

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
نتيجة البحث حول الثائرين بالسيف من بني فاطمة عليها السلام
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج15، ص228-241
2026-05-10
63
يتبلور البحث حول الخارجين بالسيف من العلويّين في خمسة أقسام: الأوّل: سجناء بني الحسن الذين سجنهم المنصور، كعبد الله المحض، وإبراهيم الغمر، والحسن المثلّث، وغيرهم.
الثاني: محمّد وإبراهيم ابنا عبد الله بن الحسن بن الحسن.
الثالث: الحسين بن عليّ بن الحسن المثلّث: شهيد واقعة فَخّ.
الرابع: زيد بن موسى بن جعفر، أخو الإمام الرضا عليه السلام.
الخامس: زيد بن عليّ بن الحسين الشهيد المصلوب في الكوفة.
أمّا أولاد الحسن المثنّى: عبد الله، وإبراهيم، والحسن المثلّث، وأولاد الحسن وسائر المحبوسين في سجن الدوانيقيّ، فلم تصلنا الأخبار في ذمّهم، بل وصلتنا أخبار تمدحهم وتثني عليهم. وتسرد لنا شكوى الإمام الصادق عليه السلام من أنصار المدينة إذ بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله على أن ينصروا ولده، ويذبّوا بني الحسن. وهذا كلّه، مع بكاء الإمام عليه السلام وعزائه عليهم، يدلّ على ظُلامتهم.[1]
إن اولئك لم يخرجوا بالسيف، ولم يفعلوا شيئاً بغير إذن الإمام. ولقد سجنهم المنصور لأنّهم لم يدلّوا على محمّد وإبراهيم، ثمّ قتلهم في آخر المطاف.
ومن الطبيعيّ أنّهم - جملةً - لم يطيعوا الإمام الصادق عليه السلام ولم ينقادوا إليه، ولم يروه إماماً مفترض الطاعة، بَيدَ أنّ سجنهم كان من وحي الظلامة، والدفاع عن المظلوم، والتغلّب على الظالم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. إنّهم كانوا كفوئين متعبّدين متهجّدين قارئين للقرآن حافظين له مستقيمين صامدين، وكانوا يرون أنفسهم أولى دراية وفهم وإدراك بصورة مستقلّة، ويعتقدون أنّ لهم شأناً ومكانةً ومنزلةً. وفي الوقت نفسه كانوا يقرّون للإمام الصادق عليه السلام بالفضل والعلم والبصيرة.[2]
وأمّا محمّد الملقّب بالنفس الزكيّة، فالأخبار تنصّ على مخالفته للإمام الصادق عليه السلام كما يُستشفّ ذلك من طلبه البيعة، وسجنه الإمام بإشارة من عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين، وقتل إسماعيل بن عبد الله ابن جعفر بسبب عدم البيعة، وكلام الإمام الصادق عليه السلام فيه: إنَّهُ الأحْوَلُ الأكْشَفُ الأخْضَرُ المَقْتُولُ بِسُدَّةِ أشْجَعَ عِنْدَ بَطْنِ مَسِيلِهَا.
وكلامه الآخر أيضاً: فَوَ اللهِ إنِّي لأرَاهُ أشأَمَ سَلْحَةٍ أخْرَجَتْهَا أصْلَابُ الرِّجَالِ إلَى أرْحَامِ النِّسَاءِ.
وخروجه العقيم الذي سبّب إراقة دماء المسلمين على أساس توهّم المهدويّة فيه. كلّ ذلك يدلّ على مثلبته.
وأمّا أخوه إبراهيم، فقد خرج أيضاً ثأراً لأخيه وصدّاً للظلم. ولم يرد قَدْحٌ فيه. ومن الواضح أنّه لم يستطع أن يدّعي المهدويّة بعد قتل أخيه محمّد.
