

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
إخبار أمير المؤمنين عليه السلام بالمغيّبات
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج12، ص29-39
2026-03-23
14
قال الشيخ المفيد في «الإرشاد»: والذي كان من أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الصدد (أي الإخبار بالغيب) ما لا يستطاع إنكاره إلّا مع الغباوة والجهل والبهت والعناد. أ لا ترى إلى ما تظاهرت به الأخبار، وانتشرت به الآثار، ونقلته الكافّة عنه عليه السلام من قوله قبل قتاله الفرق الثلاث بعد بيعته: امِرْتُ بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ والقَاسِطِينَ والمَارِقِينَ. (و المقصود من هؤلاء هم أصحاب الجمل، وأصحاب معاوية، وخوارج النهروان الذين قاتلهم في الجمل، وصفّين، والنهروان) فقاتلهم عليه السلام وكان الأمر فيما خبّر به على ما قال.[1]
وقال عليه السلام لطلحة والزبير حين استأذناه في الخروج إلى العُمرة: واللهِ مَا تُرِيدَانِ العُمْرَةَ وإنَّمَا تُريدَانِ البَصْرَةَ. وكان الأمر كما قال.[2]
وقال عليه السلام لابن عبّاس يخبره عن استئذانهما له في العُمرة: إنَّنِي أذِنْتُ لَهُمَا مَعَ عِلْمِي بِمَا قَدِ انْطَوَيَا عَلَيْهِ مِنَ الغَدْرِ واسْتَظْهَرْتُ بِاللهِ عَلَيْهِمَا وإنَّ اللهَ تعالى سَيَرُدُّ كَيْدَهُمَا ويَظْفُرُنِي بِهِمَا. فكان الأمر كما قال.[3]
وقال ابن شهرآشوب بعد الرواية الاولى التي قال فيها عليه السلام: وإنَّمَا تُرِيدَانِ البَصْرَةَ: وفي رواية: إنَّمَا تُرِيدَانِ الفِتْنَةَ. وقال عليه السلام أيضاً: لَقَدْ دَخَلَا بِوَجْهٍ فَاجِرٍ وخَرَجَا بِوَجْهٍ غَادِرٍ، ولَا ألْقَاهُمَا إلَّا في كَتِيبَةٍ، وأخْلَقُ بِهِمَا أنْ يُقْتَلَا.
و في رواية أبي الهَيْثَمْ بن التَّيِّهان، وعبد الله بن رافع (أنّه عليه السلام قال لهما): ولَقَدْ انْبِئْتُ بِأمْرِكُمَا وارِيتُ مَصَارِعَكُمَا؛ فَانْطَلَقَا وهُوَ يَقُولُ، وهُمَا يَسْمَعَانِ: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ.[4]
ونقل المجلسيّ رضوان الله عليه عن «المناقب» لابن شهرآشوب، عن ابن عبّاس، أنّ الإمام عليه السلام قال يوم الجمل: لَنَظْهَرَنَّ عَلَى هَذِهِ الفِرْقَةِ ولَنَقْتُلَنَّ هَذَينِ الرَّجُلَيْنِ. وفي رواية: لَتَفْتَحُنَّ البَصْرَةَ ولَيأتِيَنَّكُمُ اليَوْمَ مِنَ الكُوفَةِ ثَمَانِيَةُ آلافٍ وبِضْعٌ وثَلَاثُونَ رَجُلًا.[5] فكان كما قال. وفي رواية: ستّة آلاف وخمسة وستّون.
وقال الشيخ المفيد: وقال عليه السلام بذي قار وهو جالس لأخذ البيعة: يَأتِيكُمْ مِنْ قِبَلِ الكُوفَةِ ألْفُ رَجُلٍ لَا يَزِيدُونَ رَجُلًا ولَا يَنقُصُونَ رَجُلًا يُبَايُعوني عَلَى المَوْتِ.
