الله عز وجل قريب من خلقه:، (فَإِنِّي قَرِيبٌ)، (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ[1])، (إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ[2])، وليس بينه وبين عباده أي حجاب سوى سيئاتهم وذنوبهم وأن الراحل اليك قريب المسافة وأنك لا تحجب عن خلقلك إلا أن تحجبهم الاعمال دونك[3].
ولا يقتصر القرب هاهنا على القرب الزمني أو المكاني وما شابههما من المسائل المادية وحسب ولهذا فإن اطلاق ذلك على الله سبحانه هو من باب الحقيقة لا التمثيل وهو ما نستشفه من تفسير الكشاف[4].
ولا يختص المعنى الحقيقي للقرب بالمجاورة أو القرب المكاني ليكون بمثابة استعارة يستخدم للموجود المنزه عن المكان كما يظن الالوسي[5].
ويستفيد من قوله تعالى (فَإِنِّي قَرِيبٌ) قربه عز وجل من السائل والداعي لأقربهما منه فوسيلة قربهما من الله سبحانه معلومة من التعبيرات التي تلي هذه العبارة فقرب الله تعالى هو من أوصافه وإجابته للدعاء أو سرعة الاجابة هي من أفعاله ومضمون الاية الشريفة هو إثبات وصف القرب قبل إثبات فعل الاجابة. وقد يكون لكل من العنوانين القرب والإجابة: (فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) شعائره الخاصة به فأصل الدعاء هو العبادة والعبادة هي سبب تقرب العابد أما ظهور الله سبحانه وتجليه بالاسم المبارك (قَرِيبٌ) فلجعل الداعي مظهرا من مظاهره ومن ثم تقريبه من الله عز وجل بالإضافة الى أن مضمون الدعاء يمثل مطلبا مشروعا تقطف ثماره بظهور فعل اجابته سبحانه فإذا وصل الداعي الى هدفه ونال مراده سيكون مأمورا بتلبية حاجات المحتاجين وطلباتهم وإجابتهم بالشكل المطلوب.
وأما قرب الحق تعالى فعلى مراحل وبالترتيب التالي:
- إن الله سبحانه أقرب الى الانسان من غيره: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ[6]).
2. إن الله عز وجل أقرب الى الانسان من حبل وريده: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ[7])، ولأن القرب الى الله تعالى إنما يكون من ناحية المكانة والمنزلة وليس المكان يمكننا القول بأن الله عز وجل أهم عامل حياتي للإنسان من حيث إحاطته وقيوميته أي رغم أن حياة الانسان تنتهي بقطع حبل وريده إلا أن الله سبحانه وتعالى هو أقرب الى الانسان من حبل الوريد هذا.
3. إن الله جل ثناؤه اقرب الى الانسان من نفسه: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ[8]).
فسر بعض العلماء هذه الاية بعبارة حيلولة القدرة وهو معنى متوسط وقالوا: معناه أنه سبحانه يملك تقليب القلوب من حال الى حال كما جاء في الدعاء: يا مقلب القلوب والأبصار فكأنهم خافوا من القتال فأعلمهم سبحانه أنه يبدل خوفهم أمنا بأن يحول بينهم وبين ما يتفكرون فيه من أسباب الخوف[9].
ولا ريب في أن الحقيقة اللامنتاهية تمتلك حضورا وجوديا في كل مكان واستنادا الى هذا الدليل العقلي الذي يتطابق وظاهر الاية الشريفة والأدلة النقلية الاخرى[10] كقولهم: (داخل في الاشياء على غير ممازجة[11]) والذي يؤيد ما قلناه فإنه يمكن تفسير الاية وفقا لظاهرها إذ لما كان الانسان أجوفا[12] كسائر الموجودات الامكانية لا صمدا ولا مصمتا فإن الاحاطة الوجودية للحق تعالى تفصل بين الانسان وذاته ولما كان علم الله عز وجل قدرته هما عين ذاته المقدسة فإن وجود الله سبحانه سيحول بين ذلك اذا حال علمه تعالى أو قدرته بين الانسان وقلبه الذي يؤلف أصل هويته.
إلا أن أفضل سبيل لإثبات قرب الله عز وجل المطلق الى ذات أي شيء وصفته وفعله وأثره فهو الحقيقة غير المحدودة لذلك الوجود المحض فإذا كان مثل هذا الموجود هو أقرب شيء لأي موجود من غيره فإن ذلك يستلزم تناهي الموجود غير التناهي وإن كان لا ينتمي الى ذلك الموجود.
