(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).
خلاصة التفسير: سئل النبي الاكرم ﷺ حول الربوبية وكيفية تدبير الله تعالى واشرافه وحضوره واجابته للدعاء (لا في أصل الوجود وخلقه) وطريقة استجابته سبحانه للحاجات فأجابهم الله عز وجل بعبارات ملؤها العطف والرحمة مؤكدا لهم عدم وجود أي وسيط بين الخلق وبينه عند الدعاء أجابهم قائلا: إن قريب الى كل عبد يدعوني أنا (لا يدعو غيري ويدعوني ويدعو غيري في نفس الوقت) وإنني سأجيبه ولا أخيب رجاءه[1].
ولا شك في أن هذه الاستجابة لذلك السؤال الاستعطائي مع التأكيد على قرب الله سبحانه وتعالى من الجميع دون استثناء وبيان بقاء وثبوت ذلك القرب والسرعة في الاجابة ثم تجدد واستمرار اجابة الله تعالى للدعاء لا شك في أن ذلك دال على لطف الله عز وجل وعنايته بخلقه جميعا.
والله جل جلاله المجيب لا بد من أنه سيستجيب امتنانا للدعاء الخالص الموافق من الشوائب لن تبقى بدون ثواب فإن عدم الاستجابة للدعاء من شأنه أن يخيب أمل الداعي ورجاء الطالب على الاستمرار في الدعاء والوعد بالإجابة ولا يجدر بالحكيم المطلق الاهمال والتجاهل كما أنه لا يليق بالإله الأوحد الخلف بالوعد ولهذا فإن أي دعاء لن يبقى دون اجابة وثواب وإن كان معارضا للحكمة.
وينبغي هنا اجابة دعوة الله سبحانه بالخضوع والتسليم له والايمان به لتتوفر الارضية اللازمة لمتطلبات الايمان الاخرى وللاستجابة للدعاء من الضروري أن يكون الداعي كذلك قريبا من الله سبحانه ولتحقيق هذا القرب أمر الله تعالى بتلبية طلبه والحقوقية بعد الايمان بالمبادئ الاساسية وعليه فإن التقوى ليست سوى الاستجابة لله تعالى والايمان به وبقدرته على تحقيق مطالب ومستلزمات الدعاء هذا ويختلف دعاء الداعين ومراتبهم باختلاف درجات ومراتب القرب والإجابة والاستجابة والإيمان.
تفسير المفردات: أجيب... فليستجيبوا: الاجابة والاستجابة من وجوب والاصل الواحد في هذه المادة هو الخرق والنفوذ وهو إما تأثير في المادة أو في المعنى فيقال: جاب الصخرة أي نقبها وجاب القميص أي خرقها وجاب البلاد أي قطعها سيرا فكأنه خرق البلاد ونفذ فيها و (الجواب) و(الجابة) عبارة عن رد كلام أو المقابلة بعمل يؤثر في الطرف وينفذ في قلبه ويخرق مشكله الصعب ويحل عقده فحقيقة معنى الجواب هي هذا المفهوم وينبغي استعماله في هذا المورد وأما المشتقات المزيدة فيراد بها هذا المفهوم مضافا اليه معنى الهيئة والصيغة فيقال: أجاب دعوته أي: جعل دعائه نافذا وكلامه مؤثرا وعمله منتجا ومقبولا ويقال: استجاب الله دعاءه أي طلب تأثيره ونفوذه وأراد حصول مطلوبة فظهر الاصل الواحد في هذه المادة ثم استعمل الجواب والإجابة والاستجابة في الحاصل من ذلك المفهوم وهو القبول وصول المراد[2].
وقال بعضهم: الاستجابة هي الاجابة بعناية واستعداد والسين والتاء للمبالغة[3]، بينما قال آخرون بأن عنوان الاستجابة يأتي مع الانقياد والخضوع خلافا للإجابة[4].
وقال أمين الاسلام الطبرسي قدس سره بأن الاجابة والاستجابة هما بمعنى واحد وعلى هذا فإن جملة (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) تعني أن على العباد أن يجيبوا دعوة الله تعالى ويؤمنوا به لكي يوفقوا للسير على الصراط المستقيم.
يرشدون: الرشد هو الاهتداء الى الخير والصلاح[5] وقد بنيت بعض الايات القرآنية بشكل واضح علل وعوامل الرشد ومثال الراشد[6].
تناسب الايات: ذكر المفسرون وجوها عديدة للتناسب القائم بين هذه الاية والايات الشريفة التي سبقتها أهمها ما يلي: 1. إن دعاء الصائم مستجاب سيما في شهر رمضان وليلة القدر خاصة مظنة الاجابة.
