أقرأ أيضاً
التاريخ: 14/9/2022
![]()
التاريخ: 13/9/2022
![]()
التاريخ: 14/9/2022
![]()
التاريخ: 28/9/2022
![]() |
ركائز بناء الرؤية الإخراجية
مصطلح بناء الرؤية، مصطلح واسع وشديد العمومية، وهو يضم تحت عباءته كل ما له علاقة بفن الإخراج والإنتاج الإذاعي والتلفزيوني من تاريخ واتجاهات ونظريات وحرفيات، ويضم كذلك طيفاً واسعاً من الأنواع الإعلامية المباشر والتسجيلي والروائي والتحريك وغير ذلك مما يتعلق بفنون الإعلام المسموع والمرئي، ولما كان من الصعب أن يضم المقرر كل ما يتعلق بفن صناعة الإعلام المسموع المرئي، فسنأخذ هنا فكرة متكاملة عن كيف يُصنع البرنامج الإذاعي أو التلفزيوني وتفاصيل الحرفة والأصول الجمالية والفنية والتكنولوجية لها، من حيث طبيعتها وتسلسلها ، بدايةً من الفكرة إلى أن تتحول إلى أصوات منطوقة عبر الأثير أو صور متحركة عبر الشاشة.
وباعتبار أن العمل الإعلامي ذو طابع تركيبي، له جوانب حرفية - آلية وابداعية وفكرية وتجارية تتشابك وتتقاطع مع بعضها البعض، ولمعرفة كيفية صنع عمل إذاعي أو تلفزيوني ما، يمكن تقسيم مراحل العمل الإذاعي التلفزيوني إلى مراحل عدة، قد لا تكون واقعياً منفصلة عن بعضها البعض، لكن نظرياً كل منها تشكل مرحلة محددة في شكلها العام، وهذه المراحل هي:
1. مرحلة التحضير، وتشكل عملية بناء الرؤية جوهرها.
2. مرحلة التنفيذ، وهي التجسيد العملي لمرحلة بناء الرؤية.
3. مرحلة العرض.
وستناقش المرحلة الأولى من مراحل صناعة العمل الإذاعي أو التلفزيوني، وهي المرحلة التحضيرية أو مرحلة بناء الرؤية الإخراجية للعمل، بدايةً من الفكرة الخام، ونهايةً بسيناريو التنفيذ.
مرحلة التحضير (بناء الرؤية):
وهي مرحلة تشكل عملية بناء الرؤية جوهرها، وإن كانت تترافق بعمليات متعددة من الإعداد والتخطيط، بدايةً بتحديد الميزانيات التقديرية اللازمة للإنتاج، ونهايةً بالوصول إلى الشكل النهائي للنص بالاتفاق ما بين المخرج وكاتب النص، وفي حالة البرامج الإخبارية بالاتفاق ما بين المخرج ومدير الأخبار. وتستند عملية تشكل بناء الرؤية إلى الركائز التالية:
أ. الفكرة:
وهي أصعب المراحل، وبداية التصور أو الإدراك لأي عمل إذاعي أو تلفزيوني، وهي الاعتبار الأول فيه، ويمكن تسميتها بالفكرة الموضوعية باعتبارها الهدف الذي يسعى كل شيء في العمل (البرنامج - النشرة - الفيلم - المسلسل.. إلخ) إلى إثبات صحته وإقامة الدليل على سلامته، باستخدام القول والفعل والحركة وتصوير المشاعر عن طريق الرمز أو الإيحاء أو غير ذلك من الوسائل السمعية البصرية وذلك على النحو التالي:
1. يجب أن تشتمل الفكرة الأساسية على عناصر الصراع اللازمة وعوامل الحركة الداخلية الحية، وبخاصة أن معظم أنواع العمل الإذاعي التلفزيوني (عدا الدرامي والأفلام) تقوم كلياً على الفكرة الأساسية التي تترجم إلى ملخص من صفحات عدة، يتحدد فيه الموقف الرئيسي وطريقة تطويره حتى الوصول به إلى خاتمته المنطقية، وهذا الملخص (وهو الشكل التقريري للنص أو السيناريو)
عادة ينقسم إلى:
أ. الموقف:
أي الخطوط الرئيسية لموقف ما أو مشكلة تنطلق منها الأحداث (في النشرة الإخبارية المقدمة تُعد كذلك)، وتحدد فيها الشخصيات الرئيسية.