وأمّا ما قاله السيّد ابن طاووس: إنّ خروجهم كان بعلم الإمام، وإنّهم لم ينسبوه إليه تقيّةً، فلا ينسجم مع الأخبار الكثيرة والشواهد التأريخيّة التي لا تُحصى. ولا يمكن قبوله أبداً. ويمكن أن نعدّ جرأة ذينك الأخوَين على الخروج ضدّ العبّاسيّين ناتجة من دعوة أبيهما عبد الله. ذلك أنّه كان مصرّاً على رأيه في هذا المجال.
وأمّا ما جاء في الحديث: لَمْ يَسْبِقْهُمُ الأوَّلُونَ ولَمْ يُدْرِكْهُمُ الآخِرُونَ، فهو يرتبط بالمقتولين في شطّ الفرات وسجن المنصور. أي: السجناء من بني الحسن، لا محمّد وإبراهيم، لأنّ هذين لم يُسْجَنَا، بل خرجا بالسيف وقُتِلا.[3]
وأمّا الحسين بن عليّ بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب: شهيد فخّ، فالأخبار الواردة تمدحه وتثنى عليه. وهو لم يخرج من أجل أن يترأس أو يتحكّم، بل خرج من أجل أن يصدّ الظلم، إذ إنّ العُمَريّ (من أحفاد عمر بن الخطّاب) قد ضيّق الخناق على العلويّين في المدينة، حتى قال: إذا لم تأتوا بالعلويّ الفلانيّ الذي غاب ولم يعرّف نفسه كلّ يوم فسأقتلكم!
وحينئذٍ لم يجد العلويّون بُدّاً من الخروج بعد ما ضُيِّق عليهم. فتحرّكوا قاصدين مكّة، ولم يكن لهم شغل بأحد، فباغتهم جيش موسى الهاديّ (حفيد المنصور الدوانيقيّ) وأفناهم عن آخرهم. وحدثت هذه الواقعة في أرض فخّ بين التنعيم ومكّة، أي: على فرسخ من مكّة سنة 169 هـ.
أمّا زيد بن موسى بن جعفر عليهما السلام، فحسبنا ما ذكره الشيخ عبد الله المامقانيّ في «تنقيح المقال». قال: زيد بن موسى الكاظم عليه السلام: لم أقف فيه إلّا على رواية الكلينيّ رحمه الله في باب ما يفصل به بين الحقّ والباطل من باب الإمامة من «الكافي» عن موسى بن محمّد بن إسماعيل بن عبد الله بن عبيد الله بن العبّاس بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: حدّثني جعفر بن زيد بن موسى عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام.
وزيد هذا هو المعروف بزيد النار، خرج بالمدينة، فأحرق وقتل، ثمّ مضى إلى البصرة سنة 196. وقال أبو الفرج: لمّا مات محمّد بن إبراهيم ابن إسماعيل طباطبا بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن مع أبي السرايا بالكوفة. وكان محمّد هذا إمام الزيديّة وصاحب الدعوة. ولى الناس بعده محمّد بن زيد بن عليّ عليه السلام، وبايعه الزيديّة وفرّق في الآفاق عمّاله. فولي زيد بن موسى بن جعفر عليهما السلام الأهواز، فمرّ بالبصرة وعليها عليّ بن جعفر بن محمّد، فأحرق دور العبّاسيّين فلقّب بذلك وسمّي زيد النار - انتهى.
ويظهر من بعض أهل السير ما ينافي ذلك، حيث قال: لمّا ظهر أمر أبي السرايا بالكوفة، قدم عليه فولّاه عليها. فلمّا كان من أمر أبي السرايا ما كان وتفرّق أصحابه، استتر زيد هذا فطلبه الحسن بن سهل، فدلّ عليه، فحبسه. فلم يزل في الحبس ببغداد حتى ظهر إبراهيم المهديّ المعروف بـ ابن شَكْلَة فجسّر أهل بغداد بالحسن فأخرجوا زيداً من حبسه. فمضى إلى المدينة فأحرق وقتل، ودعا لبيعة محمّد بن جعفر بن محمّد. فبعث إليه المأمون، فأسر وحمل إليه. فقال له: يا زيد! خرجتَ بالبصرة وتركت أن تبدأ بدور أعدائنا من اميّة وثقيف وغني وباهلة وآل زياد، وقصدتَ دور بني عمّك؟!