2. قد يتوهم البعض – بعد الاشارة الى كبرياء الله سبحانه في الاية السابقة بأن الله سبحانه وتعالى بعيد عن عباده وأنه لا يمكن الطلب مه إلا بواسطة لكنه سبحانه وتعالى قال: (فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[7]).
3. أمرت الاية السابقة باكمال التكبير والشكر مما أثار سؤالا في أذهان المخاطبين مفاده هل هناك ثواب مقابل الامتثال الاوامر ؟ نعم فقد أكرم الله تعالى المطيعين والممتثلين لأوامره فأجابهم على سؤالهم الافتراضي قائلا: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[8]).
4. للتأكيد على الاوامر السابقة ومنها الامر بصيام شهر رمضان المبارك وإكمال عدته وكذلك حثهم على القيام بواجب التكبير والشكر عقبه بهذه الاية الدالة على أنه تعالى خبير بأحوالهم سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم مجازيهم على أعمالهم تأكيدا لذلك وحثا عليه[9].
5. أمرت الاية السابقة المؤمنين بالثناء والشكر بينما رغبتهم الاية المفسرة بالدعاء تعليما وتنبيها على حسن الطلب[10].
6. ينقسم التكبير والشكر اللذان أمر بهما الله سبحانه في الاية السابقة على قسمين قولي وعملي ففيما يخص القسم الاول يمكن أن يتبادر الى الاذهان السؤال التالي: هل ينبغي أن يدعو الانسان ربه بصوت عال أم يمكنه أن يناجي الله بصوت خافت؟ فتزلت هذه الاية الشريفة جوابا على الاستفسار المذكور وأنه ما من لزوم الى دعاء الله سبحانه بصوت عال فهو يسمع الدعاء بكل الاصوات[11].
7. توهم بعض مفسري العامة بوقوع النسخ في أحكام الصيام وقالوا – حول مجيء هذه الاية بعد آيات الصوم – لما أمرهم سبحانه وتعالى بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الاية الدالة على أنه تعالى خبير بأفعالهم سميع لأقوالهم مجازيهم على أعمالهم تأكيدا له وحثا عليه أو أنه لما نسخ الأحكام في الصوم ذكر هذه الاية الدالة على كمال علمه بحال العباد وكمال قدرته عليهم ونهاية لطفه بهم في أثناء نسخ الاحكام تميكنا لهم في الايمان وتقريرا لهم على الاستجابة لأن مقام النسخ من مظان الوسوسة والتزلزل فالجملة على التقديرين اعتراضية بين كلامين متصلين معنى أحدهما ماتقدم والثاني قوله سبحانه وتعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[12])[13].
8. يتبين مما قيل إن شهر رمضان المبارك هو شهر الصيام وتلاوة القرآن والتدبر في الايات النورانية بالإضافة الى كونه شهر الدعاء ووقت السؤال والابتهال الى الله جل جلاله ففي هذا الشهر الكريم يكون الدعاء أخلص والإجابة أسرع والداعي أقرب الى الفيوضات الالهية ومن هنا فإن الله الرحمن الرحيم وفي اطار تشريعه للصيام وبيان أحكامه طرح موضوع نزول القرآن الكريم الى جانب الدعاء والاستجابة بل ولقد وضع الاية المتعلقة بالدعاء فيما بين آيات الصيام بغية بيان أهمية الدعاء في هذا الشهر العزيز وخصوصيته مقارنة بالأشهر الاخرى.
الألطاف الخاصة: تشير الاية الشريفة بشكل عام الى العناية الخاصة لله عز وجل بعباده الذين يظهرون غاية عبوديتهم ومنتهى خضوعهم له وربوبيته[14] ونلاحظ صبغة الامتنان على عنوان إجابة الله سبحانه المطروح في هذه الاية في قوله تعالى: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ)، أما ما ورد بعنوان الاستجابة للعباد: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) فله مسحة الامتثال والخضوع.
وتتضمن الاية المذكورة نماذج من رحمة الله تعالى وفضله على عباده ومنها: 1. ذكر الموضوع (موضوع الدعاء) بصيغة الحاضر – لا الغائب – مع الاشارة الى ضمير المتكلم وحده سبع مرات مما يجعل هذه الاية فريدة من نوعها في القرآن الكريم لما يتجلى فيها من منتهى عناية الله عز وجل بموضوع الاية ألا وهو الدعاء.
