نقلناه هذا البحث من تفسير سماحة الاستاذ روحي له الفداء ليتّضح قول الآيات والروايات المسلَّمة الصحيحة المتقنة في الثقلين، وفي مخالفي الإمامة. وأنّ الذين تحمّسوا للإسلام بعد الرسول الأكرم لم يكن عملهم إلّا من وحي هوى النفس الأمّارة واتّباعها، وحبّ الرئاسة، وشهوة التسلّط والتحكّم في إطار الخلافة.
لقد كان سماحة العلّامة في هذه البحوث وبياناته لروايات العامّة الصحيحة قد عرض كتاب درس، وتفسير، وبيان، وتأريخ بنحو مجمل. ونحن أيضاً أوردناه فيما مرّ حرفيّاً لأهمّيّته.
أوّلًا: بيّن أنّ الاعتصام بالله يتجسّد في ظلّ التمسّك بكتاب الله وسنّة رسول الله. ولا طائل في الاعتصام بالله دون التمسّك بهذين الظهورين من الله. وآيات الله في كتابه الحكيم تُحيل المسلمين إلى السنّة النبويّة. والسُّنّة توطّد قواعد الكتاب واسسه. فالتمسّك بالكتاب، وترك السُّنَّة، والاكتفاء، بقولهم: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ أباطيل وأراجيف لم تسمع تحت هذه السماء الزرقاء إلّا من الشيطان وأعوانه.
إنّ هذين الظهورين حبلان متّصلان بالله وبخلقه. ولا مفهوم ولا مفاد لمسند المؤمن المسلم في طريق معرفة الله والإسلام الحقيقيّ والاعتصام بالذات الأحديّة ما لم يكن الكتاب والإمام موجودين.
ثانياً: المراد في قوله تعالى: واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا: الإمام، إذ ينبغي أن يلتفّ حوله المسلمون جميعهم. وهو الذي يقيم الكتاب والسنّة. وهو الذي يحفظ جماعة الإسلام وفقاً لميزان الكتاب والتوحيد ودرايته ومعرفته وولايته. وهو سرّ رسول الله، والارتباط به ارتباط بالإسلام وروح النبوّة. وهذا هو المراد من لفظ «جميعاً» في الآية، ولفظ «الجماعة» في الرواية، لا المراد ذلك الإنسان الذي يتربّع على أريكة الخلافة غاصباً منطلقاً من الهوى والهوس، ويجمع حوله الامّة بجهل. ثمّ يضع لها اسم الجماعة مجازاً وانتحالًا وزيفاً، ويعدّ الأصحاب الحقيقيّين لهذه الجماعة في زمرة المتمرّدين والمنعزلين عن الجماعة لقلّة عددهم، وعدم انضوائهم تحت لواء فئته، ويهاجمهم ويُظهرهم مخالفين للجماعة بهذه الحربة المجازية التي اختطفها سارقاً.
إرجعوا البصر في هذه الجمل القصيرة لينكشف لكم كتاب من الأسرار والرموز والغوامض.
ثالثاً: أنّ الدعاء الذي دعا به إبراهيم عليه السلام واستجيب له حين طلب من الله أن يجعل من ذرّيّته امّة مسلمة، لا يقصد منه ظاهر الإسلام، فيشمل من كان مسلماً لفظاً، وإن كان في باطنه ملوّثاً ومغشوشاً ومصاباً بالأدواء النفسيّة والغرور وحبّ الجاه والآمال الطويلة العريضة. فهؤلاء الموصوفون بالنفاق لا يمكن أن يكونوا هم المقصودين في دعائه. فالمراد من الامّة المسلمة أهل البيت والأئمّة الطاهرون سلام الله عليهم أجمعين.
رابعاً: حقيقة الإسلام في الولاية. ومن لم يعرف الإمام فليس بمسلم، ويدلّ الحديث القائل: مَنْ مَاتَ ولَمْ يَعْرِفْ إمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً جَيّداً على أنّ أهل الجاهليّة الذين لم ينالوا حظّاً من الإسلام، إنّما كانوا كذلك لجهلهم بروح النبوّة والولاية. وهذا المعنى عينه كامن في المسلم الذي لا يعرف الإمام.
خامساً: ويدلّ أيضاً على أنّ الإمام موجود في كلّ زمان، وأنّ طائفة من الامّة على الحقّ، وإن كانوا أقلّيّة، وأنّ الأرض لا تخلو من حجّة.
ويُثبت هذا الموضوع وجود إمام العصر والزمان عليه السلام في عصر الغيبة.
سادساً: أنّ الذين خالفوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم في السُّنَّة لم يقرّوا بوصاية أمير المؤمنين عليه السلام، فلا يُضفي عليهم عنوان الصحابيّ قيمة. وأنّهم لا يردون حوض الكوثر، ولا يشربون من مائه، وليس لهم نصيب في أقداحه التي عددها كعدد النجوم، وذلك لمخالفتهم حديث الثقلين الذي يمثّل ركن الإسلام، وإحداثهم ما أحدثوا بعد وفاة رسول الله. ومصيرهم أنّهم يُخْتَطَفُون ويُساقون إلى جهنّم، ويمنَعُون من الحوض ويُطرَدُون من أطرافه. إنّ الجنّة والكوثر لأصحاب الولاية، أي: اولئكَ الذين أقرّوا بالإمام والولاية وانشدّوا إلى الثقلين مع إيمانهم بالإسلام والكتاب.
وهذه موضوعات تستفاد من أحاديث الفريقين. وهي موجودة في صحاح العامّة المشهورة.