قال ابن عبّاس: فجزعتُ لذلك وخفتُ أن ينقص القوم عن العدد أو يزيدوا عليه فيفسد الأمر علينا. ولم أزل مهموماً دأبي إحصاء القوم، حتى ورد أوائلهم، فجعلت احصيهم، فاستوفيت عددهم تسعمائة رجل وتسعة وتسعين رجلًا. ثمّ انقطع مجيء القوم، فقلتُ: إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ما ذا حمله على ما قال؟
فبينا أنا مفكّر في ذلك إذ رأيت شخصاً قد أقبل، حتى إذا دنا، فإذا هو راجل عليه قباء صوف، معه سيفه وتُرسه وإداوته، فقرب من أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: امدُدْ يَدَكَ ابَايِعْكَ.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: عَلَامَ تُبَايِعُنِي؟
قال: عَلَى السَّمْعِ والطَّاعَةِ والقِتَالِ بَيْنَ يَدَيْكَ حتى أمُوتَ أوْ يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ما اسمك؟ قال: اوَيْس. قال: أنْتَ اوَيْسُ القَرَنِيّ؟ قال: نعم.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: اللهُ أكْبَرُ، أخْبَرَنِي حَبِيبِي رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ: أنِّي ادْرِكُ رَجُلًا مِنْ امَّتِهِ يُقَالُ لَهُ: اوَيْسُ القَرَنِيّ، يَكُونُ مِنْ حِزْبِ اللهِ ورَسُولِهِ، يَمُوتُ عَلَى الشَّهَادَةِ، يَدْخُلُ في شَفَاعَتِهِ مِثْلُ رَبِيعَةَ ومُضَرَ، اللهُ أكْبَرُ.
قال ابن عبّاس: فَسُرِيَ واللهِ عَنِّي.[6]
وقال الشيخ المفيد أيضاً: ومن ذلك (أي إخباره عليه السلام بالغيب) قوله وقد رفع أهل الشام المصاحف، وشكّ فريق من أصحابه ولجأوا إلى المسالمة ودعوه إليها: وَيْلَكُمْ، إنَّ هَذِهِ خَدِيعَةٌ ومَا يُرِيدُ القَوْمَ القُرْآنَ لأنَّهُمْ لَيْسُوا بِأهْلِ قُرْآنٍ، فَاتَّقُوا اللهَ وامْضُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ في قِتَالِهِمْ، فَإن لَمْ تَفْعَلُوا تَفَرَّقَتْ بِكُمُ السُّبُلُ ونَدِمْتُمْ حَيْثُ لَا تَنْفَعُكُمُ النَّدَامَةُ.
فكان الأمر كما قال. وكفر القوم بعد التحكيم، وندموا على ما فرط منهم في الإجابة إليه، وتفرّقت بهم السبل، وكان عاقبتهم الدمار.[7]
وقال الشيخ المفيد أيضاً: وقال عليه السلام وهو متوجّه إلى قتال الخوارج: لَوْ لا أنِّي أخَافُ أنْ تَتَّكِلُوا وتَتْرُكُوا العَمَلَ لأخْبَرْتُكُمْ بِمَا قَضَاهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَنْ قَاتَلَ هَؤُلَاءِ القَوْمَ مُسْتَبْصِراً بِضَلَالَتِهِمْ، وإنَّ فِيهِمْ لَرَجُلًا مَوْذُونَ[8] اليَدِ، لَهُ ثَدْيٌ كَثَدْي المَرْأةِ، وهُمْ شَرُّ الخَلْقِ والخَلِيقَةِ، وقَاتِلُهُمْ أقْرَبُ خَلْقِ اللهِ إلَى اللهِ وَسِيلَةً.[9]