2. تأمل جيدا في ما تتضمنه عملية استخدام كلمة (عِبَادِي) بدلا من كلمة الناس وغيرها من الكلمات الاخرى مما يدل على اهتمام الباري عز وجل بالدعاء وهذا يشبه اضافة الكعبة الى الله تعالى وتشريفها بنسبتها اليه سبحانه حيث يقول (بَيْتِيَ[15])، فكذلك هي اضافة العباد الى الله جل جلاله ونسبتهم اليه لأنها سبب لمباهاتهم وحق لهم ذلك.
واستخدام كلمة (عِبَادِي) هو تعبير عام يختلف تماما عن قوله تعالى مثلا (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ[16]) أو (وَادْخُلِي جَنَّتِي[17])، لأن هذين التعبيرين استخدما للاشارة الى فئة أو مجموعة خاصة من العباد أو الناس باعتبار أن المفهوم من قوله تعالى: (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) والذي تبعه قوله سبحانه (وَادْخُلِي جَنَّتِي[18]) هو أن هناك فئة معينة تتمتع بهذه المنزلة أو المكانة المتميزة وأنه ليس باستطاعة غيرهم بلوغ تلك المنزلة أما كلمة (عِبَادِي) في الاية الشريفة التي نقوم بتفسيرها فتشمل أي عبد من عباد الله المحتاجين ممن لم تعين لهم منزلة خاصة مثل جنة خاصة أو غير ذلك والخلاصة فإن كلمة (عِبَادِي) الواردة في آخر سورة الفجر تشير الى عباد معينين لأنها أولا: تقصد جماعة معينة ومقاما معينا لهم أونه لايمكن لأحد الوصول الى ذلك المقام المنيع دون اذن أوهدى وثانيا: فإن هذه الكلمة مسبوقة بقوله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً[19]) وهذا يعني أن الوصول الى مقام النفس المطمئنة والفوز برضا الخالق (الله تعالى) والخلق في نفس الوقت ليس بمقدور أحد سوى الخواص من العباد وليس جميعهم وثالثا ألحقت الايات المذكورة بقوله سبحانه (وَادْخُلِي جَنَّتِي) مما يشير الى أن هذه الجنة تختلف عن تلك المذكورة في قوله تعالى مثلا. (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ[20]) والجنان الاخرى ومع ذلك فقد يدخل بعض العوام من العباد حظيرة الخواص ويرقى الى منزلتهم بالتدريج بسبب الاستجابة والإيمان المذكور في الاية.
3. غياب الوسيط والواسطة في قوله تعالى: (فَإِنِّي قَرِيبٌ) لانه لم يقل مثلا: فقل هو قريب وبذلك فإن قول من قال بأن (فقل) محذوفة مجازا هو قول غير صحيح[21].
4. التأكيد على قرب الله سبحانه وتعالى باستخدام إن.
5. إستخدام الصفة (قَرِيبٌ) بدلا من الفعل بهدف بينان ثبوت قرب الله عز وجل واستمراره ودوامه.
6. استخدام الفعل (أُجِيبُ) الذي يفيد تجدد الاجابة واستمرارها.
7. تقييد عبارة (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) بالجملة الشرطية (إِذَا دَعَانِ) حيث تشترك كل من الجملتين بمضمون واحد وهو أن الدعاء الحقيقي مستجاب دون أي شرط[22] وكذلك الدعاء الحقيقي فهو ليس سوى دعاء الله سبحانه لا دعاء غيره أو الدعاء المشوب بما لا يليق به.
8. جملة (فَإِنِّي قَرِيبٌ) التي هي كناية عن سرعة اجابته عز وجل للتقارب الموجود بين معنى السريع والقريب وتشير هذه العبارة كذلك الى قرب الله عز وجل من عباده بالعلم والقدرة لا بالمجاورة والمكان لأن المكان مخلوق من مخلوقاته وهو من الصفات الامكانية والمادية والله سبحانه وتعالى منزه عن كل صفة امكانية ومن المادة اذا فمعنى الاية الشريفة لا يشوبه أي نوع من التجسيم بل هي دليل على نفي التجسيم وتنزيه ذات الله المقدسة عن المكان اذ لو كان له مكان لم يكن قريبا من كل من يناجيه فقوله: (فَإِنِّي قَرِيبٌ) دال على أنه لا مكان محدد له[23].
