

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
بحث علميّ مفصّل للعلّامة البلاغيّ حول عدم تحريف القرآن
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج14، ص145-161
2026-04-23
39
لقد تحدّث الشيخ محمّد جواد البلاغيّ النجفيّ حديثاً شاملًا واسعاً نفيساً جدّاً حول تحريف القرآن. ولمّا كان بحثنا يحوم حول هذا الموضوع، فإنّي آسى أن لا تتزيّن هذه الصفحات بذكر كلامه -الذي ما زال يتألّق في سماء العلم والمعرفة كأشعّة الشمس الساطعة، بعد سنين تصرّمت- وأن لا تتعطّر الروح بالرائحة الذكيّة لهذا الرحيق الملائكيّ بطعمه الخاصّ وذوقه المخصوص فنختم به حديثنا من وحي قوله تعالى: «و ختامه مِسك». لقد تحدّث هذا العالم في تفسيره الثمين: «آلاء الرحمن في تفسير القرآن» عن اضطراب الروايات في جمع القرآن، فقال بعد بيان الأمر الأوّل الذي يدور حول بعض ما الصق بكرامة القرآن الكريم: الثاني: في الجزء الخامس من «مسند أحمد» عن ابيّ بن كعب قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ القُرْآنَ!
قَالَ: فَقَرأ: «لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ» فَقَرَأ فِيهَا: «لَوْ أنَّ ابْنَ آدَمَ سَألَ وَادِياً مِن مَالٍ فَاعْطِيهُ لَسَألَ ثَانِياً، فَلَوْ سَألَ ثَانِياً فَاعْطِيَهُ لَسَألَ ثَالِثاً، ولَا يَمْلُا جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرَابُ، ويَتُوبُ اللهَ عَلَى مَنْ تَابَ، وإنَّ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمِ عِنْدَ اللهِ الحَنَفِيَّةُ (الحَنِيفِيَّةُ- ص) غَيْرُ المُشْرِكَةِ ولَا اليَهُودِيَّةُ ولَا النَّصْرَانِيَّةُ، ومَنْ يَعْمَلْ خَيْراً فَلَنْ يُكْفَرَهُ.
وفي رواية الحاكم في «المستدرك» ورواية غيره أيضاً: إنَّ ذَاتَ الدِّينِ عِنْدَ اللهِ الحَنَفِيَّةُ (الحَنِيفِيَّةُ- ص) لَا المُشْرِكَةُ. وفي رواية: غَيْرُ المُشْرِكَةِ، إلى آخره.
وعن «جامع الاصول» لابن الأثير الجزريّ: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الحَنِيفِيَّةُ المُسْلِمَةُ لَا اليَهُودِيَّةُ ولَا النَّصْرَانِيَّةُ ولَا المَجُوسِيَّةُ.
وذكر في «المسند» أيضاً بعد هذه الرواية عن ابيّ قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ فَقَرَأ عَلَيّ: «لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الكِتَابِ والْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حتى تَأتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً، فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ، ومَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ اوتُوا الْكِتَابَ إلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ. إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الحَنَفِيَّةُ (الحَنِيفِيَّة- ص) لَا المُشْرِكَةُ ولَا اليَهُودِيَّةُ ولَا النَّصْرَانِيَّةُ ومَنْ يَفْعَل خَيْراً فَلَنْ يُكْفَرَهُ».
قال شعبة: ثمّ قرأ آيات بعدها. ثمّ قرأ: لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ مِنْ مَالٍ لَسَألَ وَادِياً ثَالِثاً، ولَا يَمْلُا جَوْفَ ابنِ آدَمَ إلَّا التُّرَابُ. قال: ثمّ ختمها بما بقي منها- انتهى.
وهذه الروايات رواها أيضاً أبو داود الطيالسيّ، وسعيد بن منصور في سننه، والحاكم في مستدركه، كما في «كنز العمّال».
وذكر في «المسند» أيضاً عن أبي واقد الليثيّ قال: كنّا نأتي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم إذا انزل عليه، فيحدّثنا. فقال لنا ذات يوم: إنّ الله عزّ وجلّ قال:
إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو كان لا بن آدم واد لأحب أن يكون له ثان، ولو كان له واديان لأحب أن يكون لهما ثالثا، (ثَالِثٌ- ص) ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب- انتهى.
هَبْ أنّ المعرفة والصدق لا يطالبان المحدّثين (ولا نقول: القُصّاص) ولا يسألانهم عن هذا الاضطراب الفاحش فيما يزعمون أنّه من القرآن ولا يسألانهم عن التمييز بين بلاغة القرآن وعلوّ شأنه فيها وبين انحطاط هذه الفقرات. ولكن أليس للمعرفة أن تسألهم عن الغلط في قولهم لَا المُشْرِكَةُ؟ فهل يوصف الدين بأنّه مُشركة؟ وفي قولهم: الحَنَفِيَّةُ (الحَنِيفِيَّةُ- ص) المُسْلِمَةُ وهل يوصف الدين أو الحنيفيّة بأنَّهُ مُسْلِمَة؟
وقولهم: إنَّ ذَاتَ الدِّينِ، وفي قولهم: إنَّا أنْزَلْنَا المَالَ لإقَامِ الصَّلَاةِ، ما معنى إنزال المال؟! وما معنى كونه لإقام الصلاة؟!