ب. التطوير:
وفيه يتم بحث الاحتمالات المنطقية للحدث الرئيسي من خلال وحدة عضوية حتى تقود هذه الاحتمالات إلى ذروة تمهد لختام منطقي.
ج. الختام أو الحل المنطقي للموقف وعمليات تطويره، ويحدد بنهاية معينة أو نهاية مفتوحة، تطرح الأسئلة أو تكون نقطة انطلاق لإثارة قضية عامة.
هذا الملخص هو الأساس الذي تُبنى عليه معظم البرامج الإذاعية والتلفزيونية كما أسلفت، يضاف إليهما في صناعة الأفلام والمسلسلات الدرامية والوثائقية مرحلتا: "المعالجة" وهي السرد الموسع للملخص، والذي يتضمن جميع العناصر المؤثرة في الأحداث والشخصيات التي تعمل على توازن بناء الموضوع ككل من الفكرة الرئيسية إلى الأحداث الفرعية والشخصيات الثانوية، ومعنى أو فحوى الحوار، أما المرحلة الثانية فهي النص النهائي وهو إعادة كتابة المعالجة، ولكن بشكل فني، أي كل ما يمكن مشاهدته أو سماعه في مشاهد ولقطات واضحة المواصفات الفنية، ومتضمنة للحوار والمؤثرات الصوتية.
2. في هذه المرحلة (أي الفكرة) يتسلم المخرج النص أو السيناريو من المحرر أو السيناريست، ليبدأ في قراءته ومراجعته، وربما طلب تعديلات عليه بما يتناسب ورؤيته البصرية للموضوع أو الفكرة، ومن ثم يبدأ في عمل "الديكوباج"، أي عملية التقطيع الفني للنص، حيث يحدد لكل مشهد عدد المسامع أو اللقطات المطلوبة، وفترات ومواقع الصمت، وحركة المذيعين أو الممثلين، وحركة الكاميرا وأحجام اللقطات والعدسات المطلوبة، وزمن المسامع الصوتية أو اللقطات البصرية، والعلاقة بين الصورة والصوت والصورة والصورة والصوت والصوت والعلاقة بين الصور ككل والأصوات ككل، وديناميكيتها وعلاقاتها مع النص.. إلخ.
3. تبدأ المرحلة الثانية، حيث يقوم المخرج بجرد النص أو السيناريو بالتعاون مع مساعديه والمنتج المنفذ ومدير الإنتاج، وتحويله إلى جداول عمل يومية تكون وحدتها الرئيسية هي المواقع التي سيتم فيها التسجيل أو التصوير والاحتياجات اللوجستية المطلوبة والديكورات، حيث يتم تجميع جميع المشاهد التي تدور في ديكور واحد أو موقع تسجيل أو تصوير خارجي، لتصوّر أو تسجل معاً بصرف النظر عن ترتيب حدوثها في النص، وبعد ذلك يتم تفريغ احتياجات الإنتاج من ميكرفونات وديكورات وملابس، وأكسسوارات ومكملات صوت أو صورة.. إلخ، ليبدأ بعد ذلك التسجيل أو التصوير.
ب. المضمون الفيلمي (أو البرامجي، الصوتي أو البصري):
يكون الصوت والصورة المادة الأساسية للغة المضمون السمعي البصري، فهما المادة الخام الفيلمية، لكنها مادة بالغة التعقيد، ذلك أن تكوينها يتميز بتراكيب عميقة قادرة على نقل الواقع الذي يُعرض عليها نقلاً دقيقاً، لكن ذلك النشاط أو اللغة موجه من الناحية الجمالية في الاتجاه المحدد الذي يريده المخرج، وإن كان موجهاً من الناحية الإيديولوجية في الاتجاه الذي يريده مالكو المحطة الإذاعية والتلفزيونية، وبالتالي فالصوت أو الصورة اللذان نحصل عليهما نتاج ذلك يدخلان في علاقة جدلية. مع الجمهور الذي يقدمان له، وأثرهما السيكولوجي عليه تحدده جملة من الخصائص ينبغي مراعاتها بدقة إذا ما أراد المخرج أن يكون عمله ناجحاً ومقنعاً.