ولم يكن المُخْدِجُ[10] (و هو ذو الثُّدَيَّة الذي كانت إحدى يديه ناقصة وهي كالثدي في جانب صدره) معروفاً في القوم. فلمّا قتلوا جعل (أمير المؤمنين) عليه السلام يطلبه في القتلى، ويقول: واللهِ مَا كَذَبْتُ ولَا كُذِبْتُ. حتى وُجد في القوم، فَشُقّ قميصه فكان على كتفه سلعة كثدي المرأة، عليها شعرات إذا جذبت انجذب كتفه معها. وإذا تُركت رجع كتفه
إلى موضعه. فلمّا وجده أمير المؤمنين عليه السلام، كبّر، ثمّ قال: إنَّ في هَذَا لَعِبْرَةٌ لِمَنِ اسْتَبْصَرَ.[11]
قال المجلسيّ: روى ابن أبي الحديد أنّ أهل السير كافّة ذكروا أنّ عليّاً عليه السلام لمّا طحن الخوارج، طلب ذا الثُّديَّة طلباً شديداً، وقلّب القتلى ظهراً لبطن، فلم يقدر عليه، فساءه ذلك وجعل يقول: واللهِ مَا كَذَبْتُ ولَا كُذِبْتُ! اطلبوا الرجل وإنّه لفي القوم. فلم يزل يتطلّبه حتى وجده و(هُوَ رَجُلٌ مُخْدِجُ اليَدِ كَأنَّهَا ثَدْيٌ في صَدْرِهِ).[12]
وروى إبراهيم بن ديزيل في كتاب «صفيّن» عن الأعمش، عن زيد ابن وهب قال: لمّا شجر أمير المؤمنين عليه السلام الخوارج بالرماح، قال: اطلبوا ذا الثُّديَّة، فطلبوه طلباً شديداً حتى وجدوه في وهدة من الأرض تحت ناس من القتلى. فاتي به وإذا رجل على يديه مثل سبلات[13] السِّنَّوْر، فكبّر عليّ عليه السلام، وكبّر الناس معه سروراً بذلك.[14]
وروى مُسْلِم الضَّبّيّ أيضاً عن حَبَّةَ العُرَنِيّ أنّ ذا الثُّديَّة كان رجلًا أسوداً منتن الريح، له ثدي كثدي المرأة، إذا مُدّت كانت بطول اليد الاخرى. وإذا تُركت اجتمعت وتقلّصت وصارت كثدي المرأة عليها شعرات مثل شوارب الهرّة.[15]
فلمّا وجدوه قطعوا يده ونصبوها على رمح. ثمّ جعل أمير المؤمنين عليه السلام ينادي: صَدَقَ اللهُ وبَلَّغَ رَسُولُهُ. لم يزل يقول ذلك هو وأصحابه من العصر إلى أن غربت الشمس أو كادت.[16]
وروى ابن ديزيل أيضاً، قال: لمّا عيل صبر عليّ عليه السلام في طلب المخدج، قال: آتوني ببلغة رسول الله صلى الله عليه وآله، فركبها، وأتبعه الناس: فرأى القتلى وجعل يقول: اقلبوا. فيقلبون قتيلًا عن قتيل حتى استخرجه، فسجد على عليه السلام شكراً.[17]
وروى كثير من الناس أنّه لمّا دعا بالبغلة، قال: ائتوني بها فإنّها هادية. فوقفت به على المخدج، فأخرجه من تحت قتلى كثيرين.[18]
وروى العوامّ بن حَوشَب عن أبيه، عن جدّه: يزيد بن رويم، قال: قال عليّ عليه السلام (بالنهروان): يقتل اليوم أربعة آلاف من الخوارج أحدهم ذو الثديّة، فلمّا طحن القوم، ورام استخراج ذي الثديّة، فأتعبه، أمرني أن أقطع له أربعة آلاف قصبة. (و ركب بغلة رسول الله وقال لي: اطرح على كلّ قتيل منهم قصبة).[19] فلم أزل كذلك وأنا بين يديه وهو راكب خلفي، والناس يتبعونه، حتى بقيت في يدي واحدة.
