قال الشيخ الفقيه الاصوليّ الحكيم آية الله الميرزا محمّد حسن الآشتيانيّ قدّس سرّه- وهو أحد العلماء المتأخّرين- في شرحه العلميّ النفيس على رسائل استاذه الشيخ مرتضى الأنصاريّ قدّس سرّه عند شرح قوله: الثَّالِثُ إنَّ وُقُوعَ التَّحْرِيفِ عَلَى القَوْلِ بِهِ- إلى آخره: ينبغي التكلّم أوّلًا في أصل وقوع التحريف والتغيير والنقيصة والزيادة في القرآن بعض الكلام ثمّ تعقيبه بالكلام في قدح وقوع التغيير بالمعنى الأعمّ في حجّيّة ظواهر آيات الأحكام وعدمه، فنقول: إنّه لا خلاف بين علماء الشيعة في أنّه كان لأمير المؤمنين عليه وعلى أخيه الرسول الأمين وأولادهما المنتجبين ألف سلام وصلاة وتحيّة، قرآناً مخصوصاً جمعه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وقد عرضه على الناس والمنحرفين وأعرضوا قائلين إنّه: لا حاجة لنا فيه. فحجبه عنهم وأودعه ولده عليهم السلام يتوارثه إمام عن إمام كسائر خصائص الإمامة والرسالة. وهو الآن عند الحجّة وإمام العصر عجّل الله فرجه، يظهره للناس بعد ظهوره ويأمرهم بقراءته وقد نطقت به الأخبار المستفيضة بل المتواترة معنى.
كما أنّه لا خلاف بينهم في مخالفته لما في أيدي الناس في الجملة ولو من حيث التأليف وترتيب السور والآيات، بل الكلمات؛ وإلّا لم يكن معنى لكونه من خصائصه.
ويدلّ عليه مضافاً إلى وضوحه ما رواه الشيخ المفيد قُدّس سرّه في محكي إرشاده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذَا قَامَ قَائِمُ آل مُحَمَّدٍ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ ضَرَبَ فَسَاطِيطَ لِمَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ القُرْآنَ عَلَى مَا أنْزَلَهُ اللهُ تعالى. فَأصْعَبُ مَا يَكُونُ عَلَى مَنْ حَفِظَهُ اليَوْمَ، لأنَّهُ يُخَالِفُ فِيهِ التَّألِيفَ (الخبر)، وغيره.
كما أنّهم لا ينكرون مخالفته لما في أيدي الناس من حيث اشتماله على وجوه التأويل والتنزيل، والتفسير، والأحاديث القدسيّة كما صرّح به الصدوق والمفيد عن بعض أهل الإمامة، والسيّد الكاظميّ الشارح لـ «الوافية» وغيرهم قدّس سرّهم.
ويواصل آية الله الآشتيانيّ الموضوع، إلى أن يقول: قال الشيخ الصدوق قدّس سرّه: اعْتِقَادُنا أنَّ القُرْآنَ الذي أنْزَلَهُ اللهُ تعالى عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ هُوَ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ لَيْسَ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ ومَنْ نَسَبَ إلَيْنَا بِالقَوْلِ بِأنَّهُ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ كَاذِبٌ- انتهى كلامه رُفع مقامه.
وأمّا الشيخ المفيد وإن كان كلامه المحكيّ أوّلًا عن «المسائل السرويّة» ربّما يُستظهر منه وقوع التغيير فيما نزل إعجازاً إلّا أنّ كلامه أخيراً صريح في حمل ما ورد في هذا الباب على التغيير من حيث التأويل، والتنزيل، والتفسير، ناسباً له إلى جماعةٍ من أهل الإمامة. حيث قال على ما حُكي عنه: وقال جماعة من أهل الإمامة: إنّه لم ينقص من كلمة، ولا من آية، ولا من سورة، لكن حُذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين عليه السلام من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله. وذلك كان ثابتاً منزلًا وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز. وقد يُسمّى تأويل القرآن قرآناً. قال الله تعالى: ولا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً.[1] فسمّي تأويل القرآن قرآناً. وهذا ما ليس فيه بين أهل التفسير اختلاف- انتهى كلامه رُفع مقامه.