ولذلك فلا معنى لمسمع صوتي منفرد، أو لصورة منتزعة من سياقها؛ لأن الصوت والصورة لا يكتسيان دلالتهما الكاملة إلا في التدفق الزمني، أي من تتابع الأصوات والصور، وهو الأمر الذي يمثل علة وجودهما والخاصية الأهم لهما، والذي يتجلى في الخصائص الست التالية التي يجب على كل مخرج ناجح إدراكها، والوعي بمدى أهميتها في العمل الإذاعي التلفزيوني، باعتبارها خصائص تحدد مضمون برنامجه أو فيلمه، أو حتى نشرة الأخبار التي يقوم بإخراجها.
خصائص المضمون الفيلمي أو البرامجي:
1. ضرورة ربط تسلسل الأحداث بالترتيب، واكتشاف الموضوع الرئيسي ومعناه في كل فقرة صوتية أو مشهد بصري، والمعرفة الجدية أين يكمن ضمن معطيات الدراما أو القصة أو الفكرة، موضوع البرنامج أو التقرير أو الفيلم أو المسلسل .. إلخ، وتجنب الوقوع في شرك النصوص المغلقة والجاهزة وغير القابلة للتخيل والتعديل، إذ ما قيمة معرفة أحداث النهاية في البداية؟ وبخاصة أن ذلك ينهي فعل التلقي، وهو الأمر الذي يجب أن يكون محط الاهتمام لدى المخرج بحيث يحافظ على بقاء المتلقين مفعمين بالحيوية والترقب والتوقع.
2. تجنب الحوارات اللفظية التي تقحم بديلاً عن العجز في التعبير السمعي أو البصري؛ لأن ذلك يحول الحوار إلى مجرد تكرار وثرثرة لا معنى لها، ولا يدفع بالأحداث إلى الأمام، وهو أمر يتطلب من المخرج العمل مع كاتب النص لجعل الحوار قادراً على إثارة صورة العالم الذي يجب على البرامج وصفها على الأثير أو الشاشة، وبما يعكس خط الفكرة أو القصة ومجرى الحدث، ولا يهيمن أو يعرقل في الوقت ذاته مقتضيات الإخراج.
3. على المخرج الاهتمام والإيمان بجميع العاملين معه، ولاسيما من هم أمام الميكرفون أو الكاميرا؛ لأن هؤلاء الوسيط بينه وبين النجاح أو الفشل مع الجمهور، لذلك على المخرج أن يرى كل شيء يقوم به هؤلاء، أكان ذلك في أثناء التمرين أو التسجيل، ودفعهم إلى إظهار تماهيهم مع الفكرة أو النص رويداً رويداً لتبيان الحقيقة النصية، أي دفعهم إلى الأداء الإيحائي الكاشف عوضاً عن الإفراط في الكلام، لأن الأفعال (وبخاصة على الشاشة تُفصح عن الحقيقة أكثر بكثير من الكلمات، وهو الأمر الذي يعطي الوهم الكامل بالحقيقة على الأثير أو الشاشة.
4. على المخرج تجنب الاسترخاء، ولاسيما أن التقنيات التي يتعامل معها تدعو لذلك، فالميكرفون أو كاميرا الفيديو خفيفان وسهلا الاستخدام، وإمكانية الإعادة في حالة عدم الرضا عن العمل ميسرة ومتاحة وغير مكلفة، أي أن المخاطرة شبه معدومة، ما لم يكن البث مباشراً، مما قد يحول عنصر الاطمئنان إلى عنصر استسهال، ربما يكون سبباً في فقد السيطرة على العمل، ومن ثم الفشل الذريع أمام الجمهور.
5. جدول الإنتاج هو أيضاً جزء من الإخراج، ويتطلب من المخرج تحضيراً دقيقاً، يحدد فيه عمل كل فرد في فريق العمل، ومواعيد التسجيل أو التصوير بالاستناد إلى معرفة المخرج المفصلة بكل عناصر النص بين يديه الشخصيات الرئيسية - الأحداث - الأماكن – الزمن.. إلخ).