فنظرت إليه وإذا وجهه أربد، وإذا رجله في يدي، فجذبتها، وقلتُ: هذه رِجل إنسان! فنزل عن البغلة مسرعاً، فجذب الرِّجل الاخرى، وجرّرناه حتى صار على التراب فإذا هو المخدج. فكبّر عليّ عليه السلام بأعلى صوته، ثمّ سجد فكبّر الناس كلّهم.[20]
وقال الشيخ المفيد: وروى أصحاب السيرة في حديثهم عن جُندب بن عبد الله الأزديّ أنّه قال: شهدتُ مع عليّ عليه السلام الجمل وصفّين، لا أشكّ في قتال من قاتله، حتى نزلنا النهروان. فدخلني شكّ وقلتُ: قُرَّاؤُنَا وخِيَارُنَا نَقْتُلُهُمْ؟ إنَّ هَذَا الأمْرَ عَظِيمٌ.
فخرجت غدوةً أمشي ومعي إداوة ماء حتى برزتُ عن الصفوف، فركزت رمحي، ووضعت ترسي إليه واستترتُ من الشمس. فإنّي لجالس حتى ورد عَلَيّ أمير المؤمنين عليه السلام فقال لي: يا أخا الأزد! أ معك طهور؟! قلتُ: نعم. فناولته الإداوة.
فمضى حتى لم أره. ثمّ أقبل وقد تطهّر فجلس في ظلّ التُّرس، فإذا فارس يسأل عنه، فقلتُ: يا أمير المؤمنين! هذا فارس يريدك! قال: فأشِرْ إليه، فأشرتُ إليه، فجاء، فقال: يا أمير المؤمنين! قَدْ عَبَرَ القَوْمُ، وقَدْ قَطَعُوا النَّهْرَ. فقال (عليه السلام): كَلَّا ما عَبَرُوا. فقال: بَلَى واللهِ لَقَدْ فَعَلُوا. قال: كَلَّا مَا فَعَلُوا. قال: فَإنَّهُ لَكَذَلِكَ. إذ جاء آخر، فقال: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! قَدْ عَبَرَ القَوْمُ. فقال الإمام: كَلَّا مَا عَبَرُوا.
قال: والله ما جئتك حتى رأيتُ الرايات في ذلك الجانب والأثقال. فقال الإمام: واللهِ مَا فَعَلُوا وإنَّهُ لَمَصْرَعُهُمْ ومُهَرَاقُ دِمَائِهِم.
ثمّ نهض (أمير المؤمنين عليه السلام) ونهضتُ معه. فقلتُ في نفسي: الحمد للّه الذي بصّرني هذا الرجل، وعرّفني أمره. هذا أحد رجلين: إمّا رجل كذّاب جريء أو على بيّنة من ربّه، وعهد من نبيّه. اللهمّ إنّي اعطيك عهداً تسألني عنه يوم القيامة: إن أنا وجدتُ القوم قد عبروا أن أكون أوّل من يقاتله، وأوّل من يَطعنُ بالرمح في عينه. وأن كان القوم لم يعبروا، أن اقيم على المناجزة والقتال.
فدُفعنا إلى الصفوف، فوجدنا الرايات والأثقال كما هي. قال: فأخذ (أمير المؤمنين عليه السلام) بقفاي ودفعني، ثمّ قال: يَا أخَا الأزْدِ! أ تَبَيَّنَ لَكَ الأمْرُ؟ قلتُ: أجل يا أمير المؤمنين. فقال (أمير المؤمنين عليه السلام): فَشَأنَكَ بِعَدُوِّكَ. فقتلتُ رجلًا من القوم. ثمّ قتلتُ آخر، ثمّ اختلفتُ أنا ورجل آخر أضربه ويضربني فوقعنا جميعاً، فاحتملني أصحابي فأفقتُ حين أفقتُ وقد فرغ من القوم.
قال الشيخ المفيد في ذيل هذه الرواية: وهذا حديث مشهور شائع بين نقلة الآثار، وقد أخبر به الرجل عن نفسه في عهد أمير المؤمنين عليه السلام وبعده. فلم يدفعه عنه دافع، ولا أنكر صدقه فيه مُنكرٌ. وفيه إخبار بالغيب، وإبانة عن علم الضمير ومعرفة ما في النفوس. والآية فيه باهرة لا يعادلها إلّا ما ساواها في معناها من عظيم المعجِز وجليل البرهان.[21]
وذكر ابن شهرآشوب هذا الحديث بحذافيره، ونقله المجلسيّ عنه.