فقال - وكان مزّاحاً-: أخطأت يا أمير المؤمنين من كلّ جهة، وإن عدتُ للخروج بدأتُ بأعدائنا! فضحك المأمون وبعثه إلى أخيه الرضا عليه السلام وقال: قد وهبتُ لك جرمه، فأحسن أدبه! فلمّا جاءوا به، عنّفه، وخلّى سبيله، وحلف أن لا يكلّمه أبداً ما عاش.
وقد أورد الصدوق رحمه الله في «العيون» أخباراً كثيرةً تدلّ على ذمّه وسوء حاله. لكنّ المفيد رحمه الله في «الإرشاد» لم يستثنه من قوله فيه: لكلّ واحد من ولد أبي الحسن عليه السلام فضل ومنقبة مشهورة، وكان الرضا عليه السلام المقدّم عليهم في الفضل.
وعاش زيد هذا إلى آخر حكومة المتوكّل، وكان ينادم المنتصر، وكان في لسانه فضل. قال الصدوق رحمه الله في «العيون»: وكان زيد بن موسى هذا زيديّاً. وكان ينزل بغداد على نهر كَرْخَايَا.[4] وهو الذي خرج بالكوفة أيّام أبي السرايا فولّوه عليها.
قال المامقانيّ: أشار بقوله: في لسانه فضل إلى كونه مزّاحاً بلسانه. ومراده من كونه زيديّاً أنّه يذهب مذهب الزيديّة في الخروج، لا أنّه يعتقد إمامة الخارج كما هو مذهبهم. ولكن كفى بخروجه وقتله وحرقه مسقطاً له، فضلًا عن منادمته للخلفاء وحضوره معهم في مجالسهم المشهورة، فلا اعتماد على خبره.
نعم، قد امرنا بعدم التعرّض لذرّيّتهم وعدم الانتقاص لأحدٍ منهم. وورد عنهم عليهم السلام أنّهم قالوا: إنَّا أهْلُ بَيْتٍ لَا يَخْرُجُ أحَدُنَا مِنَ الدُّنْيَا حتى يُقِرَّ لِكُلِّ ذِي فَضْلٍ بِفَضْلِهِ.[5]
وأمّا زيد بن عليّ الشهيد،[6] فالأخبار الواردة في مدحه والثناء عليه فاقت حدّ الاستفاضة. بل يمكن القول: هي في درجة التواتر. وكان زيد ذا شخصيّة عظيمة، وهو أفضل أولاد الإمام زين العابدين عليه السلام بعد الإمام الباقر عليه السلام. وكان يعتقد بعظمة ومنزلة أخيه وابن أخيه (الصادقين عليهما السلام) بَيْدَ أنّ نفسه ليست كنفس المعصوم في تحمّل الظلم والجور. فقد نفد صبره ولجأ إلى السيف وثار على حكومة هشام بن عبد الملك الذي شتمه وأساء إليه علناً في مجلسه. وكان خروجه من منطلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وإذا كان الإمام الصادق عليه السلام قد منعه من الخروج، فلم يمنعه لأنّ الحكومة الجائرة لا تستحقّ أن يُطاح بها، بل منعه لشعوره بخسارة فقده ولم يُرِد أن يُقْتَلَ سدى وهو رجل ذو فضل ووقار. وكان يرى أنّ استشهاده لا يثمر كما أثمر استشهاد سيّد الشهداء عليه السلام. وكان الإمام الصادق عليه السلام طالما يوازن بين خروج زيد، وبين النتيجة الحاصلة منه. ويلحظ أنّ كفّة وجوده وحياته الغالية أرجح وأكثر قيمةً. فلهذا كان يأسى ويأسف على قتله، كما كان حزيناً متوجّعاً على صلبه.