6. يظن كثير من المخرجين قليلى الخبرة أن الوصف الدقيق المفصل لما يجب أن يقوم به الممثلون أو المصورون أو المذيعون من مشهد إلى آخر يحمي العمل من الوقوع في مخاطر الارتجال، والحقيقة أن لا خطأ أكثر من هذا؛ لأن بعض الارتجال المدروس يعطي الكثير من الحيوية للنص، سواء على مستوى الصوت أم الصورة، كما يمنح الممثلين أو المذيعين والمصورين إحساساً أنهم شركاء في العمل، وليس مجرد أدوات أو مؤدين.
أهمية دور الحوار في تحديد المضمون الفيلمي أو البرامجي:
يشكل الحوار واحداً من أهم حوامل الأعمال الإذاعية والتلفزيونية، وجزءاً لا يمكن تجاوزه لبناء الرؤية الفيلمية أو البرامجية، وذلك لأن تسلسله يحدد إلى حد كبير السياقين الزمني والمكاني للعمل، إضافة طبعاً إلى تحديده السياق الدرامي أو الموضوعي للعمل باعتباره العنصر الرئيس في تحريك الأحداث في العمل إلى الأمام.
وهو تحديد يساهم في صياغة جميع العناصر الفنية للعمل (أي نص التسجيل أو التصوير)، كما يعين مواضع الانتقالات السمعية والبصرية والمثيرات والمؤثرات اللازمة لتكثيف عمليتي الإقناع والتأثير.
لذلك يحتاج الحوار الإذاعي التلفزيوني إلى كاتب أو معد متخصص، قادر على تطويع النص لإرادة المخرج والشخصيات في العمل، لتقديم كيان برامجي ذي معنى أي حوار إذاعي أو تلفزيوني، وليس حواراً مكتوباً للقراءة وغير قابل للتجسيد السمعي، أو السمعي البصري، وهو أمر يعني الإيحاء بجو العمل، ودفع الحدث إلى الأمام من دون أن يتحول إلى قيد يلزم بالتوافق الصارم بين ما يقال وأجواء وفضاء العمل الإذاعي أو التلفزيوني.
ج. المضمون الذهني (الأسلوب):
يُقصد بالمضمون الذهني: جملة العلاقات القائمة داخل النص، والتي تحدد مساره، ومن ثم آليات تلقيه وإدراكه للحدث، والتي تعكس إلى حد كبير وجهة نظر المخرج أو أسلوبه في تجسيد العناصر الجوهرية في النص، وطريقته في توصيل وتوضيح الأفكار والمعاني وهناك ثلاث علاقات رئيسية تحدد مسار النص وتعكس أسلوبية المخرج، يجب مراعاتها لأنها العناصر الأهم في بناء التراكب الدلالي السمعي البصري، وهي:
أ. العلاقة بين الصوت والصوت: أي بين الصوت السابق والصوت اللاحق أو الذي يحدث في الوقت نفسه في حال كان هناك أكثر من صوت يحدثان في الوقت نفسه في إطار ما يسمى تكثيف المثيرات السمعية لتأكيد المعاني والدلالات.
ب. العلاقة بين الصورة والصورة: أي بين الصورة السابقة والصورة اللاحقة.
ج. العلاقة بين الصوت ككل والصورة ككل: أي التكامل السمعي البصري، وتوافق العناصر السمعية
البصرية وديناميكيتها بالشكل الذي يحدد البناء الدرامي للعمل، ويعكس الدلالات المطلوبة.
ذلك أن الموضوع الفني أو الإعلامي هو حدث تتم بلورته انطلاقاً من الظروف الحياتية، ليستمتع المتفرج بسماعه أو مشاهدته، وتلك المتعة لا تتأتى إلا عن طريق البناء الفني للحدث، الذي يُعد أسلوب وطريقة توصيل جزء من الحياة ضمن مقطع صغير من الزمن تنعكس فيه وجهة نظر المخرج تجاه المجتمع والكون، ويشكل الإطار الفكري للعمل، والمضمون الذهني الذي يتوخى المخرج أن يصل إلى المتلقي.
