قال سماحة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ قدّس سرّه: قَولُهُ تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.[1] صدر الآية مَسُوق سَوق الحصر؛ وظاهر السِّياق أنّ الحصر ناظر إلى ما ذُكر من ردّهم القرآن (ردّ المشركين) بأنّه من أهذار الجنون وأنّه صلى الله عليه وآله وسلّم مجنونٌ لا عبرةَ بما صنع ولا منع. ومن اقتراحهم أن يأتيهم بالملائكة ليصدّقوه في دعوته، وأنّ القرآن كتاب سماويّ حقّ.
والمعنى- على هذا والله أعلم- أنّ هذا الذكر لم تأتِ به أنتَ من عندك حتى يعجزوك ويُبطلوه بعنادهم وشدّة بطشهم، وتتكلّف لحفظه ثمّ لا تقدر! وليس نازلًا من عند الملائكة حتى يفتقر إلى نزولهم وتصديقهم أيّاه، بل نحن أنزلنا هذا الذكر إنزالًا تدريجيّاً وإنّا له لحافظون بما له من صفة الذكر بما لنا من العناية الكاملة به.
فهو ذِكر حيّ خالد مصون من أن يموت ويُنسى من أصله، مَصون من الزيادة عليه بما يَبطل به كَونه ذِكراً، مَصون من النقص كذلك، مَصون من التغيير في صورته وسياقه بحيث يتغيّر به صفة كَونه ذِكراً للّه مُبيّناً لحقائق معارفه.
فالآية تدلّ على كَون كتاب الله محفوظاً من التحريف بجميع أقسامه من جهة كونه ذِكراً للّه سبحانه، فهو ذِكر حيّ خالد.
ونظير الآية في الدلالة على كون الكتاب العزيز محفوظاً بحفظ الله مصوناً من التحريف والتصرّف بأيّ وجه كان من جهة كونه ذكراً له سبحانه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.[2]
وقد ظهر بما تقدّم أنّ اللام في الذِّكْر للعهد الذكريّ وأنّ المراد بالوصف لحافظون هو الاستقبال كما هو الظاهر من اسم الفاعل، فيندفع به ما ربّما يورَد على الآية أنّها لو دلّت على نفي التحريف من القرآن لأنّه ذِكر، لدلّت على نفيه من التوراة والإنجيل أيضاً، لأنّ كلًّا منها ذِكر مع أنّ كلامه تعالى صريح في وقوع التحريف فيهما.
وذلك أنّ الآية بقرينة السياق إنّما تدلّ على حفظ الذكر الذي هو القرآن بعد إنزاله إلى الأبد، ولا دلالة فيها على علِّيَّة الذكر للحفظ الإلهيّ ودوران الحكم مداره.[3]
وتحدّث سماحة الاستاذ هنا حديثاً وافياً راقياً حول عدم تحريف القرآن وذلك بعد البحث الروائيّ. ووفّى الموضوع حقّه في سبعة فصول تحت عنوان: (القرآن مصون عن التحريف). وحطّم سدّ الشبهات وثغورها تماماً. ودخل في الموضوع بمنطق متين ودليل رصين من أجل إثبات ما يريده. وننتقي من كلامه كثيراً من المعلومات التي لها علاقة مباشرة ببحث التحريف.
[1] الآية 9، من السورة 15: الحجر.
[2] الآيتان 41 و42، من السورة 41: حم السجدة (فصّلت).
[3] «الميزان في تفسير القرآن» ج 12، ص 103 و104.