كان زيد من أولى الفضل والتقوى والعلم، ومن علماء آل محمّد. وفي الولاية والعصمة كان تالى تلو المعصوم. ومَثَلُه مَثَلُ إسماعيل بن جعفر عليهما السلام، ومحمّد بن عليّ الهاديّ عليهما السلام في استحقاقهم الإمامة لو لا ما حصل من البداء. وكان ذا قابليّة ولائيّة وسعة وجوديّة، بَيدَ أنّه لم يحز درجة العصمة والولاية المطلقة. ورأيه الخروج بالسيف لمقارعة الظلم. وليس في هذا الرأي مثلبة لزيد، بل إنّ نسبة رأيه إلى رأى الإمام الصادق عليه السلام كنسبة التامّ إلى الأتمّ، والكامل إلى الأكمل.
إن أئمّتنا سلام الله عليهم أجمعين مع ولايتهم وعصمتهم، وتوحيدهم وطهارتهم كانت أساليبهم في العمل متباينة تبعاً للظروف المكانيّة والزمانيّة والطبعيّة والطبيعيّة. والقاسم المشترك بينهم جميعاً هو الوصول إلى الولاية والتوحيد والفناء المحض في الذات الأحديّة والتحقّق بحاقّ الحقيقة. وإذا كان زيد لم يبلغ هذه الدرجة من الولاية، فإنّه طوى مراحل عظيمة من العبوديّة، وكان جامعاً لكمالات جمّة من عوالم التجرّد. ولم يَحْتج إلّا إلى كشف حجاب واحد يجعله في درجة المعصوم.
وحينئذٍ لم يكن شيعيّا عاديّاً، بل كان في السنام الأعلى من العرفان والتوحيد وكان منغمراً في مقام العبوديّة. ولا يتسنّى لنا أبداً أن نقيس به كثيراً من الشيعة الذين يدلّ ظاهرهم على تسليمهم وطاعتهم المحضة لإمامهم، وليس لمقاماتهم العرفانيّة وكمالاتهم الولائيّة والتوحيديّة أهمّيّة تُذكر.[7]
إن نهي الإمام الصادق عليه السلام زيداً عن الخروج لم يكن نهياً إلزاميّاً، بل كان نهياً إعفائيّاً وتنزيهيّاً، بل نهياً إرشاديّاً لا تُبعد مخالفتُه زيداً عن مقامه، بل - مع وجود غيرة زيد وعزّته وإبائه - تهبه درجة ومقاماً ومنزلةً، وتُدخله في رَوْحٍ وريحان ومقعد صدق، لكنّها لا تجعله في درجة المعصوم، وتوقفه عند درجة أوطأ في مجال دقائق مراحل السلوك العرفانيّ ومنازل التجرّد ولطائفها وظرائفها.
هذه حقيقة ما عرفناه عن زيد الشهيد سلام الله عليه. ومن هنا يتبيّن لنا خطأ التوجيه الذي ذهب إليه الكثيرون من أنّ خروجه كان بأمر الإمام الصادق عليه السلام، وأنّ ما ورد من النهي والأخبار كان تقيّةً لئلّا يُنسب إليه عليه السلام. كتوجيه المامقانيّ واستنتاجه إذ ذهب إلى أنّ خروجه كان باذن الإمام عليه السلام. وقال بعد بحث مفصّل حول ترجمة زيد وسيرته: وَمُلَخَّصُ المَقَال: إنّي أعتبر زيداً ثقةً وأخباره صحاحاً اصطلاحاً بعد كون خروجه بإذن الصادق عليه السلام لمقصد عقلائيّ عظيم، وهو مطالبة حقّ الإمامة إتماماً للحجّة على الناس، وقطعاً لعذرهم بعدم مطالبٍ له.[8]
أجل، زيد صحيح الرواية ومعتبر القول، لكن ليس بسبب الدليل الذي أورده، بل بسبب ما ذكرناه من معلومات عنه، إذ بلغ مقاماً شامخاً ودرجةً رفيعةً حتى كاد أن يكون معصوماً. فالحديث حول صدق كلامه ووثوقه يعدّ خروجاً عن حدّ راوٍ ومحدِّثٍ ورجاليّ.