والحقيقة أن هناك عناصر عديدة تشكل أسلوب المخرج الخاص في عملية بناء برامجه، والذي يتحدد من خلال استعمال كل عنصر وعلاقته بالعناصر الأخرى في تفرد وتميز، ومن هذه العناصر:
1. مادة الموضوع.
2. بناء السيناريو أو النص.
3. التكوين السمعي أو السمعي البصري.
4. أداء الشخصيات في العمل وكيفية توجيههم.
5. المونتاج (التقطيع - الوصل - سرعة الإيقاع - الفواصل - الإيقاع).
6. استعمال العناصر الأخرى الموسيقا - المؤثرات الصوتية - المؤثرات البصرية وغيرها).
وبالرغم أنه من طبيعة العمل الإذاعي أو التلفزيوني صعوبة فصل عناصره عن بعضها البعض، ومعرفة أي العناصر الأكثر تأثيراً في المتلقين وتحديد مشاعرهم تجاه ما يسمعون ويرون، إلا أن المؤكد أن قدرة المخرج على تخيل العمل ككل، قبل بداية التنفيذ، ومن ثم تحكمه يشكل كامل في كل تفاصيل العمل، وقدرته على بناء علاقات بين مختلف عناصره، ودمجها مع بعضها البعض في اتساق وتناغم، هو العلامة المميزة لأسلوب المخرج الذي يحول ما هو ظرف حياتي ربما عابر إلى عالم مصغر يحتوي على كل المعلومات الضرورية المركبة بعناية ضمن حدود اللقطة أو المسمع الصوتي، وكل المعلومات الخارجة عنهما (اللقطة أو المسمع) لا أهمية لها.
د. السببية (الإيهام بالواقعية)
التعريف:
المقصود بالسببية الفاعلية الدرامية أو منطقية السياق الدرامي والفكري للعمل ككل، والذي يشكل بوساطة المونتاج واقعاً إذاعياً أو تلفزيونياً يخلق لدى المتلقي وهماً بالواقع، وعلاقات مسببة بين البدايات والنهايات أو النتائج، كما يشكل طاقة إيحائية لمدلول مسامعه وصوره، أي مجالاً دالاً يثير في نفس المتلقي معاني وتجريدات وإيحاءات يمكن أن تعكس معنى ثانياً.
وهذا يعني أن السببية مسألة ترتبط بمتغيرين: الأول هو السيناريو أو النص، والثاني بعملية المونتاج والتي تشكل (سواء كانت مباشرة على الهواء أم غير مباشرة) واحدة من أهم مراحل (إن لم تكن الأهم) صناعة العمل الإذاعي أو التلفزيوني، والمتغيرين معاً يعكسان فكر ووعي المخرج بالعمل المصنوع من قبله وهما (أي الفكر والوعي) اللذان يدفعان المخرج للبحث عن شكل ومضمون وسياق محدد حول موضوع إعلامي أو فني معين.
ذلك لأن التعرف على النوعية الفنية (الأسلوب) للعمل الإذاعي أو التلفزيوني يعني التعرف على مجموع مكوناته العديدة وتتابعها وترتيبها والعلاقات فيما بينها؛ لأنها صورته الفنية ولغته وبنيته وأصوله المونتاجية وتكوينه وإيقاعه وتجانسه وهي التي تشكل مضمونه الذي يتمدد في كل درجات الشكل ويتجسد في خلاياه ليتم إدراكه أولياً من قبل المتلقي عبر الصوت والصورة (الشكل الخارجي للمسموع والمرئي)، ومن ثم وعبرهما ينفذ المتلقي تدريجياً إلى عمق العمل ليتعرف على معنى شكله الخارجي؛ لأن الشكل خاضع للمضمون ويخدمه ويتيح الشروط الضرورية لتطوره، كما يشكل الطريقة التي تنتظم فيها عناصر المضمون وقانون بنيتها وترابطها المتبادل، والأسلوب الذي يجعل الفكرة (أو يوهم بذلك) موضوعاً لذات واقعية، أي صورة عن واقع يدركه الجمهور، ويتلقاها وفقاً لإدراكه ، باعتبارها انعكاساً لواقع موضوعي.
