أشارت الاية التي نقوم بتفسيرها الى ثلاثة أو صاف للقرآن الكريم كأهداف رئيسية لإنزاله: (هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) أما توضيح ذلك فكما يلي:
1. القرآن كتاب هاد للإنسانية جمعاء يعتبر وصف الهداية من أوصاف الله تعالى الفعلية وهو عز وجل مستقل وتام في الوصف المذكور: (وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا[1]). واستنادا الى التوحيد في الهداية فإنه سبحانه كاف في الهداية ولا حاجة بعدئذ لغيره: (وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ[2]).
وأما اسناد الهداية لغير الله تعالى فيكون ذلك الغير مظهرا من مظاهر هداية الحق تعالى كما أن هذا الوصف أي الهداية مستخدم للقرآن الكريم كذلك –كما ورد في الاية المفسرة وهو وصف للكعبة المشرفة أيضا لقوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ[3]). فالكعبة كما نعلم ليست كتابا لتقوم بهداية الناس لفظا بل هي قبلة المسلمين ومطاف الزائرين ومعجزة الاسلام الخالدة: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ[4])، ولذلك فهي مظهر من مظاهر الهداية الالهية والمثل الاعلى للشعائر العملية الخاصة بالله سبحانه وهي البيت العتيق الطاهر الذي علم الحرية وهدى الى التزكية.
وهذا القرآن الذي هو (هُدًى لِّلنَّاسِ) قد وصف كذلك بـأنه (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ[5])، لأنه هو الهادي للمتقين بالفعل والمتقون الذين يؤتون التقوى هم وحدهم الذين ينفقون بهذا الكتاب السماوي وهذا يشبه ما وصف له النبي الكريم ﷺ من أنه (لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا[6])، لكنه وصف كذلك بأنه ﷺ المنذرللذي يخشى القيامة هو وحده دون غيره وهو المتقي في قوله تعالى: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا [7]).
2. يتألف القرآن الكريم من الدلائل والشواهد الخاصة بالهداية ف البينة تعني الشاهد الذي يراد به اثبات ادعاء ما فمن خط طريقه للوصول الى نقطة معينة وسعى الى الحصول على دليل يثبت تلك النقطة فقد اعتبر الدليل المذكور بينة وشاهدا له في ذلك.
والبينة في هذه الاية هي بينة من جنس الهداية لا من أجل الهداية فحرف الجر {من} في قوله تعالى (وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ) لا يعني حرف اللام إلا أن تلك البينة ليست متساوية للجميع بل وكما أشرنا سابقا هي بمثابة سند للبعض وشاهد على السند للبعض الاخر.
ولقد أدرك البعض وجودا المبدأ والمعاد وحاجة البشر الى الانبياء والرسل وأن الوحي هو السبيل الوحيد لإصلاح المجمتعات الانسانية وأدركوا كل ذلك بطريق البرهان العقلي وأصبحت معارف القرآن الكريم واضحة بالنسبة لهذه الفئة وأضحت آياته لهذه الزمرة النادرة كبينة وشاهد وأمسى الدليل العقلي مؤيد برهانهم النقلي وأما الذين لا تبدو عليهم أية بوادر للابتكار والاستدلال فإن القرآن بمجمله يعتبر هاديا لهم.
3. القرآن الكريم هو الفارق بين الحق والباطل لاشتماله على المعارف الالهية والأحكام العملية[8]، كما أنه المعيار الاصيل للمتييز بين الحق والباطل.
وهنا، لابد من التذكير بأننا إذا وضعنا عنوان الهداية في مقابل الفرقان فإن الهداية ستكتسب معناها الخاص بها لأن التفصيل يحول دون الاشتراك في المعنى وإذا ذكرت بشكل مطلق فهي الهداية العامة التي يعد التمييز والتفريق بين الحق والباطل أحد تطبيقاتها وذكرت الهداية في الاية الشريفة مرتين مرة بشكل مطلق حيث لم يرد أن تقابل الفرقان والمقصود من الهداية هنا هو المعنى العام الذي أشرنا اليه أما المرة الاخرى فقد ذكرت في مقابل الفرقان وكان المقصود بها هي الهداية المختصة.
تذكير: يرى بعض المفسرين أن تكرار الهداية هو لأغراض عديدة منها:
- التأكيد والمبالغة.
- المقصود من الهداية الثانية هو خصوص التوراة والإنجيل حيث يعتبر القرآن الكريم بمثابة بينة وشاهد على صدقهما.
- المراد من الهداية الاولى هو أصول الدين ومن الثانية فروعة[9].
- الهداية الاولى تشير الى الصراط والطريق أما الثانية فالى الهدف[10].
وهناك الكثير من الوجوه الاخرى التي قيلت في هذا الباب لكن معظمها لاشاهد له ولا دليل عليه.
[8] روح المعاني: 2/ 93. قال الآلوسي في تفسيره روح المعاني: (هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) حالان لازمان من القرآن والعامل فيهما أنزل أي أنزل وهو هداية للناس بإعجازه المختص به كما يُشعر بذلك التنكير، وآيات واضحات من جملة الكتب الإلهية الهادية إلى الحق والفارقة بين الحق والباطل باشتمالها على المعارف الإلهية والأحكام العملية كما يُشعر بذلك جعله بينات منه فهو ها د بواسطة أمرين مختص وغير مختص فالهدى ليس مكرراً».
[9] التفسير الكبير: المجلد 3 ، 5/ 89 قال الفخر الرازي في التفسير الكبير: «أما قوله تعالى: (وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) ففيه اشكال، وهو أن يقال: ما معنى قوله: (وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ) بعد قوله: (هُدَىٰ)؟ وجوابه من وجوه الأول: إنّه تعالى ذكر أولاً أنه هُدى ثُمَّ الهُدى على قسمين: تارة يكون كونه هدى للناس بيّناً جلياً، وتارة لا يكون كذلك، والقسم الأول لا شك أنه أفضل، فكأنه قيل: هو هدى؛ لأنه هو البين من الهدى والفارق بين الحق والباطل، فهذا من باب ما يُذكر الجنس ويعطف نوعه عليه لكونه أشرف أنواعه، والتقدير كأنه قيل: هذا هدى وهذا بين من الهدى وهذا بينات من الهدى، ولا شك أنّ هذا غاية المبالغات. الثاني: أن يُقال: القرآن هدى في نفسه، ومع كونه كذلك فهو أيضاً بينات من الهدى والفرقان، والمراد بالهدى والفرقان: التوراة والإنجيل؛ قال الله تعالى(عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ) وقال: (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ). وقال: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ)، فبين تعالى وتقدس أن القرآن مع كونه هدى في نفسه ففيه أيضاً هدى من الكتب المتقدمة التي هي هدى وفرقان. الثالث: أن يُحمل الأول على أصول الدين والهدى الثاني على فروع الدين، فحينئذ يزول التكرار، والله أعلم.
[10] كشف الأسرار: 1 / 491.