هنا إذ دار الكلام حول مقام زيد ودرجته ومقايسة ذلك بمقام الإمام المعصوم ودرجته، فمن المناسب أن نورد بحثاً مجملًا حول خصوصيّة صفات المعصوم وأعماله لكي تُرفع بعض الشبهات بحول الله تعالى وقوّته.
[1] قال السيّد نعمة الله الجزائريّ في شرح الصحيفة السجّاديّة: «نور الأنوار» ص 17، الطبعة الحجريّة: أرسل إليهم الدوانيقيّ فقيّدوهم وحملوهم في محامل لا وطاء لها وأوقفوهم بالمصلّى لكي يشتمهم الناس. فكفّ الناس عنهم ورقّوا لحالهم. ثمّ لمّا اتي بهم إلى باب المسجد الباب الذي يقال له باب جبرئيل أطلع عليهم أبو عبد الله عليه السلام وعامّة ردائه مطروحة بالأرض، ثمّ أطلع من باب المسجد فقال: لعنكم الله يا معاشر الأنصار - ثلاثاً - ما على هذا عاهدتم رسول الله صلى الله عليه وآله ولا بايعتموه. أما والله إن كنتُ حريصاً ولكنّني غُلِبْتُ وليس للقضاء مدفع. ثمّ إنّه دخل بيته فحُمَّ عشرين ليلةً لم يزل يبكي فيها الليل والنهار حتى خيف عليه. ولو لم يكن إلّا بكاؤه عليه السلام لكان كافياً في عدم جواز تناول أعراضهم باللعن والسبّ.
[2] نقرأ في شرح الصحيفة السجّاديّة المسمّى «نور الأنوار» ص 7 و8، الطبعة الحجريّة، حديثاً لافتاً للنظر أدلى به المحدِّث السيّد نعمة الله الجزائريّ رحمه الله حول محمّد وإبراهيم. قال: محمّد وإبراهيم. روى الكلينيّ حديثاً طويلًا. وفيه أنّ الصادق عليه السلام منعهما من الخروج أشدّ المنع. ومنه استدلّ بعض المعاصرين على أنّهما ملعونان مطرودان من رحمة الله سبحانه. وحمل التشبيه المذكور فيما سيأتي من قوله: إنِّي لأعْلَمُ أنَّكُمَا سَتَخْرُجَانِ كَمَا خَرَجَ، على مطلق الخروج والقتل، لا في الحقيقة. فإنّ زيداً محقّ قطعاً. وهو غير جيّد، لأنّه إن أراد الحقيقة في الواقع، فهما وزيد سواء لورود النهي بالنسبة إليهم جميعاً. وإن أرادها بالنسبة إلى الاعتقاد، فكذلك أيضاً، فإنّه لم يخرج أحد من هؤلاء إلّا لطلب ثأر الحسين عليه السلام، أو لرفع تسلّط الظلمة عن بني هاشم، أو ليكون خليفة وحاكماً. ولا ريب أنّهم أحقّ من بني اميّة بها نظراً إلى الواقع والاعتقاد، وإن كان أصلها لغيرهم وهم المعصومون منهم عليهم السلام. نعم يفرّق بينهما وبين زيد بإيذائهما للإمام عليه السلام وعدم إيذاء زيد له. وقد عرفتَ الجواب عنه! وقال في ص 5: وأمّا غير زيد من أصحاب الخروج كيحيى ومحمّد وإبراهيم فقد استشكل أصحابنا حالهم لما صدر منهم من الإضرار بالإمام عليه السلام. والحقّ أنّ بكاءه عليهم بعد قتلهم وتأسّفه عليهم عند أسرهم ممّا يرفعان الإشكال عن حالهم. وأيّ فرد من أفراد الشيعة لم يصدر منه الإضرار بالإمام ولو لم يكن إلّا بارتكابنا للمعاصي فإنّه من أشدّ الضرر على طباعهم المباركة، لكن