عملية بناء الواقع (أو الإيهام بالواقع)
ليس هناك خلاف بين علماء الاتصال على ضرورة أو وجوب أن يكون لكل عمل إذاعي أو تلفزيوني منطق متميز، أو ما يمكن تسميته "التشكيل المقتضب للواقع"، ولذلك لأن الدراسات العلمية لم تعد تبحث في ماهية الشكل الإعلامي على أساس أنه مادة وإنما عملية، أو تفكير بالمسامع والصور، وقابلية للصوغ السمعي المرئي لروايات الواقع.
وهو أمر يؤكد على أن لغة الإذاعة والتلفزيون لغة انتقائية، أي لغة تنتقي مسامعها وصورها كلغة ممكنة لعكس الواقع أو الإيهام به، ولكن ما يميزها عن غيرها من اللغات الطبيعية أنها خلق مستمر وموادها متجددة وليست جاهزة لأنها مرتبطة بالوقائع الحياتية اليومية للبشر، والمونتاج هو الذي يقيم بين مسامعها أو صورها المفردة علاقة نوعية منطقية مسببة.
وهذه عملية تتطلب من المخرج عملاً ذهنياً جاداً لإخضاع معاني المسامع الصوتية والصور إلى طرق السرد الفنية المعروفة؛ لأن الجمهور لا يستمع ويشاهد الصور فقط، وإنما يستقرئ معانيها، كما أن المسامع والصور الإذاعية والتلفزيونية تثير في نفس المتلقي إيحاءات مختلفة، ووظيفة المخرج انتقاء المسامع والصور على أساس هذه العلاقة لكي يثير عند جمهوره الإيحاءات التي يريدها بالشكل الذي يطابق بين غاياته وأهدافه وبين النتائج الذهنية للجمهور حول العمل أو التلفزيوني، وذلك لأن كل مسمع أو صورة في الإذاعة والتلفزيون يمتلك إضافة إلى الإذاعي معناه الخاص الذي هو قيمة تعبيرية قيمةً أخرى هي قيمة الشعور التي تدفع الجمهور إلى اتخاذ قراراته الذهنية القائمة على (استنباط) المعاني وليس على (تداعي) المعاني.
وعملية الانتقاء (القائمة على الحذف والاختصار) هي تحديداً ما دفع علماء الإعلام إلى القول: إن وسائل الإعلام المعاصرة لم تعد تنقل الواقع بل باتت تصنع الواقع، ذلك أن الواقع الموضوعي حافل بالأحداث والوقائع والمسامع والصور، بينما الواقع الإذاعي أو التلفزيوني قائم على حذف كل ما هو زائد أو غير ضروري وفقاً لأهداف وسياسيات الوسيلة الإعلامية، حتى لو كان عشرات الساعات الصوتية أو آلاف الدقائق المصورة.
لذلك يبني كل من المخرج والمونتير خطته في الحذف والاختصار على درجة استيعاب المتلقي للأحداث، وعلى فهمه لطبيعة الانتقالات بين المسامع وبين الصور ليكون قادراً على استكمال المعلومات أو الوقائع التي تم حذفها ذهنياً (أي تخليق المستمع أو المشاهد للصور ذهنياً لأشياء لا يسمعها أو يشاهدها على الأثير أو الشاشة في صورتها الكاملة)، ولاسيما إذا أحسن المونتير ترتيبها بالشكل الذي يراعي تطابقها مع وجهة النظر السائدة في العمل ككل.
هـ. الإنتاج:
يُعد الإنتاج عصب الصناعة الإعلامية والمؤثر الأكبر على مخرجاتها وممول برامجها ومحدد اتجاهاتها وراسم سياساتها وفقاً لأهداف وغايات المنتج الذي قد يكون حكومة أو شخصاً أو شركة أو حزياً أو مجموعة اقتصادية أو عرقية أو دينية ..إلخ.
التعريف:
من الصعب وضع تعريف محدد لكلمة الإنتاج، ذلك لأنها كلمة واسعة وشاملة، ولها أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، لكن بالمعنى العام فإن الإنتاج هو كل عمل أو نشاط منتج، يأتي بسبب تفاعل عدد من العوامل أو العناصر الموجودة والمتاحة أمام الإنسان ليستخدمها في عملية الإنتاج بشكل يسمح له بخلق وابتكار عدد من السلع والخدمات التي يحتاج الناس إليها في حياتهم".