وفيه أنّ جُندباً قال: رَأيْتُ أصْحَابَ النَّهْرَوَانِ ولَهُمْ دَوِيّ كَدَوِيّ النَّحْلِ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، وفِيهِمْ أصْحَابُ البَرَانِسِ. والبرنس قلنسوة طويلة كانت تُلبَس في صدر الإسلام، وهي للمشايخ والناس المحترمين.
وفي هذا الحديث أيضاً أنّ الإمام عليه السلام قال: مصرعهم ومهراق دمائهم في هذا الجانب من النهر. وفي رواية: لَا يَبْلِغُونَ إلَى قَصْرِ بُورَي بِنْتِ كِسْرَي.[22]
وقال الشريف الرضي في «نهج البلاغة»: لمّا عزم الإمام عليه السلام على حرب الخوارج، وقيل له: إنّ القوم قد عبروا جسر النهروان، قال: مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ. واللهِ لَا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، ولَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ.[23]
قال الشريف الرضيّ: يعني بالنطفة ماء النهر، وهي أفصح كناية عن الماء وإن كان كثيراً جمّاً. وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم عند مضيّ ما أشبهه.
وقال ابن أبي الحديد في شرحه: هذا الخبر من الأخبار التي تكاد تكون متواترة، لاشتهاره ونقل الناس كافّة له؛ وهو من معجزاته وأخباره المفصّلة عن الغيب.
ثمّ قال: الأخبار على قسمين:
أحدهما: الأخبار المجملة، ولا إعجاز فيها، نحو أن يقول الرجل لأصحابه: إنّكم ستنصرون على هذه الفئة التي تلقونها غداً. فإن نُصِرَ، جعل ذلك حجّة له عند أصحابه، وسمّاها معجزة. وإن لم ينصر، قال لهم: تغيّرت نيّاتكم وشككتم في قولي، فمنعكم الله نصره، ونحو ذلك من القول.
ولأنّه قد جرت العادة أنّ الملوك والرؤساء يعدون أصحابهم بالظفر والنصر، ويُمنّونهم الدول؛ فلا يدلّ وقوع ما يقع من ذلك على إخبار عن غيب يتضمّن إعجازاً.
والقسم الثاني: الأخبار المفصّلة عن الغيوب، مثل هذا الخبر، فإنّه لا يحتمل التلبيس لتقييده بالعدد المعيّن في أصحابه وفي الخوارج، ووقوع الأمر بعد الحرب بموجبه من غير زيادة ولا نقصان. وذلك أمر إلهيّ عرفه من جهة رسول الله صلى الله عليه وآله، وعرفه رسول الله صلى الله عليه وآله من جهة الله سبحانه. والقوّة البشريّة تقصُر عن إدراك مثل هذا. ولقد كان له (لأمير المؤمنين) عليه السلام من هذا الباب ما لم يكن لغيره. وبمقتضى ما شاهد الناس من معجزاته، وأحواله المنافية لقوى البشر، غلا فيه من غلا، حتى نُسب إلى أنّ الجوهر الإلهيّ حلّ في بدنه، كما قالت النصارى في عيسى عليه السلام.
وقد أخبره رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، فقال: يَهْلِكُ فِيكَ رَجُلَان: مُحِبٌّ غَالٍ ومُبْغِضٌ قَالٍ.
وقال له تارة اخرى: وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ لَا أنِّي اشْفِقُ أنْ تَقُولَ طَوائِفُ مِنْ امَّتِي فِيكَ مَا قَالَتِ النصارى في ابْنِ مَرْيَمَ، لَقُلْتُ اليَوْمَ فِيكَ مَقَالًا، لَا تَمُرُّ بِمَلأٍ مِنَ النَّاسِ إلَّا أخَذُوا التُّرَابَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْكَ لِلبَرَكَةِ.[24]
وروى ابن شهرآشوب عن ابن بطّة في «الإبانة»، وأبي داود في «السنن» عن أبي مجلد في خبر أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال في الخوارج مخاطباً أصحابه: واللهِ لَا يُقْتَلُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ.