شفقتهم علينا توجب الصفح عن مثله. كيف لا وقد روى أنّ الله تعالى غضب على الشيعة بإفشائهم أسرار الأئمّة وأراد أن يستأصلهم بالعذاب، فأخبر موسى الكاظم عليه السلام بأنّي مستأصل شيعتك هذه السنة. فقال عليه السلام: يا ربّ! احبّ أن أفدي شيعتي بنفسي ويبقون هم على الأرض. فاذا كان هذا حالهم مع الأجانب، فكيف مع أولادهم وأقاربهم؟! مع أنّ خروجهم إنّما كان بعد أن هُتكت حرمتهم ونُهبت أموالهم وسُبيت ذراريهم ولقّبوهم بالخوارج، وقالوا لهم: لو كان جدّكم على الحقّ، لما فعل بكم ما ترون! ومثل هذا يوجب أعمال الغيرة من أراذل الناس، فكيف من بني هاشم؟ مع أنّه روى عن الرضا عليه السلام صريحاً النهي عن تناول عِرض العبّاس بن موسى الكاظم عليه السلام، مع أنّه صدر منه بالنسبة إلى أخيه الرضا عليه السلام، وإلى امّ أحمد زوجة أبيه من الأذيّة والاستخفاف ما لم يصدر من غيره. فتكلّم بعض علمائنا في أعراضهم جرأة على ذرّيّة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.
[3] قال في «رياض السالكين» ص 15 و16، طبعة سنة 1334، وفي طبعة جماعة المدرّسين: ج 1، ص 116 إلى 119: محمّد وإبراهيم ابنا عبد الله المذكوران هما الخارجان على أبي جعفر المنصور. قال الشهرستانيّ في كتاب «الملل والنحل»: كان يحيى بن زيد قد فوّض الأمر إليهما فخرجا بالمدينة، ومضى إبراهيم إلى البصرة واجتمع الناس عليهما فقُتِلا - (انتهى). أمّا محمّد فيلقّب بالنفس الزكيّة، ويُكنّى أبا عبد الله، وقيل: أبا القاسم. وكان تمتاماً، أحول، بين كتفيه خال أسود كالبيضة. ولُقِّب بالمهديّ للحديث المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وآله: إنَّ المهديّ من ولدي، اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي. حُكي أنّ المنصور أخذ بركابه ذات يوم فقيل له: من هذا الذي تفعل به هذا؟! فقال للسائل: ويحك! هذا مهديّنا أهل البيت! هذا محمّد بن عبد الله! وتطلّعت إليه نفوس بني هاشم وعظّموه. وكان المنصور قد بايع له ولأخيه إبراهيم في جماعة من بني هاشم. فلمّا بويع لبني العبّاس واستبدّوا بالأمر، اختفى محمّد وإبراهيم مدّة خلافة السفّاح. فلمّا مَلَكَ المنصور، علم أنّهما على عزم الخروج. فجدّ في طلبهما وقبض على أبيهما وجماعة من أهلهما. فيُحكى أنّهما أتيا أباهما وهو في الحبس في زيّ بدويّين، فقالا له: يُقْتَلُ رجلان من آل محمّد خيرٌ مِن أن يُقْتَلُ ثمانية. فقال لهما: إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين فلا يمنعكما أن تموتا كريمين! روى ثقة الإسلام في كتاب «الروضة» عن معلّى بن خنيس قال: كنتُ عند أبي عبد الله عليه السلام، إذ أقبل محمّد بن عبد الله، فرقّ له أبو عبد الله عليه السلام