هذا واستمع لما يأتي، ففي الجزء السادس من «مسند أحمد» مسنداً عن مسروق قال: قلت لعائشة: هل كان رسول الله يقول شيئاً إذا دخل البيت؟ قالت: كان إذا دخل البيت تمثّل: لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وادِياً ثَالِثاً، ولَا يَمْلُا فَمَهُ إلَّا التُّرَابُ، ومَا جَعَلْنَا المَالَ إلَّا لإقَامِ الصَّلَاةِ وإيتاءِ الزَّكَاةِ، ويَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ.
وفي الجزء السادس في إسناده عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِياً مِن مَالٍ لَتَمَنَّى وادِيَيْنِ، ولَوْ أنَّ لَهُ وادِيَيْنِ لَتَمَنَّى ثَالِثاً، ولَا يَمْلُا جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرَابُ.
وبإسناده أيضاً قال: سُئل جابر: هَلْ قَالَ رَسُولُ اللهِ: لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وادٍ مَنْ نَخْلٍ تَمَنَّى مِثْلَهُ حتى يَتَمَنَّى أوْدِيَةً، ولَا يَمْلُا جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرَابُ؟ انتهى.
وهل تجد من الغريب أو الممتنع في العادة أن يكون لابن آدم وادٍ من مال أومن نخلٍ؟! أو ليس في بني آدم في كلّ زمان من ملك وادياً من ذلك بل أودية. إذن فكيف يصحّ في الكلام المستقيم أن يقال: لَوْ كَانَ لِابنِ آدَمَ. لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ؟ أوليست (لو) للامتناع؟ يا للعجب مَن الرواة لهذه الروايات! ألم يكونوا عرباً أو لهم إلمام باللغة العربيّة؟ نعم، يرتفع هذا الاعتراض بما رواه أحمد في مسنده عن ابن عبّاس: لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ، وكذا ما يأتي من رواية الترمذيّ عن أنس.
وأيضاً إن تمنّى الوادي والواديين والثلاث ليس بذنبٍ يحتاج إلى التوبة. إذن، فما هو وجه المناسبة بتعقيب ذلك بجملة ويَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ؟ وإن شئت أن تستزيد ممّا في هذه الرواية من التدافع والاضطراب، فاستمع إلى ما رواه الحاكم في «المستدرك» أنّ أبا موسى الأشعريّ قال: كُنَّا نَقْرَا سُورَةً تُشْبِهُهَا بِالطُّولِ والشِّدَّةِ بِبَرَاءَةٍ فَانسِيتُهَا غَيْرَ أنِّي حَفِظْتُ مِنْهَا: لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثاً، ولَا يَمْلُا جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرَابُ.
وذكر في «الدرّ المنثور» أنّه أخرجه جماعة عن أبي موسى. وأضف إلى ذلك في التدافع والتناقض ما أسنده في «الإتقان» عن أبي موسى أيضاً قال: نَزَلَتْ سُورَةٌ نَحْوَ بَرَاءَةٍ ثُمَّ رُفِعَتْ وحُفِظَ مِنْهَا أنَّ اللهَ سَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينِ بِأقْوَامٍ لَا خَلاقَ لَهُمْ، ولَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ لَتَمَنَّى- إلى آخره.
وأسند الترمذيّ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وادٍ مِنْ ذَهَبٍ لأحَبَّ أنْ يَكُونَ لَهُ ثَانٍ، ولَا يَمْلُا فَاهُ إلَّا التُّرَابُ، ويَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن تَابَ. وها أنت ترى روايات عائشة، وجابر، وأنس، وابن عبّاس تجعل حديث الوادي والواديين من قول رسول الله وتمثّله. فهي بسوقها تنفي كونه من القرآن الكريم. ومع ذلك فقد نسبت إلى كلام الرسول ما يأتي فيه بعض من الاعتراضات المتقدّمة ممّا يجب أن ينزّه عنه. ثمّ إنّ الاضطراب في متن الرواية يجعلها مهزلة.
الأمر الثالث: وممّا ألصقوه بكرامة القرآن المجيد قولهم في الرواية عن زيد بن ثابت: كنّا نقرأ آية الرجم: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. وفي الرواية عن أبي ذرّ أنّ سورة الأحزاب كانت تضاهي سورة البقرة أو هي أطول منها. وأنّ فيها أو في أواخرها آية الرجم وهي: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم. وفي رواية السيّاريّ من الشيعة عن أبي عبد الله بزيادة قوله: بِمَا قَضَيَا مِن الشَّهْوَةِ.
