ينبغي أن نعلم أنّ التنصيب في مقام الإمامة والخلافة ليس شأناً من الشؤون الظاهريّة للإمام بحيث يبعث على الراحة والسعة والتمتّع بمقام يبتهج به، ويحتفي به فرحاً مسروراً. بل هو يستلزم الاضطلاع بالمسؤوليّة والالتزام حيال القيام بما يلزم، وأداء المهمّة على أحسن وجه. فما أصعب هذا الأمر وأبهظه وأشقّه! وأيّ! مضاعفات ستعقبه! ولا بدّ من اجتيازها كلّها بصبر واتّئاد وسكينة ومن جملتها السكوت وعدم القيام بالسيف عملًا بوصيّة الرسول الأعظم عند مبادرتهم لغصب الحقّ، وفقدان الناصر والمعين.
إنّ النصب في مقام الولاية يمثّل في الحقيقة نصباً في مقام الحلم والتحمّل والرزانة في جميع تلك الوقائع والأحداث. ونصباً في مقام الصبر والحلم والأناة حيال كافّة الأحداث التي ستتوالى على صاحب الولاية ومقام الولاية حتّى يوم القيامة. ويجسّد ذلك النصب إعلاناً عن الصمود والاستقامة أمام الأحداث التي سيفتعلها الشيطان والنفس الأمّارة التي يحملها ذوو التوجّهات المريضة من الجهلة الذين لا علم لهم، ويضعها اولئك حجر عثرة في طريق الولاية كلّ يوم وزمان، وعقبة تحول دون الوصول إلى ساحة الحضور.
فما أصعب يوم الغدير على أمير المؤمنين! وما أشقّه من ميعاد! وما أثقله من لقاء مضنٍ مرهق! وما أعظمه من يوم زاخر بالهيبة والجلال!
ولا يتصوّر أحد أنه يوم السرور والاغتباط من منظور الشؤون الدنيويّة، بل الأمر على عكس ذلك.
كما أنّ يوم المبعث النبويّ في غار حَراءْ كان أوّل يوم للنزول في عالم الكثرة، والاضطلاع بعمل من شأنه الاصطدام بشخصيّات متحجّرة من أمثال أبي جهل، وأبي لهب، وأبي سفيان. وهو يوم تحمّل المصائب والشدائد لتبليغ رسالات الله، والامتثال للأمر السماويّ القاضي بتحطيم أصنام الجاهليّة، وتهذيب النفوس وتزكيتها؛ ومداراة ومسايرة عدد كبير من الجهلة الذي يختلقون أعظم المصائب من وحي جهلهم، ويفرضونها على رسول الله.
فلهذا أخذت رسول الله الرجفة؛ ولمّا جاء إلى بيته، سقط على الأرض من شدّة الهيبة وعظمة هذا الأمر، وادّثّر في زاوية من الغرفة فنزل عليه جبريل وهو يتلو عليه قوله تعالى: {قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} بعد قوله: {يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}؛ وقوله: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} بعد قوله: {يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}.
وكان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم يعلم ما ذا ستجرّه ولاية الأمر هذه من ويلات على أمير المؤمنين. من ضربٍ وشتمٍ وقتلٍ وأسرٍ لأبنائه الطاهرين. وكان يرى ذلك أمامه كالمرآة ويوطّن نفسه الشريفة على جميع البلاءات لمرضاة الودود جلّ وعزّ، ويتلقّى الأمر بالعمل بقوله تعالى: {بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} بالطاعة والتسليم متفاعلًا معه بروحه وقلبه. ويقبل ذلك الإمام عليّ أيضاً بروحه وقلبه، ويرحّب به بنفس منشرحة وصدر رحب؛ ويلبّي دعوة الحقّ؛ ويذوب فيه طاعة وتسليماً بكل وجوده.
روى الحافظ أبو نُعَيم الإصفهانيّ! بسنده المتّصل عن أبي بَرزة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: "إنَّ اللهَ تعالى: عَهِدَ إلَيّ عَهْداً في عَلِيّ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ بَيِّنْهُ لي! فَقَالَ: اسْمَعْ! فَقُلْتُ: سَمِعْتُ! فَقَالَ: إنَّ عَلِيَّاً رَايَةُ الهُدَى؛ وَإمَامُ أوْلِيَائِي؛ وَنُورُ مَنْ أطَاعَنِي؛ وَهُوَ الكَلِمَةُ التي ألْزَمْتُهَا المُتَّقِينَ؛ مَنْ أحَبَّهُ أحَبَّنِي؛ وَمَنْ أبْغَضَهُ أبْغَضَنِي؛ فَبَشِّرْهُ بِذَلِكَ! فَجَاءَ عَلِيّ فَبَشَّرْتُهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أنَا عَبْدُ اللهِ؛ وَفي قَبْضَتِهِ فَإنْ يُعَذِّبُنِي فَبِذَنْبِي؛ وَإنْ يُتَمَّ لي الذي بَشَّرْتَنِي بِهِ؛ فَاللهُ أوْلَى بِي! قَالَ: قُلْتُ: اللهُمَّ اجْلُ قَلْبَهُ! وَاجْعَلْ رَبِيعَهُ الإيمَانَ! فَقَالَ اللهُ: قَدْ فَعَلْتُ بِهِ ذَلِكَ! ثُمَّ إنَّهُ رَفَعَ إلَيّ أنهُ سَيَخُصُّهُ مِنَ البَلَاءِ بِشَيءٍ لَمْ يَخُصَّ بِهِ أحَداً مِنْ أصْحَابِي. فَقُلْتُ: يَا رَبِّ أخِي وَصَاحِبِي! فَقَالَ: إنَّ هَذَا شَيْءٌ قَدْ سَبَقَ؛ إنَّهُ مُبْتَلَىً وَمُبْتَلَىً بِهِ".[1]
[1] «حلية الأولياء» ج 1، ص 66 و 67؛ طبعة مطبعة السعادة- مصر؛ و «ينابيع المودّة» باب 45، من طبعة إسلامبول سنة 1301 هـ ص 134؛ و «فرائد السمطين» باب 30، ج 1، ص 151.