وفي معرض اثباته لقرب الله تعالى المطلق لأي شيء يقول الفخر الرازي واعلم أن قوله تعالى: (فَإِنِّي قَرِيبٌ) فيه سر عقلي وذلك لأن اتصاف ماهيات الممكنات بوجوداتها إنما كان بإيجاد الصانع كالمتوسط بين ماهيات الممكنات وبين وجوداتها فكان الصانع أقرب الى ماهية كل ممكن من وجود تلك الماهية اليها بل هاهنا كلام اعلى من ذلك وهو أن ذلك هو أن الصانع الجوهر جوهرا والسواد سوادا والعقل عقلا والنفس نفسا فكما أن بتأثيره وتكوينه صارت الماهيات موجودة فكذلك بتأثيره وتكوينه صارت كل ماهية تلك الماهية فعلى قياس ما سبق كان الصانع أقرب الى كل ماهية من تلك الماهية الى نفسها فإن قيل: تكوين الماهية ممتنع لأنه لا يعقل جعل السواد سوادا فنقول: فكذلك أيضا لا يمكن جعل الوجود وجودا لأنه ماهية ولا يمكن جعل الموصوف دالة للماهية فإذا الماهية ليست بالفاعل والوجود ماهية أيضا فلا يكون بالفاعل وموصوفية الماهية بالوجود هو أيضا ما هية فلا تكون بالفاعل فإذا لم يقع شيء البتة بالفاعل وذلك باطل ظاهر البطلان فإذا وجب الحكم بأن الكل بالفاعل[13].
وهنا لا بد من الاشارة الى أنه: أولا: لا يجوز استخدام المصطلحات الفلسفية والكلامية في فن التفسير إلا في المواضع الضرورية. ثانيا: إن ماورد في بداية كلام الفخر الرازي ووسطه مليء بالخلط والأخطاء وذلك لخلطه بين الجعل البسيط كان التامة والجعل المركب كان الناقصة ثم اشتبه بين الماهية بالمعنى الخاص والماهية بالمعنى العام (ما به شيء هو هو) فضلا عن خلطه بين الماهية وهي مقولة وبين المفهوم الذي يعد من سنخ المقولات الخارجية ومن المقولات الثانية فطرح مثل هذه المسائل البعيدة عن التحقيق والبحث والنائبة عن الذهن والعقل لا يمكنه أن يبين بشكل صحيح معنى القرب الالهي اطلاقا.
وعلى أية حال ينبغي بحث موضوع الوجود العيني للقرب مع الوجدان الحضوري تماما كما تم تحليل وجوده العلمي بالبرهان الحصولي أي أن الحكمة والكلام هما المسؤولان عن معرفته العلمية والعرفان الخالص هو المسؤول عن شهوده العيني وهو ما تشهد عليه الاية الشريفة (85) من سورة الواقعة: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ)، ولم يقل سبحانه ولكن لا تعلمون وهذا يعني أن الامر هنا يتطلب بصيرة ملكوتية لكي يكون القرب العيني لله تعالى مشهودا فعندما يكون الداعي قادرا على اختبار هذه الرؤية المكلوتية فلا شك أن دعاءه سيحتل مرتبة خاصة وكذلك اجابته.
[3] مصباح المتهجد: 525؛ مفاتيح الجنان: دعاء أبي حمزة العمالي.
[4] تفسير الكشاف: 1 / 228. قال الزمخشري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوقـع مــن ربـه أن يحوله إلى الكعبة؛ لأنها قبلة أبيه إبراهيم [عليه السلام ] وأدعى للعرب إلى الإيمان؛ لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود، فكان يراعى نزول جبريل عليه السلام والوحي بالتحويل (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ)، فلنعطيك ولتُمكنك من استقبالها من قولك: وليّته كذا إذا جعلته واليـاً لــه أو فلنجعلك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس (تَرْضَاهَا) تحبّها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله وحكمته (شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) نحوه، قال: وأظعن بالقوم شطر الملوك؛ وقرأ أبي تلقاء المسجد الحرام، وعن البَراء بن عازب قدِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ثم وجّه إلى الكعبة وقيل كان ذلك في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وقد صلّى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحوّل في الصلاه واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال فسمي المسجد مسجد القبلتين.
[5] روح المعاني: المجلد 2 ، 2 / 96. قال الآلوستي في تفسيره: (وَإِذَا سَأَلَكَ) في تلوين الخطاب مع توجيهه لسيد ذوي الألباب عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى من التشريف ورفع المحل عني، أي عن قُربي وبعدي، إذ ليس السؤال عن ذاته تعالى: (فَإِنِّي قَرِيبٌ) أي فقُل لهم ذلك بأن تخبر عن القرب بأي طريق كان ولا بد من التقدير، إذ بدونه لا يترتب على الشرط ولم يصرح بالمقدر كما في أمثاله، للإشارة إلى أنه تعالى تكفّل جوابهم ولم يكلهم إلى رسوله ﷺ تنبيها على كمال لطفه. والقُرب حقيقة في القُرب المكاني المنزه عنه تعالى فهو استعارة لعلمه تعالى بأفعال العباد وأقوالهم وإطلاعه على سائر أحوالهم.
[9] راجع: مجمع البيان: 3 - 4 / 820.
[10] تفسير نور الثقلين: 2 / 141 - 142). قال العلّامة العروسي الحويزي قدس سره: عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) يقول: «ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام ، فإن اتباعكم إياه وولايته أجمع لأمركم وأبقى للعدل فيكم. وأما قوله (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) يقول: ابين المؤمن ومعصيته أن تقوده إلى النار، وبين الكافر وبين طاعته أن يستكمل بها الإيمان؛ واعلموا أن الأعمال بخواتيمها».
[11] كتاب التوحيد: 306، الحديث 1.
[12] قال الإمام الباقرعليه السلام: «إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ ابنَ آدَمَ أجوفا». (الكافي: 6 / 286).
[13] التفسير الكبير المجلد. 5.3/ 104 بتصرف