وفي رواية «الموطّأ»، و«المستدرك»، ومسدّد، وابن سعد عن عمر كما سيأتي: الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا البَتَّةَ.
وفي رواية أبي أمامة بن سهل أنّ خالته قالت: لقد أقرأنا رسول الله صلى الله عليه وآله آية الرجم: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة. ونحو ذلك رواية سعد بن عبد الله، وسليمان بن خالد من الشيعة عن أبي عبد الله عليه السلام.
ويَا لِلْعَجَبِ! كيف رضي هؤلاء المحدّثون لمجد القرآن وكرامته أن يلقى هذا الحكم الشديد على الشيخ والشيخة بدون أن يذكر السبب، وهو زناهما أقلًّا، فضلًا عن شرط الإحصان؟! وإنّ قضاء الشهوة أعمّ من الجماع، والجماع أعمّ من الزنا، والزنا يكون كثيراً مع عدم الإحصان. سامحنا مَن يزعم أنّ قضاء الشهوة كناية عن الزنا، بل زد عليه كونه مع الإحصان، ولكنّا نقول: ما وجه دخول الفاء في قوله: «فَارْجُمُوهُمَا». وليس هناك ما يصحّح دخولها من شرط أو نحوه لا ظاهر ولا على وجهٍ يصحّ تقديره. وإنّما دخلت الفاء على الخبر في قوله تعالى في سورة النور. الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا، لأنّ كلمة اجْلِدُوا بمنزلة الجزاء لصفة الزنا في المبتدأ، والزنا بمنزلة الشرط. وليس الرجم جزاءً للشيخوخة ولا الشيخوخة سبباً له. نعم، الوجه في دخول الفاء هو الدلالة على كذب الرواية. ولعلّ في رواية سليمان بن خالد سقطاً بأن تكون صورة سؤاله: هَلْ يَقُولُونَ في القُرْآنِ رَجْمٌ؟!
وكيف يرضى لمجده وكرامته في هذا الحكم الشديد أن يقيّد الأمر بالشيخ والشيخة مع إجماع الامّة على عمومه لكلّ زانٍ محصن بالغ الرشد من ذَكَرٍ أو انثى؟! وكيف يطلق الحكم بالرجم مع إجماع الامّة على اشتراط الإحصان فيه؟! وفوق ذلك يؤكّد الإطلاق ويجعله كالنصّ على العموم بواسطة التعليل بقضاء اللذّة والشهوة، الذي يشترك فيه المحصن وغير المحصن. فتبصّر بما سمعته من التدافع والتهافت والخلل في رواية هذه المهزلة.
وأضف إلى ذلك ما رواه في «الموطّأ»، و«المستدرك»، ومسدّد، وابن سعد من أنّ عمر قال قبل موته بأقلّ من عشرين يوماً فيما يزعمون من آية الرجم: لو لا أن يقول الناس: زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله، لكتبتها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة.
وأخرج الحاكم، وابن جرير وصحّحه أيضاً أنّ عمر قال: لمّا نزلت، أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وآله فقلتُ: أكْتُبُهَا؟ وفي نسخة «كنز العمّال»: اكْتُبْنِيهَا! فكَأنّه كره ذلك. وقال عمر: ألا ترى أنّ الشيخ إذا زنى ولم يُحصن، جُلِدَ. وأنّ الشابّ إذا زنى وقد أحصن، رُجِمَ؟! فالمحدّثون يروون أنّ عمر يذكر أنّ رسول الله كره أن تكتب آية منزلة، وعمر يذكر وجوه الخلل فيها. فيا للعجب منهم.
وفي «الإتقان» أخرج النسائيّ أنّ مروان قال لزيد بن ثابت: ألَا تَكْتُبُهَا في المُصْحَفِ؟!
قَالَ: ألَا تَرَى أنَّ الشَّابَّيْنِ الثَّيّبَيْنِ يُرْجَمَانِ؟ وقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِعُمَرَ، فَقَالَ: أنَا أكْفِيكُمْ! فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! اكْتُبْ لي آيَةَ الرَّجْمِ! قَالَ: لَا تَسْتَطِيعُ! انتهى.
فزيد بن ثابت يعترض عليها. ولمّا رأوا التدافع بين قول عمر: اكْتُبهَا لي! وبين قول النبيّ: لَا تَسْتَطِيعُ، قالوا: أراد عمر بقوله ذلك إئْذَن لي بِكِتَابَتَهَا، وكأنّهم لا يعلمون أنّ عمر عربيّ لا يعبّر عن قوله: إئذن لي بكتابها، بقوله: اكتبها لي، ومع ذلك لم يستطيعوا أن يذكروا وجهاً مقبولًا لقوله صلى الله عليه وآله: لَا تَسْتَطِيعُ.