ويبسط المحقّق الآشتيانيّ القول، إلى أن يقول: وبالجملة، مخالفة ما عند الإمام عليه السلام لما في أيدي الناس في الجملة ممّا لا ينكره أحد. إنّما الكلام في مخالفة ما بين الدفّتين لما نزل إعجازاً من جهة التحريف والزيادة والنقيصة.
فعن جمهور الأخباريّين وجمع من المحدّثين كالشيخ الجليل عليّ بن إبراهيم القمّيّ، وتلميذه ثقة الإسلام الكلينيّ وغيرهما قدّس الله أسرارهم حيث إنّهم نقلوا الأخبار الدالّة على التغيير من غير قدح فيها سيّما بملاحظة عنوانهم وقوع التغيير مطلقاً. وعن بعضهم وقوع التحريف والنقيصة دون الزيادة مدّعياً عدم النزاع فيها. وعن بعضهم كون النزاع في زيادة غير السورة بل الآية، فإنّ زيادتهما منافٍ لكون ما بأيدينا إعجازاً يقيناً مضافاً إلى منافاته لصريح القرآن.
والمشهور بين المجتهدين والاصوليّين بل أكثر المحدّثين عدم وقوع التغيير مطلقاً، بل ادّعى غير واحد الإجماع على ذلك سيّما بالنسبة إلى الزيادة. وعن المولى الفريد البهبهانيّ وجماعة من المتأخّرين نفي الزيادة.
إلى أن يقول: وممّن صرّح بالإجماع على عدم التغيير عَلَم الهُدى قُدّس سرّه.
وينقل المرحوم الآشتيانيّ هنا نفس عبارات الشريف المرتضى كما نقلناها عن الشيخ الطبرسيّ. ثمّ يقول: وقال شيخ الطائفة الطوسيّ قدّس سرّه في محكيّ تبيانه: أمّا الكلام في زيادته ونقصانه- يعني القرآن- فممّا لا يليق به، لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها. والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا؛ كما نصره المرتضى قُدّس سرّه. وهو الظاهر من الروايات،[2] غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة العامّة والخاصّة بنقصان كثير من أي القرآن، ونُقل شيء منه من موضع إلى موضع لكن طريقها الآحاد التي لا توجب علماً. فالأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها، لأنّه يمكن تأويلها.
ولو صحّت لما كان ذلك طعناً على ما هو موجود بين الدفّتين، فإنّ ذلك معلوم صحّته لا يعترضه أحد من الامّة ولا يدفعه. ورواياتنا متناصرة بالبحث على قراءته والتمسّك بما فيه وردّ ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه وعرضها عليه. فما وافقه عُمل عليه، وما يُخالفه يُجتنب ولم يُلتفت إليه.
وقد وردت عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم رواية لا يدفعها أحد أنّه قال: إنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.
وهذا يدلّ على أنّه موجود في كلّ عصر، لأنّه لا يجوز أن يأمر الامّة بالتمسّك بما لا يقدر على التمسّك به، كما أنّ أهل البيت ومن يجب اتّباع قوله حاصل في كلّ وقت. وإذا كان الموجود بيننا مُجمعاً على صحّته فينبغي أن يُتشاغل بتفسيره وبيان معانيه وترك ما سواه.
يواصل الفقيه المحقّق الآشتيانيّ هذا الموضوع، إلى أن يقول: ولنختم الكلام في المسألة بذكر السورة التي حكاها صاحب كتاب «دبستان المذاهب» بعد ذكر جملة من عقائد الشيعة عن بعض علماء الشيعة عند ذكر مطاعن الثالث حيث إنّه أحرق المصاحف وأتلف السور التي كانت في فضل أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين عليهم السلام.
قال: فإنّ ما ذكروه من الكلمات الساقطة أو المحرَّفة كثيرة مذكورة في كثير من كتب علماء الشيعة. والسورة: بسم الله الرحمن الرحيم. يا أيها الذين امنوا آمنوا بالنورين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم أليم.
ويذكر هنا جملًا وألفاظاً على هذا النحو. وهي تشغل قرابة صفحتين من القطع الوزيريّ، وآخرها: وعلى الَّذِينَ سَلَكُوا مَسْلَكَهُمْ مِنِّي رَحْمَةٌ وهُمْ في الغُرُفَاتِ آمِنُونَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
هذه السورة وإن لم أقف عليها من غير الكتاب المذكور، ولكنَّ ظاهرها أنّه أخذها من كتب الشيعة. نعم، عن الشيخ محمّد بن عليّ بن شهرآشوب المازندرانيّ المعروف في كتاب «المثالب» أنّهم أسقطوا من القرآن تمام سورة الولاية. ولا يبعد إرادة هذه السورة.
