قال العلّامة آية الله الطباطبائيّ في تفسير الآية: واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا: ذكر سبحانه فيما مرّ من قوله: وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وفِيكُمْ رَسُولُهُ ومَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[1] إنّ التمسّك بآيات الله وبرسوله (الكتاب والسنّة) اعتصام بالله مأمون معه المتمسّك المعتصم، مضمون له الهدى. والتمسّك بذيل الرسول تمسّك بذيل الكتاب فإنّ الكتاب هو الذي يأمر بذلك في مثل قوله: وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.[2]
وقد بدّل في هذه الآية واعْتَصِمُوا... الاعتصام المندوب إليه في تلك الآية ومَنْ يَعْتَصِمْ... بالاعتصام بحبل الله. فأنتج ذلك أنّ حبل الله هو الكتاب المنزل من عند الله، وهو الذي يصل ما بين العبد والربّ، ويربط السماء بالأرض. وإن شئت قلتَ: إنّ حبل الله هو القرآن والنبيّ صلى الله عليه وآله، فقد عرفت أنّ مآل الجميع واحد.
والقرآن الكريم وإن لم يدع إلّا إلى حقّ التقوى والإسلام الثابت، لكنّ غرض هذه الآية غير غرض الآية السابقة الآمرة بحقّ التقوى والموت على الإسلام يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، فإنّ الآية السابقة تتعرّض لحكم الفرد، وهذه الآية تتعرّض لحكم الجماعة المجتمعة؛ والدليل عليه قوله: جَمِيعًا، وقوله: لَا تَفَرَّقُوا، فالآيات تأمر المجتمع الإسلاميّ بالاعتصام بالكتاب والسنّة كما تأمر الفرد بذلك.[3]
ويواصل العلّامة هذا الموضوع إلى أن يصل إلى الآية الكريمة: ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ، فيقول: وقد نسب تعالى هذا الاختلاف في موارد من كلامه إلى البغي، قال تعالى: ومَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ،[4] مع أنّ ظهور الاختلاف في العقائد والآراء ضروريّ بين الأفراد لاختلاف الأفهام. لكن كما أنّ ظهور هذا الاختلاف ضروريّ كذلك دفع الاجتماع لذلك، وردّه المختلفين إلى ساحة الاتّحاد أيضاً ضروريّ. فرفع الاختلاف ممكن مقدور بالواسطة، وإعراض الامّة عن ذلك بغي منهم، وإلقاء لأنفسهم في تهلكة الاختلاف.
وقد أكّد القرآن الدعوة إلى الاتّحاد، وبالغ في النهي عن الاختلاف، وليس ذلك إلّا لما كان يتفرّس من أمر هذه الامّة أنّهم سيختلفون كالذين من قبلهم، بل يزيدون عليهم في ذلك. وقد تقدّم مراراً أنّ من دأب القرآن أنّه إذا بالغ في التحذير عن شيء والنهي عن اقترافه، كان ذلك آية وقوعه وارتكابه.
وهذا أمر أخبر به النبيّ صلى الله عليه وآله أيضاً كما أخبر به القرآن، وأنّ الاختلاف سيدبّ في امّته، ثمّ يظهر في صورة الفرق المتنوّعة، وأنّ امّته ستختلف كما اختلفت اليهود والنصارى من قبل. وستجيء الرواية في البحث الروائيّ.
وقد صدق جريان الحوادث هذه الملحمة القرآنيّة. فلم تلبث الامّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله دون أن تفرّقوا شذر مدر، واختلفوا في مذاهب شتّى بعضهم يكفّر بعضاً من لدن عصر الصحابة إلى يومنا هذا. وكلّما رام أحد أن يوفِّق بين مختلفين منها، أولد ذلك مذهباً ثالثاً.
والذي يهدينا إليه البحث بالتحليل والتجزية أنّ أصل هذا الاختلاف ينتهي إلى المنافقين الذين يغلظ القرآن التقوّل فيهم وعليهم، ويستعظم مكرهم وكيدهم. فإنّك لو تدبّرت ما يذكره الله تعالى في حقّهم في سور البقرة. والتوبة، والأحزاب، والمنافقون، وغيرها لرأيت عجباً. وكان هذا حالهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، ولمّا ينقطع الوحي. ثمّ لمّا توفّاه الله، غاب ذكرهم وسكنت أجراسهم دفعة.
ولم يلبث الناس دون أن وجدوا أنفسهم وقد تفرّقوا أيادي سبأ. وباعدت بينهم شتّى المذاهب، واستعبدتهم حكومات التحكّم والاستبداد، وأبدلوا سعادة الحياة بشقاء الضلال والغي، والله المستعان. والمرجوّ من فضل الله أن يوفّقنا لاستيفاء هذا البحث في سورة براءة إن شاء الله.[5]
وقال سماحة العلّامة آية الله الطباطبائيّ في البحث الروائيّ: وفي «الدرّ المنثور» في قوله تعالى: واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً (الآية): أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن أبي سعيد الخُدريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كِتَابُ اللهِ هُوَ حَبْلُ اللهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّمَاءِ إلَى الأرْضِ.
وفيه أخرج ابن أبي شيبة عن أبي شريح الخزاعيّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ هذا القرآن سبب طرفه بِيَدِ الله، وطرفه بأيديكم؛ فتمسّكوا به فإنّكم لن تزالوا ولَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أبَداً.
وفي «معاني الأخبار» عن السجّاد عليه السلام في حديث: وحَبْلُ اللهِ هُوَ القُرْآنُ. وفي هذا المعنى روايات اخرى من طرق الفريقين.
وفي «تفسير العيّاشيّ» عن الباقر عليه السلام: آلُ مُحَمَّدٍ هُمْ حَبْلُ اللهِ الذي أمَرَ بِالاعْتِصَامِ بِهِ فَقَالَ: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ولَا تَفَرَّقُوا».
قال العلّامة: وفي هذا المعنى روايات اخر. وقد تقدّم في البيان ما يتأيّد به معناها. ويؤيّدها أيضاً ما يأتي من الروايات.
[1] الآية 101، من السورة 3: آل عمران.
[2] الآية 7، من السورة 59: الحشر.
[3] «الميزان في تفسير القرآن» ج 3، ص 406 و407.
[4] الآية 213، من السورة 2: البقرة.
[5] «الميزان في تفسير القرآن» ج 3، ص 412 و413. روى المحدّث العظيم السيّد هاشم البحرانيّ في «غاية المرام» ص 212، الحديث السابع عن العامّة، عن أبي إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم الثعلبيّ في الجزء الثاني من تفسيره عند تفسير قوله تعالى في سورة آل عمران: واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا، بسنده المتّصل عن عطيّة العَوْفيّ، عن أبي سعيد الخُدريّ أنّه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أيّها الناس إنِّي تركت فيكم الثقلين خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء في الأرض -أو قال: إلى الأرض- وعترتي أهل بيتي، ألا وإنَّهُما لن يفترقا حتى يردا عَلَيّ الحَوض. وقال الإمام الفخر الرازيّ في تفسير «مفاتيح الغيب» ج 3، ص 24، طبعة دار الطباعة العامرة، مصر، في سياق تفسير الآية: واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ... : روى عن أبي سعيد، عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله قال: إني تارك فيكم الثقلين: كِتَابَ اللهِ تعالى حبل ممدودٌ من السَّماء إلى الأرضِ، وعِترَتي أهل بيتي.