وفي رواية في «كنز العمّال» عن ابن الضريس، عن عمر، قلت لرسول الله: أكْتُبُهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَا تَسْتَطِيعُ!
وأخرج ابن الضريس عن زيد بن أسلم أنّ عمر خطب الناس فَقَالَ: لَا تَشُكُّوا في الرَّجْمِ! فَإنَّهُ حَقٌّ. ولَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أكْتُبَهُ في المُصْحَفِ، فَسَألْتُ ابَيّ بْنَ كَعْبٍ، فَقَالَ: ألَيْسَ أتَيْتَنِي وأنَا أسْتَقْرِئُهَا رَسُولَ اللهِ. فَدَفَعْتَ في صَدْرِي، وقُلْتَ: كَيْفَ تُسْتَقْرِئُهُ آيَةَ الرَّجْمِ وهُمْ يَتَسَافَدُونَ تَسَافُدَ الحُمُرِ- انتهى.
فهذه الرواية تقول: إنّ عمر لم يرض بانزال شيء في الرجم. وليت المحدّثين يفسّرون حاصل الجواب من ابيّ لعمر، وحاصل منع عمر لُابيّ عن استقرائها.
وأخرج الترمذيّ عن سعد بن المسيِّب، عن عمر قال: رَجَمَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ، ورَجَمَ أبُو بَكْرٍ، ورَجَمْتُ. ولَوْ لَا أنِّي أكْرَهُ أنْ أزِيدَ في كِتَابِ اللهِ لَكَتَبْتُهُ في المُصْحَفِ.
فعمر يقول: إنّ كتابة الرجم في المصحف زيادة في كتاب الله، وهو يكرهها. فقابل هذه الروايات الأربع إحداهنّ بالاخرى، واعرف ما جناه المولعون بكثرة الرواية من المحدّثين. وإذا نظرتَ إلى الجزء الثالث من «كنز العمّال» ص 90 و91، فإنّك تزداد بصيرة في الاضطراب والخلل!
هذا وممّا يصادم هذه الروايات ويكافحها ما روى من أنّ عليّاً عليه السلام لمّا جلد شَرَاحَةَ الهَمْدَانِيَّة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة قال: اجْلِدُهَا بِكِتَابِ اللهِ وأرْجُمُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِهِ. كما رواه أحمد، والبخاريّ، والنسائيّ، وعبد الرزّاق في «الجامع»، والطحاويّ، والحاكم في مستدركه، وغيرهم. ورواه الشيعة عن عليّ عليه السلام مرسلًا. فعليّ عليه السلام يشهد بأنّ الرجم من السنّة، لا من الكتاب.
الأمر الرابع: ممّا ألصقوه بكرامة القرآن المجيد ما رواه في «الإتقان»، و«الدرّ المنثور» أنّه أخرج الطبرانيّ، والبيهقيّ، وابن الضريس أنّ من القرآن سورتين. وقد سمّاهما الراغب في «المحاضرات» سورتي القنوت. ونسبوهما إلى تعليم عليّ عليه السلام، وقنوت عمر، ومصحفي ابن عبّاس، وزيد بن ثابت، وقراءة ابيّ، وأبي موسى.
والأولى منهما: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. اللهُمَّ إنَّا نَسْتِعِينُكَ ونَسْتَغْفِرُكَ، ونُثْنِي عَلَيْكَ الخَيْرَ ولَا نَكْفُرُكَ، ونَخْلَعُ ونَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ- انتهى.
لا نقول لهذا الراوي: إنّ هذا الكلام لا يشبه بلاغة القرآن ولا سوقه، فإنّا نسامحه في معرفة ذلك، ولكنّا نقول له: كيف يصحّ قوله: يَفْجُرُكَ؟! وكيف تتعدّى كلمة يَفْجُرُ؟!
وأيضاً إنّ الخلع يناسب الأوثان، إذن فما ذا يكون المعنى؟! وبما ذا يرتفع الغلط؟!
والثانية منهما: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. اللهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ، ولَكَ نُصَلِّي ونَسْجُدُ. وإلَيْكَ نَسْعَى ونَحْفِدُ. نَرْجُو رَحْمَتَكَ ونَخْشَى عَذَابَكَ الجِدَّ، إنَّ عَذَابَكَ بِالكَافِرِينَ مُلْحَقٌ- انتهى.
ولنسامح الراوي أيضاً فيما سامحناه فيه في الرواية الأولى؛ ولكنّا نقول له: ما معنى الجدّ هنا؟! أهو العظمة أو الغنى أو ضدّ الهزل أو هو حاجة السجع؟!