[1] رُوي إنّ أعرابياً قال لرسول الله ﷺ: أقريب ربنا فتناجيه أم بعيد فتناديه؟ فنزلت الآية. (تفسير الأصفى الفيض الكاشاني: 1 / 106). قال نبينا ﷺ: «أعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، إن قيل: كيف يكون الشيء قريباً من الآخر ويكون دلك الآخر بعيداً عنه، قلنا هذا كما يكون لك محبوب وهو حاضر عندك وأنتَ عنه في عمى، لا تراه ولا تشعر بحضوره، فإنه قريب منك وأنت بعيد عنه». (تفسير الصافي: 1 / 246. عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي): «يعلمون أني أقدر على أن أعطيهم ما يسألون». (البرهان: 1 / 185 ؛ الصافي: 1 / 168؛ بحار الأنوار: 19 - 2 / 44). عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الفريقان: «الدعاء سلاح المؤمن»، وفي عدة الداعي، في الحديث القدسي: «يا موسى سلّني كل ما تحتاج إليه حَتَّى عَلف شاتك وملح عجينك. وفي المكارم، عنه: «الدعاء أفضلُ مِن قراءة القُرآن؛ لأنّ الله عز وجل قال: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ)». الفرقان: 77. (الميزان: 2./ 18).
[2] التحقيق في كلمات القرآن: 2 / 143 - 144، مادة (جوب).
[3] التفسير الوسيط: 1 / 391
[5] التحقيق في كلمات القرآن 4 / 140 ، مادة (رشد).
[7] نظم الدرر: 1 / 347. قال برهان الدين البقاعي في نظم الدرر: ولما كان دعاء الصائم مُجاباً وكان هذا الشهر بالخصوص مظنة الإجابة للصيام ولمكان ليلة القدر، وكان ذكر كبريائه سبحانه وتعالى مهيئاً لعباده الإحساس بالبعد، فكان ربما أوقع في وهم أنه على عادة المتكبرين في بعـد المسافة عن محال العبيد، وأنه إن كان بحيث يسمع لم يكن لأحد منهم أن يسأله إلا بواسطة رفع هذا الوهم بقوله: (وإذا) دالّا بالعطف على غير مذكور أن التقدير [ هو ]: فإذا سألك عبادي عني فإني مع علو شأني رقيب على من أطاعني ومَن عصاني.
[8] تفسير التحرير والتنوير: 2/ 176. قال ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير: نظم الآية مؤذناً بأن الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم، أكرمهم فقال: «وإذا سألوا عن حقهم علي فإني قريب منهم أجيب دعوتهم، وجعل هذا الخير مرتباً على تقدير سؤالهم إشارة إلى أنهم يهجس هذا في نفوسهم بعد أن يسمعوا الأمر بالإكمال والتكبير والشكر أن يقولوا: هل لنا جزاء على ذلك؟.
[9] أنوار التنزيل وأسرار التأويل: 1 / 106.
[10] تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 1 / 505 .
[11] تفسير المنار: 2 / 166. قال محمد رشيد رضا: «وَالتَّكْبِيرُ تَعْلِيلُ لِإِكْمَال الْعِدَّةِ بِصِيَامِ الشَّهْرِ كُلِّهِ، وَمَظْهَرُهُ الْأَكْبَرُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ إِذْ شُرِعَ فِيهِ التَّكْبِيرُ القويُّ عَامَّة لَيْلِهِ وَإِلَى مَا بَعْدَ صَلَاتِهِ، وَبِذَلِكَ كُلِّهِ نَكُونُ مِنَ الشَّاكِرِينَ لَهُ عَلَى هَذِهِ النَّعَمِ كُلِّهَا وَعَلَى غَيْرِهَا ... وَالتَّكْبِيرُ وَالشُّكْرُ يَكُونَانِ بِالْقَوْلِ نَحْوَ الْحَمْدُ للهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، كَمَا يَكُونَانِ بِالْعَمَلِ؛ وَمَا كَانَ بِالْقَوْلِ يَأْتِي فِيهِ السُّؤَالُ: هَلْ يَكُونُ بِرَفْعٍ الصَّوْتِ وَالْمَنَادَاةِ أَمْ بِالْمُخَافَتَةِ وَالمَناجَاةِ؟ فَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ جَوَابًا عَنْ هَذَا السُّؤَالِ الَّذِي يُتَوَفَّعُ إِنَّ لَرْيَقَعُ، فَهِيَ فِي عَلَّهَا سَوَاءٌ صَحَ مَا رَوَوْهُ فِي سَبَبِهَا أَمْ لَا. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عِنْدَ ذِكْرِ السَّبَب الْأَوَّل: هَذَا السُّؤَالُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ مِنَ الْعَرَبِ أَوِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ اعْتَادُوا أَنْ يَتَّخِذُوا وَسَائِلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ إِلهِهِمْ يُقَرِّبُونَهُمْ إِلَى خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهَؤُلَاءِ الْوَسَائِلُ وَالْوَسَائِطُ إِمَّا أَشْخَاصٌ وَإِمَّا أَمْئِلَةُ أَشْخَاصِ كَالتَّمَاثِيلِ وَالْأَصْنَامِ، وَلَوْ يَهْتَدُوا بِأَنْفُسِهِمْ إِلَى التَّجَرُّدِ لَعْرِفَةِ ذَلِكَ الْإِلَهِ الْوَاحِدِ الْعَظِيمِ بِأَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِشَيْءٍ حَتَّى هَدَاهُمْ إِلَيْهِ الْقُرْآنُ بِآيَاتِهِ الْبَيِّنَاتِ، فَكَانُوا أَهْلَ التَّوْحِيدِ الْخَالِص.
