة لا يمر بلا أثر. يرى الركاب وميض البرق القوي، ويسمعون دوي الرعد المفاجئ، بينما تتحرك الطائرة في هواء مضطرب. هذه اللحظة تثير شعورًا بالرهبة والخوف والإعجاب في الوقت نفسه، لأن التجربة تجمع بين الواقع الفيزيائي، والتأثير النفسي للبشر. الدراسات النفسية تشير إلى أن الركاب يشعرون بالمزيج بين الرهبة من قوة الطبيعة والثقة بالهندسة التي تحميهم، ما يجعل التجربة أكثر تعمقًا وفهمًا للطبيعة.
الرياح العاتية المصاحبة للعواصف الركامية تضيف تحديًا آخر. التيارات الهوائية الصاعدة والهابطة داخل السحابة تولد مطبات هوائية عنيفة، تتسبب في اهتزاز الطائرة بشكل مفاجئ. المطبات الهوائية هي تغيرات مفاجئة في سرعة واتجاه الهواء، قد تؤدي إلى تغييرات مفاجئة في ارتفاع الطائرة إذا لم يتخذ الطيار الإجراءات الصحيحة. أما الأمطار الغزيرة، فهي تقلل من الرؤية وتزيد من مقاومة الهواء، بينما قطرات الماء تعمل على تشتت موجات الرادار، ما يجعل قراءة البيانات أكثر صعوبة.
رادارات الطائرة وأنظمة الملاحة الحديثة مجهزة للتعامل مع هذه الظروف المعقدة. الطيارون يستخدمون بيانات متعددة من الرادارات الأرضية والجوية، التنبؤات الجوية، وأنظمة مراقبة متقدمة لتجنب قلب العاصفة أو المرور بأخطر المناطق. هذا يسمح لهم بتحديد مسار آمن، مع تجنب السحب شديدة النشاط الكهربائي والرياح العاتية، ما يقلل من المخاطر بشكل كبير.
الإحصاءات الرسمية تعطي تصورًا واقعيًا عن حجم التعرض لصواعق البرق. وفقًا لتقارير FAA وAirbus، كل طائرة ركاب كبيرة قد تتعرض لمرة واحدة تقريبًا في السنة، بينما بعض الطائرات التي تسافر كثيرًا فوق المناطق الاستوائية قد تتعرض أكثر من ذلك. معظم هذه الصواعق لا تسبب أي أذى للركاب أو الطائرة، والضرر إن وُجد غالبًا يكون سطحياً، مثل أضرار بسيطة في الطلاء أو الهوائيات. الحوادث التاريخية، مثل Pan Am 214 عام 1963، كانت قبل تطبيق إجراءات الحماية الحديثة، وأسهمت في تطوير أنظمة الوقاية اليوم. أما الحوادث الحديثة، مثل رحلات United Airlines وSouthwest Airlines خلال 2024-2025، فقد أظهرت أن الأنظمة الجديدة تحمي الطائرة والركاب، بينما يشعر الركاب بالرهبة والإعجاب بالظاهرة دون خطر فعلي.
الهندسة الحديثة لا تتوقف عند حماية الطائرة من الصواعق فقط. خزانات الوقود محمية بمواد عازلة، والهيكل معدني لتوجيه التيار على السطح، والأنظمة الكهربائية محمية ضد النبضات الكهرومغناطيسية. كل هذا يتم دمجه مع إجراءات تشغيل دقيقة للطيارين: الابتعاد عن قلب العاصفة، الحفاظ على سرعة مناسبة لتجاوز المطبات الهوائية، استخدام الرادار لتحديد مناطق التيارات الصاعدة وحبيبات البَرَد الكثيفة، وفحص الطائرة بعد العبور لضمان سلامتها.
التحدي الأكبر للطائرة ليس البرق وحده، بل الرياح العاتية، المطبات الهوائية، الأمطار الغزيرة، وانخفاض الرؤية المصاحب للعواصف. هذه الظروف تجعل التحكم بالهبوط أو الإقلاع أكثر تعقيدًا، وتضع الطيارين أمام اختبارات فورية لمهاراتهم وخبرتهم. ومع ذلك، التكنولوجيا والتدريب تمنحهم الثقة للتعامل مع هذه الظروف بأمان.
من منظور الركاب، تجربة المرور عبر العواصف الرعدية هي مزيج بين الخوف والإعجاب: رؤية البرق، سماع الرعد، اهتزاز الطائرة بسبب الرياح والمطبات، كل ذلك يولد شعورًا بالرهبة، بينما يطمئنهم الطاقم بأن الطائرة مصممة لمواجهة هذه الظروف. هذا المزيج النفسي يجعل التجربة تجربة تعليمية، تعلم الركاب عن قوة الطبيعة والدقة الهندسية التي تحميهم.
الحوادث التاريخية تقدم دروسًا مهمة. Pan Am 214 أظهرت خطورة تراكم الأبخرة القابلة للاشتعال في خزانات الوقود عند ضرب البرق. الحوادث الحديثة، مثل رحلات United وSouthwest، توضح أن الوقاية الهندسية الحديثة فعالة، وأن الأنظمة تستطيع التعامل مع التيار الكهربائي للصاعقة، المطبات الهوائية، الأمطار، والرياح العاتية بأمان كامل.
الإحصاءات الحديثة تكشف أيضًا أن الأضرار الجسيمة للطائرات نتيجة الصواعق نادرة جدًا، وأن كل تعرض لصاعقة يعد فرصة لاختبار الأنظمة والتأكد من كفاءتها. دراسات الطيران تشير إلى أن احتمال تعرض طائرة ركاب لصاعقة يتراوح بين مرة لكل 1,000 إلى 10,000 ساعة طيران، بحسب مسار الرحلة والمنطقة الجوية، وهو ما يجعل ملايين الطائرات حول العالم تتعرض للصواعق سنويًا دون وقوع حوادث كبيرة.
باختصار، الطائرات في مواجهة العواصف الرعدية تمر بتجربة متعددة الأبعاد: برق شديد، رياح عنيفة، مطبات هوائية، أمطار غزيرة، ورؤية محدودة. الهندسة الحديثة، أنظمة الوقاية، والإجراءات التشغيلية الدقيقة تحمي الطائرة والركاب، بينما يستمتع الركاب بالمزيج بين الرهبة والإعجاب. هذه التجربة توضح تفاعل الإنسان مع الطبيعة: العلم يحمي، والطبيعة تبهر، والركاب يعيشون تجربة لا تُنسى تجمع بين الفيزياء والهندسة والجانب النفسي.







د.أمل الأسدي
منذ يومين
الشعائر الحسينية وتحقيق العدالة الاجتماعية
وخدشت الثقافة العراقية
الكلمة الطيبة
EN