نعم، في رواية عبيد نَخْشى نِقْمَتَكَ. وفي رواية عبد الله نَخْشَى عَذَابَكَ. وما هي النكتة في التعبير بقوله: مُلْحَقٌ؟! وما هو وجه المناسبة وصحّة التعليل لخوف المؤمن من عذاب الله بأنّ عذاب الله بالكافرين ملحق؟ بل إنّ هذه العبارة تناسب التعليل، لأن لا يخاف المؤمن من عذاب الله، لأنّ عذابه بالكافرين ملحق.
الأمر الخامس: وممّا ألصقوه بالقرآن المجيد ما نقله في «فصل الخطاب» عن كتاب «دبستان المذاهب» أنّه نسب إلى الشيعة أنّهم يقولون: إنّ إحراق المصاحف سبب إتلاف سور من القرآن نزلت في فضل عليّ عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام. منها: هذه السورة وذكر كلاماً يضاهي خمساً وعشرين آية في الفواصل قد لفّق من فقرات القرآن الكريم على اسلوب آياته. فاسمع ما في ذلك من الغلط فضلًا عن ركاكة اسلوبه الملفّق!
فمن الغلط: واصْطَفَى مَنِ المَلَائِكَةِ وجَعَلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ اولَئِكَ في خَلْقِهِ. ما ذا اصطفى من الملائكة؟! وما ذا جعل من المؤمنين؟! وما معنى اولئك في خلقه؟!
ومنه: مَثَلُ الَّذِينَ يُوفُونَ بَعَهدِكَ إنِّي جَزَيْتُهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. ليت شعري، ما هو مثلهم؟! ومنه: ولَقَدْ أرْسَلْنَا موسى وهَارُونَ بِمَا اسْتُخْلِفَ فَبَغَوا هَارُونَ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ.
ما معنى هذه الدمدمة؟! وما معنى: بما استخلف؟! وما معنى: فبغوا هارون؟! ولمن يعود الضمير في بغوا؟! ولمن الأمر بالصبر الجميل؟!
ومن ذلك: ولَقَدْ آتَيْنَا بِكَ الحُكْمِ كَالَّذِي مِن قَبْلِكَ مِنَ المُرْسَلِينَ وجَعَلْنَا لَكَ مِنْهُمْ وصِيَّاً لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
ما معنى: آتينا بك الحكم؟! ولمن يرجع الضمير الذي في مِنْهُمْ ولَعَلَّهُمْ؟! هل المرجع للضمير هو في قلب الشاعر؟! وما هو وجه المناسبة في لعلّهم يرجعون؟!
ومن ذلك: وإنَّ عَلِيَّاً قَانِتٌ في اللَّيْلِ سَاجِدٌ يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو ثَوابَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ ظَلَمُوا وهُمْ بِعَذَابِي يَعْلَمُونَ.
قل: ما محلّ قوله: هل يستوي الذين ظلموا؟! وما هي المناسبة له في قوله: وهم بعذابي يعلمون؟! ولعلّ هذا الملفِّق تختلِج في ذهنه الآيتان الحادية عشرة والثانية عشرة من سورة الزمر. وفي آخرها: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. فأراد الملفِّق أن يلفّق منهما شيئاً بعدم معرفته، فقال في آخر ما لفّق: هل يستوي الذين ظلموا؟! ولم يفهم أنّه جيء بالاستفهام الإنكاريّ في الآيتين، لأنّه ذكر فيهما: الذي جَعَلَ لِلَّهِ أنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، و: القَانِتُ آنَاءَ اللَّيْلِ يَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ، فهما لا يستويان، ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. هذا بعض الكلام في هذه المهزلة.
وإنّ صاحب «فصل الخطاب» من المحدّثين المكثرين المجدِّين في التتبّع للشواذّ. وإنّه ليعدّ أمثال هذا المنقول في «دبستان المذاهب» ضالّته المنشودة. ومع ذلك قال: إنّه لم يجد لهذا المنقول أثراً في كتب الشيعة. فيا للعجب من صاحب «دبستان المذاهب» من أين جاء بنسبة هذه الدعوى إلى الشيعة؟! وفي أيّ كتاب لهم وجدها؟! أفهكذا يكون النقل في الكتب، ولكن لا عجب (شِنْشِنَةٌ أعْرِفُهَا مِنْ أخْزَمِ)[1] فكم نقلوا عن الشيعة مثل هذا النقل الكاذب كما في كتاب «الملل والنِّحل» للشهرستانيّ، ومقدّمة ابن خلدون، وغير ذلك ممّا كتبه بعض الناس في هذه السنين. واللهُ المُسْتَعَانُ.
ثمّ بدأ المرحوم آية الله البلاغيّ موضوعاً تحت عنوان: قَول الإماميّة بِعَدَمِ النَّقِيصَةَ في القُرْآنِ. وبعد أن نقل كلمات عدد من أعلام الشيعة كالشيخ الصدوق في «الاعتقادات»، والشيخ المفيد في «أوائل المقالات»، والسيّد المرتضى، والشيخ الطوسيّ، والشيخ الطبرسيّ، والشيخ كاشف الغطاء، قال: وعن السيّد القاضي نور الله في كتابه «مصائب النواصب»: ما نُسب إلى الشيعة الإماميّة من وقوع التغيير في القرآن ليس ممّا قال به جمهور الإماميّة إنّما قَالَ بِهِ شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ لَا اعْتِدَادَ بِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
وعن الشيخ البهائيّ: وأيضاً اختلفوا في وقوع الزيادة والنقصان فيه. والصحيح أنّ القرآن العظيم محفوظ عن ذلك زيادة كان أو نقصاناً. ويدلّ عليه قوله تعالى: وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.
وما اشتهر بين الناس من إسقاط اسم أمير المؤمنين عليه السلام منه في بعض المواضع مثل قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك في علي، وغير ذلك فهو غير معتبر عند العلماء. وعن المقدّس البغداديّ في «شرح الوافية»: وإنّما الكلام في النقيصة. والمعروف بين أصحابنا حتى حكى عليه الإجماع عدم النقيصة أيضاً.
وعنه أيضاً، عن الشيخ على بن عبد العالي أنّه صنّف في نفي النقيصة رسالة مستقلّة، وذكر كلام الصدوق المتقدّم. ثمّ اعترض بما يدلّ على النقيصة من الأحاديث. وأجاب بأنّ الحديث إذا جاء على خلاف الدليل من الكتاب والسُّنّة المتواترة أو الإجماع. ولم يمكن تأويله ولا حمله على بعض الوجوه وجب طرحه.
هذا وأنّ المحدِّث المعاصر جهد في كتاب «فصل الخطاب» في جمع الروايات التي استدلّ بها على النقيصة؛ وكثر أعداد مسانيدها بأعداد المراسيل عن الأئمّة عليهم السلام في الكتب كمراسيل العيّاشيّ، وفرات، وغيرها. مع أنّ المتتبّع المحقّق يجزم بأنّ هذه المراسيل مأخوذة من تلك المسانيد.
وفي جملة ما أورده من الروايات ما لا يتيسّر احتمال صدقها. ومنها ما هو مختلف باختلاف يؤول به إلى التنافي والتعارض. وهذا المختصر لا يسع بيان النحوين الأخيرين. هذا مع أنّ القسم الوافر من الروايات ترجع أسانيده إلى بضعة أنفار. وقد وصف علماء الرجال كلًّا منهم إمّا بأنّه ضعيف الحديث فاسد المذهب مجفوّ الرواية. وإمّا بأنّه مضطرب الحديث والمذهب يُعرف حديثه ويُنكر ويروي عن الضعفاء، وإمّا بأنّه كذّاب متّهم لا أستحلّ أن أروي من تفسيره حديثاً واحداً، وأنّه معروف بالوقف وأشدّ الناس عداوة للرضا عليه السلام. وإمّا بأنّه كان غالياً كذّاباً، وإمّا بأنّه ضعيف لا يُلتفت إليه ولا يُعوّل عليه ومن الكذّابين، وإمّا بأنّه فاسد الرواية يُرمَى بالغلوّ. ومن الواضح أنّ أمثال هؤلاء لا تجدي كثرتهم شيئاً.
ولو تسامحنا بالاعتناء برواياتهم في مثل هذا المقام الكبير، لوجب من دلالة الروايات المتعدّدة أن ننزلها على أنّ مضامينها تفسير للآيات أو تأويل أو بيان لما يُعلم يقيناً شمول عموماتها له، لأنّه أظهر الأفراد وأحقّها بحكم العامّ. أو ما كان مراداً بخصوصه وبالنصّ عليه في ضمن العموم عند التنزيل. أو ما كان هو المورد للنزول. أو ما كان هو المراد من اللفظ المبهم.
وعلى أحد الوجوه الثلاثة الأخيرة يُحمل ما ورد فيها أنّه تنزيل وأنّه نزل به جبريل كما يشهد به نفس الجمع بين الروايات. كما يُحمل التحريف فيها على تحريف المعنى.
ويشهد لذلك مكاتبة أبي جعفر عليه السلام لسعد الخير كما في روضة الكافي. ففيها: وكَانَ مِنْ نَبْذِهِمُ الكِتَابَ أنْ أقَامُوا حُرُوفَهُ وحَرَّفُوا حُدُودَهُ. وكما يحمل ما فيها من أنّه كان في مصحف أمير المؤمنين عليه السلام أو ابن مسعود. وينزل على أنّه كان فيه بعنوان التفسير والتأويل.
وممّا يشهد لذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام للزنديق، كما في «نهج البلاغة» وغيره: ولَقَدْ جِئْتُهُمْ بِالكِتَابِ كُمَّلًا مُشْتَمِلًا عَلَى التَّنْزِيلِ والتَّأويلِ.[2]
وممّا أشرنا إليه من الروايات أنّ المحدِّث المعاصر أورد في روايات سورة المعارج أربع روايات ذكرت أنّ كلمة (بِوَلَايَةِ عَلِيّ) مثبتة في مصحف فاطمة عليها السلام. وهكذا هي في مصحف فاطمة عليها السلام. ولا يخفى أنّ مصحفها عليها السلام إنّما هو كتاب تحديث بأسرار العلم. كما يُعرف ذلك من عدّة روايات في «اصول الكافي» في باب الصحيفة والمصحف والجامعة. وفيها قول الصادق عليه السلام: مَا فِيهِ مِن قُرْآنِكُم حَرْفٌ واحِدٌ، ومَا أزْعُمُ أنَّ فِيهِ قُرْآنا، كما في الصحيح والحَسَن (الروايات الصحيحة والحسنة).
ومنها ما في «الكافي» في باب أنّ الأئمّة عليهم السلام شهداء على الناس في صحيحة بُريد عن أبي جعفر عليه السلام، وروايته عن أبي عبد الله عليه السلام من قولهما عليهما السلام في قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً: نحن الامّة الوسطى.
إذن، فما روى مرسلًا في تفسيري النعمان وسعد من أنّ الآية أئِمَّةً وَسَطاً لا بدّ من حمله على التفسير، وأنّ التحريف إنّما هو للمعنى.
ومنها: كما رواه في «الكافي» في باب أنّ الأئمّة هم الهداة، عن الفضيل: سَألْتُ أبَا عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عن قول الله تعالى: ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ. فقال: كُلُّ إمَامٍ هُوَ هَادٍ لِلْقَرْنِ الذي هُوَ فِيهِم.
ورواية بُريد عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ. فقال: رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ المُنْذِرُ، ولِكُلِّ زَمَانٍ مِنَّا هَادٍ يَهْدِيهِمْ إلَى مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ. والهُدَاةُ مِنْ بَعْدِهِ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ الأوْصِيَاءُ واحِداً بَعْدَ واحِدٍ.
ونحوها رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، ورواية عبد الرحيم القصير عن أبي جعفر عليه السلام: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ المُنْذِرُ وعَلَيّ الهَادِي.
وبمضمونها جاءت روايات الجمهور مسندة عن طريق أبي هريرة، وأبي برزة، وابن عبّاس، وطريق أمير المؤمنين عليه السلام. وصحّحه الحاكم في مستدركه.
وإذا أحطتَ خبراً بهذا، فهل يروق لك التجاء «فصل الخطاب» في تلفيقه وتكثيره إلى النقل عن بعض التفاسير المتأخّرة، وعن الداماد في حاشية «القبسات» من قوله: إنّ الأحاديث من طرقنا وطرقهم متضافرة بأنّه كان التنزيل: إنما أنت منذر العباد وعلي لكل قوم هاد؟!- انتهى.
هذا الشعر الذي ينشده المدّاحون ولا يرضى العارف باللّغة العربيّة أن يُنسب إليه نظمه ولا أظنّك تجد من طرقنا وطرق أهل السُّنَّة غير ما سمعته أوّلًا وهو غير ما نقله فاعتبر.
ومنها: رواية «الكافي» عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قوله عزّ وجلّ: رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. يَعْنُونَ بِوَلَايَةِ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وهذا صريح في كونه تفسيراً. فهي حاكمة ببيانها على ضعيفتَي أبي بصير في ظهورهما بأنّ لفظ «بِوَلَايَةِ عَلِيّ» محذوف من الآية. ويسري البيان من رواية أبي حمزة إلى أمثال ذلك.
ومنها: رواية عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى في سورة البقرة: مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ «مُخْرَجَاتٍ». ولا أظنّ إلّا أنّك تقول: إنّ إلحاق الإمام عليه السلام لكلمة مخرجات إنّما هو تفسير للمراد من كلمة إخْراج، لا بيان للنقيصة من القرآن الكريم، ولكنّ «فصل الخطاب» أورده بعنوان البيان للنقيصة. فاعتبر!
ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام كما في «الكافي» في أوّل باب منع الزكاة. وفيها: ثمّ قال عليه السلام: هو قول الله عزّ وجلّ: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ»، يَعْنِي مَا بَخِلُوا بِهِ مِنَ الزَّكَاةِ.
فالرواية كالصريحة بأنّ لفظ مِنَ الزَّكَاةِ. إنّما هو تفسير من الإمام، لا من القرآن. فهي حاكمة ببيانها على مرسلة ابن أبي عمير عمّن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ: سيطوقون ما بخلوا به من الزكاة يوم القيامة، وصارفة لها عن كونها بياناً للنقيصة.
