إشارات ولطائف (خزائن القرآن الكريم)
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص415-416
2026-06-29
29
إن لكل شيء خزائنه عند الله سبحانه وتعالى ومنه يفيض عز وجل على عالم الطبيعة بالتدريج وبمقدار معين: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ[1]) بل القرآن الكريم نفسه يعتبر من الاشياء (شَيْءٍ) وهو كغيره من الاشياء التي لها خزائن عند الله عز وجل ولا ينزل من خزائن غيبه الى الشهادة إلا بقدر معلوم.
و(أُمُّ الْكِتَابِ) من خزائن القرآن الكريم وقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ[2])، الضمير للكتاب و(قُرْآنًا عَرَبِيًّا) أي مقروءا باللغة العربية و(لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) غاية الجعل وغرضه. وجعل رجاء تعقله غاية للجعل المذكور يشهد بأن له مرحلة من الكينونة والوجود لا ينالها عقول الناس، ومن شأن العقل أن ينال كل أمر فكري وإن بلغ من اللطافة والدقة ما بلغ، فمفاد الاية أن الكتاب بحسب موطنه الذي له في نفسه أمر وراء الفكر أجنبي عن العقول البشرية وإنما جعله الله (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) وألبسه هذا اللباس رجاء أن يستأنس به عقول الناس في عقوله والرجاء في كلامه تعالى قائم بالمقام أو المخاطب دون المتكلم[3].
والدليل على أن الله سبحانه وتعالى قد فصل بين الانشاء العربي للقرآن الكريم وبين (أُمُّ الْكِتَابِ) هو الاتيان بعبارة: (لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) عند قوله: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا)، بينما لم يرد مثل ذلك التعبير عند الكلام عن (أُمُّ الْكِتَابِ). ولما كان التفصيل قاطعا للاشتراك يتبين لنا بأن للقرآن الكريم مرحلتان:
- مرحلة الألفاظ حيث تستخدم فيها المفاهيم والوسائل المنطقية (التصور والتصديق) وتعقله والوصول الى العلم الحصولي فيه هو أمر ممكن.
- أما المرحلة الاخرى فهي المرحلة التي يفتقد فيها المتعقل للوسائل المنطقية ويكون طريق التعقل في تلك المرحلة مغلقا بوجهه والعلم في هذه المرحلة إما أن يكون حضوريا أو شهوديا. وخلال هذه المرحلة لا يجرؤ العقل الاستدلالي ولا العلم الحصولي على الوصول الى (أُمُّ الْكِتَابِ)، وأما ما يخص الوحي والنبوة فهما (العقل الاستدلالي والعلم الحصولي) يقولان: (إن وجود النبي أو والرسول ضروري للإنسان كضرورة الماء والهواء وأنا العقل الاستدلالي أدرك بأن هناك الكثير من الامور التي لا أدركها ولذا فأنا محتاج الى النبي والإمام المعصوم وإني بعيد عن مثل هذا الادراك والفهم وأعلم أن طريق الغيب أصعب من أن يستطيع أي أحد الوصول اليه بالتفكير الاعتيادي).
وبطبيعة الحال فإن كل ما يحصل عليه ويدركه الانسان الكامل المعصوم عليه السلام عن طريق الوحي وهو الشهود الخاص، هو نفسه ما يتنزل الى عالم الطبيعة بواسطة الرسل وبنفس الالفاظ المقررة له من لدن الله سبحانه كالآيات القرآنية أو بواسطة الانسان الكامل المعصوم عليه السلام نفسه بالحديث القدسي وما شابهه وعندها سيتمكن العقل المفكر من فهم ذلك وإدراكه بقدر سعة وجوده.
[3] تفسير الميزان: 18/ 85
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة