كان أمير المؤمنين عليه السلام أوّل كاتب في الإسلام، كما كان أوّل ناطق به. ولقد كتب القرآن كلّه بخصوصيّات نزوله وتأويله في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم نفسه. ولم يخرج من البيت بعد وفاته صلى الله عليه وآله عملًا بوصيّته، ولم يلتحق بفئة الخلفاء الغاصبين. ولم يضع رداءه على كتفه. ولازم بيته ستّة أشهر. ورتّب القرآن حسب نزوله، وبيّن جميع ما يتعلّق به، ثمّ لفّه في عباءة ووضعه على بعير، وأتى به إلى المسجد، وقال للحاضرين فيه: هذا كتاب الله، وأنا صاحب الولاية! وهذان الثقلان ثقلا رسول الله صلى الله عليه وآله إذ قال: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ. فقال له عمر: لا حاجة بنا إليك وعندنا كتاب الله فلا حاجة لنا بكتابك.
فأدار الإمام عليه السلام راحلته نحو منزله وهو يقرأ هذه الآية: وإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ.[1]
وقال: أما إنّكم لن ترون هذا الكتاب أبداً! وكان كما قال. واحتفظ به أمير المؤمنين عليه السلام عنده طوال حياته. ثمّ صار إلى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كوديعة من ودائع الإمامة وخزائنها. وتحوّل من بعده إلى سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام؛ وهكذا ظلّ ينتقل من إمامٍ إلى آخر، حتى صار عند الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف. وها هو الآن لديه حتى يَظهر إن شاء الله. فيُظهره عندئذٍ ويُريَه الناسَ.
هذه هي أحاديث الشيعة. أمّا أحاديث السُّنَّة فإنّها تصرّح أنّ الإمام عند ما جمع القرآن، وأخذه إليهم، قالوا: نحن عندنا قرآن. ولا حاجة بنا إلى قرآنك!
ولا بدّ لنا أن نعرف من منظار الشيعة: هل هناك فرق بين قرآنهم وبين القرآن الذي دوِّن في عهد أبي بكر أولًا، ثمّ دوّن في عصر عثمان ثانياً، أو لا فرق بينهما؟!
لا ريب أنّ الفرقَ موجود، وإلّا لرضوه، ولَمَا كان هناك خلاف. فأين يكمن الفرق؟! والجواب هو، أولًا: أنّ الآيات والسُّوَر في قرآن أمير المؤمنين عليه السلام مرتّبة حسب نزولها. ثانياً. أنّ قرآنه عليه السلام يشتمل على شرح وافٍ للناسخ والمنسوخ، والعامّ والخاصّ والمجمل والمبَيَّن، وغير ذلك، وقد أخذه الإمام من النبيّ صلى الله عليه وآله، وهو سُنَّة. ثالثاً: أنّ قرآنه عليه السلام يصرّح بشأن نزول الآيات ومواطنها. رابعاً: أنّه يحتوي على الأحاديث القدسيّة الواردة على لسان رسول الله من أجل شرحه وتفسيره وتأويله. خامساً: يضمّ تأويل الآيات أي: مقصودها ومفادها وغايتها.
أمّا القرآن المدوَّن بين الدفّتين، الموجود بين أيدينا، فهو يفتقد هذه المزايا وليس فيه إلّا السور والآيات بلا تغيير ولا تبديل ولا تحريف بزيادة أو نقصان.
ولا مناص لنا من التوسّع في الحديث لإثبات هذا الادّعاء، وللبرهنة على عقيدة علماء الإسلام المحقّقين، والأساطين من مدقّقي الفقهاء والمفسّرين والحكماء والعرفاء، وعقيدتهم تتمثّل في عدم تحريف كتاب الله بزيادة أو نقصان ولو في جملة واحدة أو كلمة واحدة قصيرة. ونتوسّع في الحديث أيضاً من أجل أن تستبين عقيدة الشيعة في هذا المجال كما هي حقّاً.
[1] الآية 187، من السورة 3: آل عمران.