ومنها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام كما في «الكافي» في باب نصّ الله ورسوله على الأئمّة واحداً بعد واحدٍ. وفيها: فقلتُ له: إنّ الناس يقولون: فما له لم يُسَمّ عليّاً عليه السلام وأهل بيته في كتاب الله؟! قال: فقولوا لهم: إنّ رسول الله نزلت عليه الصلاة ولم يُسَمّ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي فَسَّر لهم ذلك. وكذا قال عليه السلام في الزكاة والحجّ. ومقتضى الرواية تصديق الإمام عليه السلام لقول الناس: إنّ الله لم يُسَمّ عليّاً في القرآن، وإنّ التسمية كانت من تفسير رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ، وحديث الثَّقَلَينِ.
ويشهد لك ما رواه في «الكافي» أيضاً في هذا الباب بعد ذلك بيسير في صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر عليه السلام، ورواية أبي الجارود عنه عليه السلام أيضاً، ورواية أبي الديلم عن أبي عبد الله عليه السلام أنّهما تلوا في مقام الاحتجاج وعدم التقيّة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، ولم يذكرا في تلاوة الآية كلمة في عَلِيّ. وهذا يدلّ على أنّ ما روى في ذكر اسم عليّ عليه السلام في هذا المقام، بل وفى غيره إنّما هو تفسير وبيان للمراد في وحي القرآن بكون التفسير والبيان جاء به جبرائيل من عند الله بعنوان الوحي المطلق لا القرآن، وما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى.
ومنها: رواية الفضيل عن أبي الحسن الماضي عليه السلام في باب «النُّكَتُ[3] مِنَ التَّنْزِيلِ في الوَلَايَةِ» من «الكافي» قال: قلتُ: هَذَا الذي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ؟! قال: يعني أمير المؤمنين عليه السلام. قلتُ: تنزيلٌ؟! قال عليه السلام: نعم! فإنّه عليه السلام ذكر أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: «يعني» بعنوان التفسير وبيان المراد والمشار إليه في قوله تعالى: هَذَا. فقوله في الجواب: نعم، دليل على أنّ ما كان مراداً بعينه في وحي القرآن يسمّونه عليهم السلام: تنزيلًا.
فتكون هذه الرواية وأمثالها قاطعة لتشبّثات «فصل الخطاب» بما حشّده من الروايات التي عرفت حالها إجمالًا. وإلى ما ذكرناه وغيره يشير ما نقلناه من كلمات العلماء الأعلام قُدّست أسرارهم.
فإن قيل: إنّ هذه الرواية ضعيفة. وكذا جملة من الروايات المتقدّمة!
قلنا: إنّ جُلَّ ما حشّده «فصل الخطاب» من الروايات هو مثل هذه الرواية وأشدّ منها ضعفاً كما أشرنا إليه في وصف رواتها. على أنّ ما ذكرناه من الصحاح فيه كفاية لُاولي الألباب.[4]
كان ما تقدّم نصّ كلام هذا العالم المتتبّع المحقّق الخبير حول عدم تحريف القرآن. وقد لوحظ كم ألمّ رحمه الله بأطراف الموضوع بنحو شامل وكامل، ودحض الشبهات المارّة حوله بفكر راسخ قويم! يضاف إلى ذلك أنّه لم يقطع شوطاً في حماية معقل التشيّع بالاعتقاد بصيانة الكتاب الإلهيّ. على أتمّ نحو وأكمله فحسب، بل إنّه- بذكره الروايات المأثورة في المصادر المهمّة لأهل السّنة والجماعة- بدأ حملته عليهم وأبطل تلك الروايات بوصفها ملصقة بكرامة كلام الله المجيد، وذلك باسلوب رائق. وليت للشيعة في كلّ عصر رجلًا واحداً- في الأقلّ- كذا العالم المجتهد الفقيه البصير الحميم الشفيق المتحرّر من سلطان هواه، فتعالج المشاكل جميعها بفضل قوّة إيمانه وعلمه ودرايته!
[1] قال الميدانيّ في «مجمع الأمثال» ج 1، ص 361، رقم 1933، طبعة سنة 1374 هـ: قال ابن الكلبيّ: إنّ الشعر لأبي أخزم الطائيّ وهو جدّ أبي حاتم أو جدّ جدّه. وكان له ابن يقال له: أخزم. وقيل: كان عاقّاً فمات وترك بنين فوثبوا يوماً على جدّهم أبي أخزم فأدموه فقال:إن بنيّ ضَرَّجوني بالدم***شنشنة أعرفها من أخزمو يروي: زَمَّلُوني. وهو مثل ضَرّجوني في المعنى. أي: لَطَّخُونِي. بمعنى أنّ هؤلاء أشبهوا أباهم في العقوق. والشنشنة: الطبيعة والعادة. قال شمر: وهو مثل قولهم: العَصَا مِنَ العُصَيَّة.
[2] هذا الكلام غير موجود في «نهج البلاغة».
[3] الصحيح: نُكَتٌ.
[4] «آلاء الرحمن في تفسير القرآن» ج 1، ص 19 إلى 29، طبعة مطبعة العرفان بصيدا، سنة 1351 هـ.
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)