ولكنّك خبير بأنّها ليست من القرآن المُنزل إعجازاً قطعاً؛ إذ يقدر كلّ عارف بلغة العرب أن يأتي بمثلها، مع أنّه قال سبحانه: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ والْجِنُّ (الآية).[3]
وذهب الشيخ المحقّق موسى بن جعفر بن أحمد التبريزيّ في كتاب «أوثق الوسائل في شرح الرسائل» إلى ما ذهب إليه المحقّق الآشتيانيّ تحقيقاً وتفصيلًا، عند شرح تلك الفقرة من عبارة الشيخ الأنصاريّ: ثُمَّ إنَّ وُقُوعَ التَّحرِيفِ في القُرْآنِ عَلَى القَوْلِ بِهِ ... إلى آخره، والمختار من كلامه عدم التحريف زيادةً أو نقيصةً أو تغييراً.[4]
وأمّا كتاب «دبستان المذاهب» المارّ ذكره في شرح الرسائل، والواردة فيه سورة ساقطة من كتاب الله، فهو كتاب مجهول، وصاحبه مغمور لم يرد اسمه بين العلماء المشهورين.
ولا بدّ لنا من أن نعرض ترجمة لمؤلّفه نقلًا عن العالم الكبير الشيخ آغا بزرك الطهرانيّ قدّس سرّه، ثمّ نورد موضوعات من كتابه نفسه دليلًا على ما نقول، وذلك لكي تنكشف هويّة هذا الكتاب المجهول، ويظهر عدم وثوق وثائقه، ومنها نقل السورة الساقطة.
يقول المرحوم الشيخ آغا بزرك قدّس سرّه: «دبستان المذاهب» أو «دبستان» في الملل والنحل، فارسيّ. طُبع في بومباي سنة 1262 مرتّب على اثني عشر تعليماً. إلى أن يقول:
وبما أنّه لم يذكر المؤلّف اسمه فيه، اختلف في مؤلّفه كما ذكره السيّد محمّد على داعي الإسلام في أوّل «فرهنك نظام». فحكى عن سرجان ملكم في «تاريخ إيران» أنّ اسم المؤلّف محسن الكشميريّ المتخلّص في شعره بـ فاني. وحكى عن مؤلّف «مآثر الامراء» أنّ اسم المؤلّف ذو الفقار على. وحكى عن هامش نسخة كتابتها سنة 1260 أنّه مير ذو الفقار على الحسينيّ المتخلّص بـ هوشيار.
واختار هو أنّه لبعض السيّاح في أواسط القرن الحادي عشر أدرك كثيراً من الدراويش بالهند، وحكى عنهم الغثّ والسمين في كتابه هذا.
ويقول المرحوم العلّامة الطهرانيّ قدّس سرّه: ويُحكى عن بعض المستشرقين أنّ في مكتبة بروكسل نسخة «دبستان المذاهب» تأليف محمّد فاني. وذكر فيه أنّه ورد خراسان سنة 1056، ورأى هناك محمّد قُلي خان المعتقد بنبوّة مسيلمة الكذّاب.
وكما أنّه أخفى المؤلّف اسمه، كذلك تعمّد في إخفاء مذهبه لئلّا يُحمل كلامه على التعصّب. فقد قال في آخر الكتاب ما معناه: إنّ بعض الأعزّة قال لي: إنّ السيّد المرتضى الرازيّ ألّف «تبصرة العوام» في بيان العقائد والمذاهب، لكن يظهر منه أنّه أخذ بجانب وأيّد ذلك الجانب، وبذلك يتّهم القائل ويخفي الحقائق، مع أنّه قد أحدث بعض عقائد اخر بعده ولا بدّ من بيانها. فلذا أجبته بهذا التأليف وما أتيتُ فيه إلّا ما أثبته أهل الفرق في كتبهم أو حدّثوه لي بأقوالهم مع مراعاة التعبير عن كلّ واحدٍ منهم بعين عباراتهم وعين ما يذكرون به أنفسهم في كتبهم، لكي لا تخفى الحقائق، ولا يُحمل على التعصّب والأخذ بجانب.