وفي رواية اخرى: ولَا يَنْفَلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ ولَا يَهْلِكُ مِنَّا عَشَرَةٌ. فقُتل من أصحابه تسعة، وانفلت من أهل النهروان تسعة: اثنان إلى سجستان، واثنان إلى عُمان، واثنان إلى بلاد الجزيرة، واثنان إلى اليمن، وواحد إلى مَوْزَن.[25] والخوارج من هذه المواضع منهم.
وقال الأعثم: المقتولون من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام: رُوَيبَة بن وَبَر العجليّ، وسَعد بن خالد السبيعيّ، وعبد الله بن حَمَّاد الأرْحَبيّ، والفيّاض بن خليل الأزديّ، وكَيْسُوم بن سَلِمَة الجُهَنيّ، وعُبَيد بن عُبَيد الخَوْلانِيّ، وجميع بن جشم الكِندِيّ، وضَبّ بن عاصم الأسديّ.[26]
[1] «الإرشاد» ص 173 و174، الطبعة الحجريّة.
[2] «الإرشاد» ص 174.
[3] المصدر السابق.
[4] الآية 10، من السورة 48: الفتح. ذُكر ذلك في «المناقب» ج 1، ص 421، الطبعة الحجريّة؛ و«بحار الأنوار» ج 8، ص 584، طبعة الكمبانيّ.
[5] «بحار الأنوار» ج 9، ص 585؛ و«المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 426، الطبعة الحجريّة.
[6] «الإرشاد» ص 174، الطبعة الحجريّة؛ وفي «المناقب» لابن شهرآشوب إشارة إلى هذا الموضوع، ج 1، ص 426.
[7] «الإرشاد» ص 174 و175.
[8] جاء في «أقرب الموارد» في مادّة وذن: تَوَذَّنَهُ تَوَذُّناً: صَرَفَهُ وحَوَّله. وحينئذٍ يكون معني موذون اليد: صاحب اليد الملتوية.
[9] قال ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» ج 2، ص 267، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم: في «مسند أحمد بن حنبل» عن مسروق، قال: قالت لي عائشة: إنّك من ولدي ومن أحبِّهم إليّ، فهل عندك علم من المخدَج؟ فقلتُ: نعم، قتله عليّ بن أبي طالب على نهر يقال لأعلاه تاقرّا، ولأسفله النهروان بين لخاقيق وطرفاء. قالت: ابغي على ذلك بيّنة. فأقمتُ رجالًا شهدوا عندها بذلك. قال: فقلت لها: سألتُكِ بصاحب القبر، ما الذي سمعتِ من رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم؟ فقالت: نعم، سمعته يقول: إنَّهُمْ شَرُّ الخَلْقِ والخَلِيقَةِ، يَقْتُلُهُمْ خَيْرُ الخَلْقِ والخَلِيقَةِ وأقْرَبَهُمْ عِنْدَ اللهِ وَسِيلَةً.
[10] خَدَجَت خِداجاً وأخدَجَت الدَّابَّة: ألقت ولدها ناقص الخلق أو قبل تمام الأيّام، فهي خادج ومخدِج، وولدها خديج وخُدُوج ومُخْدَج. أخْدَجَ الشيء: نقص.
[11] «الإرشاد» ص 175؛ و«بحار الأنوار» ج 9، ص 577 طبعة الكمبانيّ، وفي
الطبعة الحديثة (الحيدري) ج 41، ص 283؛ والمسعوديّ في «مروجّ الذهب» ج 2، ص 417، طبعة مصر، مطبعة السعادة.
[12] «بحار الأنوار» ج 9، ص 592، طبعة الكمبانيّ.
[13] يقال لشارب الإنسان: سبِيل (بالفارسية). وأصله سَبَلَة وهو عربيّ جمعه سبلات.
