يروي الشيخ الأجلّ أبُو مَنْصُور أحْمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسيّ[1] في كتاب «الاحتجاج» بسنده المتّصل عن عَلْقَمَة بن محمّد الْحَضْرَميّ عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام: أنّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم حجّ من المدينة؛ وقد بلّغ جميع الشرائع قومه غير الحجّ والولاية. فأتاه جبرئيل فقال له: يا مُحَمَّد، إنّ الله جَلَّ اسْمُه يُقرؤك السلام؛ ويقول لك: إنّي لم أقبض نبيّاً من أنبيائي إلّا بعد إكمال ديني وتأكيد حجّتي.
وقد بقي عليك من ذاك فريضتان ممّا تحتاج أن تبلّغهما قومك: فريضة الحجّ، وفريضة الولاية والخلافة من بعدك. فإنّي لم اخل أرضي من حجّة ولن اخليها أبداً.
فإنّ الله جَلَّ ثَناؤُه يأمرك أن تبلّغ قومك الحجّ؛ وتحجّ. ويحجّ معك من استطاع إليه سبيلًا من أهل الحضر، والأطراف، والأعراب. وتعلّمهم من معالم حجّهم؛ مثل ما علّمتهم من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم! وتوقفهم من ذلك على مثال الذي أوقفتهم عليه من جميع ما بلّغتهم من الشرائع!
فخرج رسول الله من المدينة لأداء مناسك الحجّ؛ وخرج معه أهل المدينة. وبلغ من حجّ مع رسول الله سبعين ألف إنسان أو يزيدون على نحو عدد أصحاب موسى السبعين ألف الذين أخذ عليهم بيعة هارون فنكثوا واتّبعوا العجل والسامريّ.
وكذلك أخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله البيعة لعليّ بالولاية والخلافة على عدد أصحاب موسى، فنكثوا واتّبعوا العِجْلَ والسَّامرِيّ سُنَّةً بِسُنَّةٍ وَمِثْلًا بِمِثْلٍ. واتّصلت تلبية أهل المدينة الذين وفدوا إلى الحجّ ما بين مكّة والمدينة.
ونادى منادي رسول الله في المدينة أن يا أيُّهَا النَّاس! إنّ رسول الله يريد الحجّ، ويريد في سفره هذا أن يطلعكم على ما لم يطلعكم عليه من قبل! ويعلّمكم شرائع الحجّ ويوقفكم عليها في ضوء النهج الذي علّمكم سائر شرائع الدين من خلاله!
ولمّا وقف رسول الله في الموقف؛ أتاه جبرئيل عن الله عزّ وجلّ فقال: يا محمّد! إنّ الله يقرؤك السلام؛ ويقول لك: إنّه قد دنا أجلك ومدّتك؛ وأنا مستقدمك على ما لا بدّ منه، ولا عنه محيص! فاعهد عهدك! وقدّم وصيّتك؛ واعمد إلى ما عندك من العلم وميراث علوم الأنبياء من قبلك والسلاح والتابوت (صندوق العهد)، وجميع ما عندك من آيات الأنبياء فسلّمه إلى وصيّك وخليفتك من بعدك؛ حجّتي البالغة على خلقي عَلِيّ بن أبي طالبٍ عليه السلام. فأقمه للناس علماً! وجدّد عهده وميثاقه وبيعته! وذكّر الناس ما أخذت عليهم من بيعتي وميثاقي الذي واثقتهم؛ وعهدي الذي عهدت إليهم: من ولاية وليّي ومولاهم، ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة عَلِيّ بن أبي طالبٍ عليه السلام.
فَإنّي لم أقبض نبيّاً من الأنبياء، إلّا من بعد إكمال ديني، وحجّتي، وإتمام نعمتي باتّباع وليّي وطاعته. وذلك أني لا أترك أرضي بغير وليّ وقيّم، ليكون حجّة لي على خلقي.
"فَالْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِيَناً بِوَلايَةِ وَلِيِّي؛ وَمَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ عَلِيّ عَبْدِي؛ وَوَصِيي نَبِيّ؛ وَالخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ، وَحُجَّتِيَ البَالِغَةِ على خَلْقِي؛ مَقْرُونٌ طَاعَتُهُ بِطَاعَتِ مُحَمَّدٍ نَبِيِّي، وَمَقْرُونٌ طَاعَتُهُ مَعَ طَاعَةِ مُحَمَّدٍ بِطَاعَتِي؛ مَنْ أطَاعَهُ فَقَدْ أطَاعَنِي؛ وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَانِي؛ جَعَلْتُهُ عَلَماً بَيْنِي وَبَيْنَ خَلْقِي؛ مَنْ عَرَفَهُ كَانَ مُؤْمِناً؛ وَمَنْ أنْكَرَهُ كَانَ كَافِراً؛ وَمَنْ أشْرَكَ بَيْعَتَهُ كَانَ مُشْرِكاً؛ وَمَنْ لَقِيَنِي بِوَلَايَتِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَنِي بِعَدَوَاتِهِ دَخَلَ النَّارَ.
فَأقِمْ يَا مُحَمَّدُ عَلِيّاً؛ وَخُذْ عَلَيْهِمُ الْبَيْعَةَ؛ وَجَدِّدْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي لَهُمُ الذي وَاثَقَهُمْ عَلَيْهِ؛ فَإنِّي قَابِضُكَ إلَيّ وَمُسْتَقْدِمُكَ عَلَيّ!"
فخشي رسول الله صلّى الله عليه وآله من قومه وأهل النفاق والشقاق أن يتفرّقوا؛ ويرجعوا إلى الجاهليّة؛ لما عرف من عداوتهم؛ ولما تنطوي عليه أنفسهم لعليّ من العداوة والبغضاء.
وسأل جبرئيل أن يسأل ربّه العصمة من الناس. وانتظر أن يأتيه جبرئيل بالعصمة من الناس عن الله جلّ اسمه.
فأخّر ذلك إلى أن بلغ مَسْجِدَ الخَيْفِ؛ فأتاه جبرئيل فأمره بأن يعهد عهده ويقيم عليّاً علماً للناس يهتدون به؛ ولم يأته بالعصمة من الله بالذي أراد حتّى بلغ كُرَاعَ الغَمِيمِ[2] بين مكّة والمدينة؛ فأتاه جبرئيل وأمره بالذي أتاه فيه من قبل الله ولم يأته بالعصمة.
فقال رسول الله: يا جبرئيل إنّي أخشي قومي أن يكذَّبوني؛ ولا يقبلوا قولي في عليّ- وقد علمنا أنه كان قد طلب من جبرئيل نزول آية العصمة، وأخّر جبرئيل ذلك- فرحل النبيّ، فلمّا بلغ غدير خمّ قبل الجحفة بثلاثة أميال؛ أتاه جبرئيل على خمس ساعات مضت من النهار بالزجر والانتهار والعصمة من الناس، فقال: يا مُحَمَّدُ! إنّ الله عزّ وجلّ يقرؤك السلام، ويقول لك: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}.
وكان أوائلهم قريبين من الجُحفة؛ فأمر النبيّ بأن يُردّ من تقدّم منهم؛ ويُحبس من تأخّر عنهم في ذلك المكان ليقيم عليّاً علماً للناس، وقد عصمه الله من الناس.
ونادى منادٍ من قبل رسول الله: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. وتنحّي عن يمين الطريق إلى المكان الذي بنوا فيه مسجد الغدير فيما بعد. وأمر النبيّ أن يكنس ما تحت الأشجار، وينصب له منبراً من الحجارة؛ وصعد المنبر وبدأ بإلقاء خطبته.
هذه الخطبة مفصّلة للغاية. وبعد أن حمد الله سبحانه وتعالى وأثنى عليه، تحدّث بنحو شافٍ ووافٍ، فدلّ على حقيقة الدين وروح الإيمان؛ واستشهد بآيات القرآن دليلًا على كلامه. وتكلّم بالتفصيل عن الولاية وروح الإمامة؛ وعدم انفصالها عن القرآن الكريم. وخاطب الناس بقوله: مَعَاشِرَ النَّاس في أربعة وخمسين موضعاً، وبقوله: أيُّهَا النَّاسُ في موضع واحد؛ وأخذ منهم إقرارهم واعترافهم؛ وحاجّهم، بحيث أقرّ له الجميع واعترفوا.