لذلك يمكن القول: إن الإنتاج يشمل كل نشاط حيوي يقوم به الإنسان، وكل الأعمال والأنشطة ذات النفع للآخرين، والتي تقوم على عناصر أربعة رأس المال - المكان - النظام – العمل، وكلما كان الإنتاج عائده المادي أو المعنوي كبير استقطب المزيد من المستثمرين.
ولعل العائد المادي والمعنوي للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني (باعتباره أهم الحوامل الإعلانية)، يفسر الفورة غير المسبوقة التي جعلت الفضاء في عصرنا الراهن مزدحماً بالأقمار الاصطناعية التي يُبث عبرها آلافٌ مؤلفة من القنوات الإذاعية والتلفزيونية إلى كل أصقاع الأرض، وبخاصة أن أهداف الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني متشعبة وعديدة تعدد جهات التمويل وتعدد أهدافها وغاياتها.
• تأثير التمويل على الإنتاج الإعلامي:
للتمويل أثر كبير على المخرجات الإعلامية، سواء من حيث مستواها وجودتها أم من حيث مضامينها وأهدافها، فالإنتاج الإعلامي عملية اقتصادية سياسية ذات مقاصد وغايات اجتماعية، ولذلك فهو يقوم على جملة من العناصر المرتبطة مباشرة بالسياسات المحددة من قبل الممول أياً كانت صفته (حكومة - حزب – شخص - هيئة .. إلخ)، وتتمثل هذه العناصر في التالي:
1. وضع سياسات الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني موضع التنفيذ وفقاً لتوجيهات وأهداف الإدارة العليا (صاحب المال).
2. الرقابة على الأداء والمخرجات الإعلامية والتأكد من مطابقة المواصفات الموضوعية للإنتاج مع السياسات العامة للوسيلة، أي بعبارة أخرى الرقابة الصارمة لتحقيق تمام عضوي بين أهداف الممول، ومضامين ورسائل الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني.
3. السيطرة الكاملة لمنع حدوث تعارض بين توجيهات الإدارة العليا للمؤسسة الإعلامية وبين الأهداف المتحققة أو المرغوب تحققها من الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني
4. الالتزام بوحدة الإدارة، والتأكيد على الولاء للتيقن من التجانس بين أهداف الأفراد العاملين وأهداف الإدارة العليا.
5 وضع معالم إرشادية للأفراد العاملين تجعلهم يأخذون فكرة عن الطرق والأساليب التي سوف ينجزون بها مهامهم وفقاً لإلزامية توجيهات الإدارة العليا، وبسلطة المركز الوظيفي.
6. العمل على نجاح الإدارة في بلوغ أهدافها عبر استخدام كل قنوات الاتصال التي تتيح للإدارة نقل المعلومات والبيانات والأفكار للتأثير في سلوك الأفراد العاملين بالشكل الذي يجعل سلوكهم المهني متسقاً مع هذه المعلومات والأفكار.
7. التأكد ترغيباً أو ترهيباً عبر تفعيل آلية الثواب والعقاب من توافر الانسجام الكامل (التلاؤم) بين أطراف العمل (إدارةً وعاملين) للسير معاً نحو الهدف المحدد.
8. التثبت من التطبيق الكامل غير المنقوص للوائح والقوانين والتعليمات والأهداف، وذلك بما يتماشى مع سياسات الإدارة العليا بما يتعلق بالأوضاع العامة والخاصة، وبما يضمن المحافظة على مصالح جميع الأطراف المتشاركة في رسم هذه السياسات.
|
|
النوم 7 ساعات ليلا يساعد في الوقاية من نزلات البرد
|
|
|
|
|
اكتشاف مذهل.. ثقب أسود ضخم بحجم 36 مليار شمس
|
|
|
|
|
العتبة العلوية المقدسة تعقد اجتماعها السنوي لمناقشة الخطة التشغيلية وتحديثها لعام 2025
|
|
|