[14] «بحار الأنوار» ج 9، ص 592، طبعة الكمبانيّ.
[15] جاء في «النهاية» لابن الأثير الجزريّ، ج 4، ص 195، في باب الكاف واللام، في كلمة كَلَبَ: وفي حديث ذي الثَّدِيّة: يَبْدو في رأسِ ثَدْيِهِ شُعَيْرَاتٌ كَأنَّها كُلْبَةُ كَلْبٍ، أي: مخالبه. هكذا قال الهرويّ، ولكن الزمخشريّ قال: كَأنَّها كُلْبَةُ كَلْبٍ أوْ سِنَّوْر. وهي الشعر النابت في جانبي أنفه. ويقال للشعر الذي يخرز به الإسكاف: كُلْبَة.
[16] «بحار الأنوار» ج 9، ص 592: طبعة الكمبانيّ.
[17] (2 و3)- «بحار الأنوار» ج 9، ص 592: طبعة الكمبانيّ.
[18] (2 و3)- «بحار الأنوار» ج 9، ص 592: طبعة الكمبانيّ.
[19] العبارة بين الهلالين مذكورة من مصدر هذه الرواية في تعليقة «بحار الأنوار» ج 41، ص 341، الطبعة الحديثة.
[20] «بحار الأنوار» ج 9، ص 592، طبعة الكمبانيّ. وهذه الروايات الستّ الأخيرة التي نقلها المجلسيّ عن ابن أبي الحديد، كلّها مذكورة في «شرح نهج البلاغة»، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، ج 2، ص 275 إلى 277. وجاء بعد قوله في الرواية الأخيرة في «الشرح»: أربد وجه عليّ: قال عليّ عليه السلام: واللهِ مَا كَذَبْتُ ولَا كُذِّبتُ. فإذا خرير ماء عند موضع دالية. فقال لي: فتّش هذا ففتّشته، فإذا قتيل قد صار في الماء، وإذا رِجله في يدي- إلى آخر الرواية.
[21] «الإرشاد» ص 175 و176؛ و«بحار الأنوار» ج 9، ص 577 و578، طبعة الكمبانيّ، نقلًا عن «الإرشاد» للمفيد؛ وذكر السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ نفس هذا المتن في كتاب «النصّ والاجتهاد» ص 113 و114، الطبعة الثانية، عن الطبرانيّ في «الأوسط» تحت عنوان: جندب بن زهير بن الحارث الأزديّ.
[22] «المناقب»، ج 1، ص 426؛ و«بحار الأنوار» ج 9، ص 585، طبعة الكمبانيّ.
[23] «نهج البلاغة» الخطبة 59؛ وقال المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 9، ص 592، طبعة الكمبانيّ: ذكر المدائنيّ في كتاب «الخوارج» أنّ عليّاً عليه السلام لمّا خرج إلى أهل النهروان، أقبل رجل من أصحابه ممّن كان على مقدّمته فأخبره بأنّ القوم قد عبروا النهر، فحلّفه أمير المؤمنين عليه السلام ثلاث مرّات في كلّها يقول: نعم. فقال عليه السلام: واللهِ مَا عَبروه ولن يعبروه، وإنّ مصارعهم دون النطفة. فجاء الفرسان كلّهم يركضون ويقولون ما قاله الأوّل، فلم يكترث عليه السلام بقولهم حتى ظهر خلاف ما قالوا.
[24] «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، ج 5، ص 3 و4؛ ونقله المجلسيّ عن «نهج البلاغة» و«شرح ابن أبي الحديد» في «بحار الأنوار» ج 9، ص 594، طبعة الكمبانيّ.
[25] في «القاموس»: مَوْزَن كمقعد: موضع، وقال في «معجم البلدان»: قياسه كسر الزاي، وإنّما جاء فتحها شاذّاً. وهو بلد بالجزيرة، ثمّ ديار مُضَر.
[26] «المناقب» ج 1، ص 422، الطبعة الحجريّة.
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)