قال المرحوم العلّامة الطهرانيّ قُدّس سرّه: لكن يستفاد من أطراف كلماته وترتيب مطالبه وبيان أدلّة الأقاويل أنّ الحقّ عنده مذهب الإماميّة. فإنّه في أوّل التعليم السادس المتعلّق بالملل الإسلاميّة قال: فيه نظران. لأنّ أهل الإسلام على قسمين: سُنّي، وشيعيّ. ثمّ بدأ بذكر فرق أهل السُّنّة إلى آخرهم؛ فشرع في النظر الثاني في الشيعة، وبدأ بالاثني عشريّة منهم وذكر عقائدهم.
قال: وسمعت من علماء الشيعة أقاويلهم وأدركت منهم في لاهور في سنة 1503 المولى محمّد معصوم، والمولى محمّد مؤمن، والمولى إبراهيم المتعصّب في التشيّع. وذكر في وجه تعصّبه أنّه رأى الأئمّة في المنام، فأمروه باعتناق الإسلام واتّباع الأئمّة الاثني عشر من أهل البيت عليهم السلام. وذكر أنّ المروّج للشيعة الأخباريّة في عصره كان المولى محمّد أمين الأسترآباديّ. ونقل جملة من كلماته في كتبه: «الفوائد المدنيّة»، «دانشنامه شاهي»، وغيرهما. وقال المرحوم صاحب «الذريعة» بعد بيان مذاهب الإسماعيليّة عنه: وبالجملة، لا شكّ في أنّ المؤلّف من شعراء أواسط القرن الحادي عشر الذين استوفى جُلَّهم النصرآباديّ في تذكرته. ولم يذكر فيهم من ينطبق عليه أحد المحتملات التي ذكرناها أوّلًا إلّا الفاني الكشميريّ الذي نقل عنه شعره في ص 447.
فلعلّ هذا الفاني هو المؤلّف، وكان اسمه محسن كما ذكره سرجان ملكم؛ وأنّه صُحِّف بمحمّد في نسخة بروكسل أو بالعكس. وأمّا ذو الفقار المتخلّص و هو الذي يختار اسماً مستعاراً له. ويشيع ذلك بين الشعراء غالباً بمؤبّد أو هوشيار، فلم نجد له أثراً.
وأمّا ما ذكر في ذيل «كشف الظُّنون» ص 442 أنّه تأليف مؤبّد شاه المهتدي، صنّفه لأكبر شاه المتوفّى سنة 1014، فلا وجه له، لأنّه يذكر فيه قصصاً عن سنوات 1044 إلى 1063، منها أنّه قال: رأيت في سنة 1053 مرتاضاً يمدح إيران ولكنّه يسبّ ملكها شاه عبّاس بن خدابنده ويقول: إنّه يأخذ كلّ ولد أو بنت جميلين غصباً.[5]
[1] الآية 114، من السورة 20: طه.
[2] فنّد آية الله السيّد عبد الحسين شرف الدين في الفصل الحادي عشر من كتاب «الفصول المهمّة» ص 162 إلى 169، الطبعة الخامسة، مزاعم بعض الكُتّاب السُّنّة الذين تقوّلوا على الشيعة وافتروا عليهم وهاجموهم بشدّة دعماً للحزب الامويّ في سوريا وقال في دحضهم: كنّا نظنّ العصبيّة العمياء تقلّصت، وأيّامها الوحشيّة تصرّمت. وأنّ المسلمين أحسّوا اليوم بما حلّ بهم من المنابذات والمشاغبات التي تركتهم طعمة الوحوش والحشرات ... (و لكن مع ذلك) قام من حثالة الأمويّين طغام دأبهم العهر والخمر يدعون إلى سلفهم الفاجر، يريدون ليعيدوها أمويّة يزيديّة ... خطّ قرد يزيد في خطّته وفي مجلّة الأمويّين قوارص ترتعد منها الفرائص، إذ قذف الشيعة بتهم شائنة. وكم أساء النشاشيبيّ، والنصوليّ، والكيّالي إليهم! وكم اتّهموهم من خلال ما خطّته أقلامهم البذيئة ... ولقد أسرف منار الخوارج بما أرجف وأجحف، وبغى وطغى وبهت الشيعة بهتاناً عظيماً شنّها في مجلّده التاسع والعشرين غارة ملحاحاً... وهناك أفاضل كالرافعيّ نحملهم على الصحّة في سوء ظنّهم بالشيعة... حيث أنسوا بناحية من تقدّمهم.... قال الرافعيّ في ص 161 من كتابه «تحت راية القرآن»: «إنّ الرافضة شكّوا في نصّ القرآن، وقالوا: إنّه وقع فيه نقص وزيادة، وتغيير وتبديل- انتهي». ولا جناح علينا إذا سألناه فقلنا له: مَن تعني هنا بالرافضة؟ أتعني الإماميّة أم غيرهم؟ فإن عنيتهم فقد كذبك من أغراك. وكلّ من نسب إليهم تحريف القرآن فإنّه مفترٍ عليهم، ظالم لهم، لأنّ قداسة القرآن الحكيم من ضروريّات دينهم الإسلاميّ، ومذهبهم الإماميّ، ومَن شكّ فيها من المسلمين فهو مرتدّ بإجماع الإماميّة. فإذا ثبت عليه ذلك، قُتل ثمّ لا يُغسل، ولا يُكفّن، ولا يُصلّي عليه، ولا يدفَنُ في مقابر المسلمين. وظواهر القرآن (فضلًا عن نصوصه) من أبلغ حجج الله تعالى، وأقوى أدلّة أهل الحقّ، بحكم البداهة الأوّليّة من مذهب الإماميّة، ولذلك تراهم يضربون بظواهر الأحاديث المخالفة للقرآن عرض الجدار، ولا يأبهون بها، وإن كانت صحيحة- وتلك كتبهم في الحديث والفقه والاصول صريحة بما نقول. والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إنّما هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي الناس، لا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة، ولا لحرف بحرف، وكلّ حرف من حروفه متواتر في كلّ جيل تواتراً قطعيّاً إلى عهد الوحي والنبوّة. وكان مجموعاً على ذلك العهد الأقدس مؤلّفاً على ما هو عليه الآن، وكان جبرائيل عليه السلام يعارض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بالقرآن في كلّ عام مرّةً، وقد عارضه به عام وفاته مرّتين. والصحابة كانوا يعرضون ويتلونه على النبيّ حتى ختموه عليه صلى الله عليه وآله وسلّم مراراً عديدة. وهذا كلّه من الامور المعلومة الضروريّة لدى المحقّقين من علماء الإماميّة، ولا عبرة بالحشويّة فإنّهم لا يفقهون. والباحثون من أهل السُّنّة يعلمون أنّ شأن القرآن العزيز عند الإماميّة ليس إلّا ما ذكرناه والمنصفون منهم يصرّحون بذلك. قال الإمام الهمام الباحث المتتبّع رحمة الله الهنديّ رضي الله عنه في ص 89 من النصف الثاني من كتابه النفيس «إظهار الحقّ» ما هذا لفظه: القرآن المجيد عند جمهور علماء الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة محفوظ عن التغيير والتبديل. ومن قال منهم بوقوع النقصان فيه فقوله مردود غير مقبول عندهم. (قال): قال الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن عليّ بن بابويه الذي هو من أعظم علماء الإماميّة الأثني عشريّة في رسالته الاعتقاديّة: اعتقادنا في القرآن: إنّ القرآن الذي أنزل الله تعالى على نبيّه هو ما بين الدفّتين. وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك. ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة، وعندنا والضحى وأ لم نشرح سورة واحدة، ولإيلاف وأ لم تر سورة واحدة. ومَن نسب إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب- انتهى.
قال الإمام الهنديّ: وفي تفسير «مجمع البيان» الذي هو تفسير معتبر عند الشيعة ذكر السيّد الأجلّ المرتضى علم الهدى ذو المجد ...» (و ذكر السيّد شرف الدين هنا كلام الشريف المرتضى عن لسان الإمام رحمة الله الهنديّ، وقد أوردناه أيضاً، ثمّ قال:) قال الإمام رحمة الله الهنديّ: وقال القاضي نور الله الشوشتريّ الذي هو من علمائهم المشهورين في كتابه المسمّى ب- «مصائب النواصب»: «ما نُسب إلى الشيعة الإماميّة من وقوع التغيير في القرآن ليس ممّا قال به جمهور الإماميّة، إنّما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم»- انتهى.