[13] تفسير روح المعاني: 2/97
[14] وفي هذا المجال وردت عبارات قيمة في كلام أهل المعرفة وجهابذة الأدب والعرفان كالحكيم السنائي والعطار النيسابوري، فأجادوا في بيان هذه المسألة وأطنبوا الحديث بشأنها. وقد نقــل الأستاذ الكبير الشيخ محمد حسين توني والمشهور بفاضل توني قدس سره عن أساتذته الكبار أنهــم قالوا: إذا أراد العبد أن يتشرف بلقاء مولاه فينبغي عليه تقديم هدية لا يمتلكها المولى، وإلا فإنّ كل ما سيقدمه - مما هو موجود لدى مولاه - لن يكون ذا قيمة على الإطلاق. فأفضل هدية يقدمها العبد لسيده هي إظهاره للعبودية والعجز والمسكنة والابتهال والتضرع، وكل تلك أشياء لیست موجودة بالتأكيد لدى المولى، رغم أنّ هذا النقص يُمثل كمالاً للمولى في حد ذاته. ويتجلّى هذا المعنى بشكله الكامل في مناجاة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وهو يخاطب ربه بقوله: «إلهي ! كَفَى فِي عِزَا أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبداً وَكَفى بفخراً أن نكون لي رَباً أنتَ كَمَا أُحِبْ، فَاجْعَلْنِي كَما تحب. (كتاب الخصال: 420). وقال الشاعر الفارسي المعروف (الحكيم السنائي) في ديوانه ص 657:
اذهب إلى حضرة الرب وأنت مغبر * وإلا فعليك قبول الهوان إن أهنت نفسك
[15] (وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ).
[21] مجمع البيان: 1 - 2 / 500؛ روض الجنان: 3 / 42 قال أمين الإسلام الطبرسي قدس سره: «لما ذكر سبحانه الصوم عقبه بذكر الدعاء ومكانه منه وإجابته إياه فقال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) الأقرب أن يكون السؤال عن صفته سبحانه لا عن فعله لقوله سبحانه (فَإِنِّي قَرِيبٌ) وفيه حذف، أي: فقُل إني قريب؛ فدل بهذا على أنه سبحانه لا مكان له، إذ لو كان له مكان لم يكن قريباً من كلّ من يناجيه. وقيل معناه: إني أسمع دعاء الدّاعي كما يسمعه القريب المسافة منهم، فجاءت لفظة (قَرِيبٌ) بحُسن البيان بها، فأمّا قريب المسافة فلا يجوز عليه سبحانه؛ لأن ذلك إنما يُتَصوّر فيمن كان مُتمكناً في مكان وذلك من صفات المحدثات.
[22] تفسير الميزان: 2/ 30 - 33. قال الأستاذ العلّامة الطباطبائي: «قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) أحسن بيان لما اشتمل عليه من المضمون وأرق أسلوب وأجمله، فقد وضع أساسه على التكلم وحده دون الغيبة ونحوها، وفيه دلالة على كمال العناية بالأمر، ثُمّ قوله: (عِبَادِي) ولم يقل: «الناس» وما أشبهه، يزيد في هذه العناية، ثُم حذف الواسطة في الجواب حيث قال: (فَإِنِّي قَرِيبٌ) ولا يَقُل: فقُل إنّه قريب»، ثُمّ التأكيد بـ«إنّ» ثُمّ الإتيان بالصفة دون الفعل الدال على القُرب ليدل على ثبوت القرب ودوامه ، ثُمّ الدلالة على تجدّد الإجابة واستمرارها حيث أتى بالفعل المضارع الدال عليهما، ثم تقييده الجواب، أعني قوله: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) بقوله: (إِذَا دَعَانِ)، وهذا القيد لا يزيد على قوله: (دَعْوَةَ الدَّاعِ) المقيد به شيئاً، بل هو عينه، وفيه دلالة على أن دَعْوَةَ الدَّاعِ مُجابة من غير شرط وقيد كقوله تعالى:. (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ).
[23] مجمع البيان: 1 - 2 / 500 .