وقد أحجمنا هنا عن ذكر خصوصيّات تلك الخطبة مراعاة للإيجاز؛ وللراغبين أن يرجعوا إلى كتاب «الاحتجاج» للطبرسيّ، طبعة النجف ج 1، من ص 66 إلى 84؛ أو إلى «بحار الأنوار» طبعة الكمباني ج 9، من ص 224 إلى 228.
يقول المجلسيّ بعد نقل هذه الخطبة: جاء في كتاب «كَشْف اليَقين» عن أحمد بن محمّد الطبريّ من علماء المخالفين أنه روى هذا الخبر كلّه في كتابه عن مُحَمَّد بن أبي بَكْر بن عَبْد الرحمن، عن الحسن بن عليّ بن أبي محمّد الدينوريّ، عن محمّد بن موسى الهمدانيّ.
وروى أكثر هذه الخطبة ممّا يتعلّق بالنصّ والفضائل مؤلّف كتاب «الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم» عن محمّد بن جرير الطبريّ في كتاب «الوَلَاية» بإسناده إلى زيد بن أرقم؛ وروى هذه الخطبة كلّها الشَّيْخ عَليّ بن يُوسُف بن المُطَهَّر الحِلِّيّ، عن زيد بن أرقم.[3]
وذكر صاحب «الاحتجاج» أيضاً عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لمّا فرغ من هذه الخطبة، رأى الناس رجلًا جميلًا بهيّاً طيّب الريح، فقال: تالله ما رأيت كاليوم قطّ، ما أشدّ ما يؤكّد لابن عمّه، وإنّه لعقد له عقداً لا يحلّه إلّا كافر بالله العظيم وبرسوله الكريم؛ ويلٌ طويل لمن حلّ عقده.
قال والتفت عُمَر بن الخطّاب [إلى النبيّ الأكرم] حين سمع كلامه فأعجبته هيئته، ثمّ التفت إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وقال: أ ما سمعت ما قال هذا الرجل قال كذا وكذا؟!
فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: يا عمر! أ تدري مَن ذلك الرجل؟! قال [عمر]: لا! فقال النبيّ: ذلك الروح الأمين جبرئيل. فإيّاك أن تحلّ [العقد مع عليّ!] فإنّك إن فعلت، فالله ورسوله وملائكته والمؤمنون منك براء.[4]
[1] الطَبَرسيّ (بفتح الطاء و الباء): أبو منصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب صاحب كتاب «الاحتجاج» من أهل ساري، إحدى مدن مازندران، كما أنّ تلميذه محمّد بن عليّ بن شهرآشوب السَّرَويّ المازندرانيّ المتوفّى سنة 588 هـ منسوب إلى ساري؛ كان يعيش في أواسط القرن السادس الهجريّ. و كان معاصراً لأبي الفتوح الرازيّ، و الفضل بن الحسن الطَبْرِسيّ (بفتح الطاء و سكون الباء و كسر الراء) صاحب «مجمع البيان» و لقبه تعريب لـ (تفريّش). و يروى صاحبنا عن الشيخ الطوسيّ بواسطتين، و عن الشيخ الصدوق بعدد من الوسائط. و ينقل الشهيد الأوّل في «غاية المراد» فتاواه و أقواله كثيراً. كتابه: «الاحتجاج على أهل اللجاج» كتاب جليل معروف و معتمد عليه كثيراً.
[2] يقول صاحب «مراصد الاطّلاع» ج 3، ص 1153: كُرَاعُ الغَميم موضع بالحجاز بين مكّة و المدينة أمام عَسْفَان بثمانية أميال. و هذا الكراع جبل أسود في طرف الحَرَّة يمتدّ إليه.
[3] «بحار الأنوار» ج 9، ص 228. طبعة الكمباني.
[4] «الاحتجاج» للطبرسيّ، ج 1، ص 84؛ طبعة النجف الأشرف؛ و «بحار الأنوار» ج 9، ص 228 طبعة الكمباني.