وقال الإمام الهنديّ أيضاً: «و قال الملّا صادق في شرح الكلينيّ: يظهر القرآن بهذا الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر ويشهر به»- انتهى.
وقال الإمام الهنديّ أيضاً: وقال محمّد بن الحسن الحرّ العامليّ الذي هو من كبار المحدّثين في الفرقة الإماميّة في رسالة كتبها في ردّ بعض معاصريه: [الكلام بالفارسيّة ونحن ننقل تعريبه نصّاً] «كلّ من تتبّع الأخبار وتفحّص التواريخ والآثار يعلم علم اليقين أنّ القرآن كان في غاية التواتر وأعلى درجته. وكان آلاف الصحابة يحفظونه وينقلونه. وكان مجموعاً ومؤلَّفاً في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم»- انتهى.
وقال الإمام الهنديّ أيضاً: فظهر أنّ المذهب المحقّق عند علماء الفرقة الإماميّة الاثني عشريّة أنّ القرآن الذي أنزله الله على نبيّه هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك. وأنّه كان مجموعاً مؤلّفاً في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وحفظه ونقله الوف من الصحابة، وجماعة من الصحابة كعبد الله بن مسعود، وابي بن كعب، وغيرهما ختموا القرآن على النبيّ عدّة ختمات. ويظهر القرآن ويُشهر بهذا الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر رضي الله عنه. قال: والشرذمة القليلة التي قالت بوقوع التغيير فقولهم مردود عندهم، ولا اعتداد به فيما بينهم. قال: وبعض الأخبار الضعيفة التي رويت في مذهبهم لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته. قال: وهو حقّ، لأنّ خبر الواحد إذا اقتضى عِلماً ولم يوجد في الأدلّة القاطعة ما يدلّ عليه وجب ردّه على ما صرّح به ابن المطهّر الحلّيّ في كتابه المسمّى ب- «مبادئ الوصول إلى علم الاصول»، وقد قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. قال: ففي تفسير «الصراط المستقيم» الذي هو تفسير معتبر عند علماء الشيعة: أي: إنّا لحافظون له من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان.
هذا كلام الإمام الهنديّ عيناً. وإنّما اكتفينا بما نقله من كلام أعلام الشيعة الإماميّة المسطور في كتبهم المعتبرة، لأنّ الاستقصاء يوجب الخروج عمّا أخذناه على أنفسنا من اجتناب الإطناب المملّ. ومَن أراد النقل عن الطوائف والامم فليقتفِ أثر هذا الإمام في الاستناد إلى الكتب المعتبرة عند تلك الامّة أو الطائفة. ولا يُعَوَّل في النقل عنها على المرجفين من خصمائها، والألدّاء من أعدائها. وأنا اكبر السِّفر الجليل «تحت راية القرآن» واقدّر قدر مؤلِّفه (المصطفى الصادق) وأعلم أنّه بعيد الغاية، رزين الحصاة. وكنتُ أربأ به وبسفره الثمين، المؤلَّف لعموم المسلمين، عن جرح عواطف الشيعة، وهم ركن الدين، وشطر المسلمين. وفيهم الملوك والامراء، والعلماء، والادباء، والكَتَبَة، والشعراء، والساسة المفكّرون، والدهاة المدبّرون، وأهل الحميّة الإسلاميّة والنفوس العبقريّة، والشمَم والكرم، والعزائم والهمم. وقد انبثّوا في الأنحاء، وانتشروا في الأرض انتشار الكواكب في السماء. فليس من الحكمة ولا من العقل أن يستهان بهم، وهم أهل حول وقوّة، وغنى وثروة، وأموال مبذولة في سبيل الدين، وأنفس تتمنّى أن تكون فداء المسلمين. وليس من التثبّت أن يُعْتَمَد في مقام النقل عنهم على إرجاف المرجفين، وإجحاف المجحفين: يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا على مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ.
[3] «بحر الفوائد في شرح الفرائد» ص 98 إلى 101، مبحث حجّيّة الظنّ، حجّيّة ظواهر الألفاظ، حجّيّة كتاب الله.
[4] حاشية «أوثق الوسائل» بحث حجّيّة الظنّ، طبعة حجريّة صفحاتها غير مرقّمة.
[5] يقول: «يا من اسمه مطلع دفتر الطلّاب، إنّ ذكرك شمع محفل أولى الألباب».