ودمعت عيناه، فقلتُ له: لقد رأيتك صنعتَ به ما لم تكن تصنع! فقال: رققتُ له، لأنّه ينسب لأمرٍ ليس له، لم أجده في كتاب عليّ عليه السلام من خلفاء هذه الامّة ولا من ملوكها - (انتهى). وكان أقبح ما صنعه محمّد لمّا ظهر بالمدينة أن دعا الصادق عليه السلام إلى بيعته، فأبى عليه إباءً شديداً، فأمر بحبسه واصطفى ما له وما كان له ولقومه ممّن لم يخرج معه، فلم يمهله الله حتى قُتِل صاغراً. وروى من جملة حديث عن الباقر عليه السلام أنّه قال في صفته: الأحوَلُ مشؤومُ قومِهِ مِن آلِ الحَسَنِ يَدْعُو إلى نَفْسِهِ قد تسمّى بغير اسمه. ولمّا عزم على الخروج واعد أخاه إبراهيم على الخروج في يوم واحد. فذهب إبراهيم إلى البصرة، واتّفق أنّه مرض فخرج محمّد بالمدينة. فلمّا أيل (برئ) إبراهيم من مرضه، أتاه خبر أخيه أنّه قُتل. وكان المنصور قد أرسل لقتال محمّد، عيسى بن موسى بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس في جيش كثيف. فحاربهم محمّد خارج المدينة وتفرّق أصحابه عنه حتى بقى وحده. فلمّا أحسّ الخذلان، دخل داره وأمر بالتنّور فسجّر، ثمّ عمد إلى الدفتر الذي أثبت فيه أسماء من بايعه فألقاه في التنّور فاحترق. ثمّ خرج فقاتل حتى قُتل بأحجار الزيت. وكان ذلك على ما يزعمون مصداق تلقيبه بالنفس الزكيّة، لما روى عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال: يُقْتَلُ بأحجار الزيت مِن وُلدي نفسٌ زكيّة. وكان قتله سنة 145 في شهر رمضان. وقيل: في الخامس والعشرين من رجب، وهو ابن خمس وأربعين سنة، وهذا أشهر، لأنّه ولد سنة مائة بلا خلاف. وأمّا إبراهيم، فيُكنّى أبا الحسن. كان شديد الأيد والقوّة، وكان متفنّناً في كثير من العلوم. قيل: كان يرى مذهب الاعتزال. وكان ظهوره بالبصرة ليلة الاثنين غرّة شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة. وبايعه وجوه الناس، وتلقّب بأمير المؤمنين، وعظم شأنه وأحبّ الناس ولايته وارتضوا سيرته. وكان أبو حنيفة قد أفتى الناس بالخروج معه، وكتب إليه: أمّا بعد! فإنّي جهّزت إليك أربعة آلاف درهم ولم يكن عندي غيرها. ولو لا أمانات للناس عندي، لَلَحقت بك! فاذا لقيتَ القوم وظفرتَ بهم فافعل كما فعل أبوك في أهل صفّين! اقتُل مدبرهم! وأجهز على جريحهم! ولا تفعل كما فعل في أهل الجمل، فإنّ القوم لهم فئة (جماعة متظاهرة يرجع بعضها إلى بعض في التعاضد والتعاون). ويقال: إنّ هذا الكتاب وقع إلى المنصور، فكان سبب تغيّره على أبي حنيفة. ولمّا بلغ المنصور خروج إبراهيم، ندب عيسى بن موسى من المدينة إلى قتاله. وسار إبراهيم من البصرة حتى التقيا بباخمرى، قرية قريبة من الكوفة، فنشبت الحرب بينهم، وانهزم عسكر عيسى بن موسى. فنادى إبراهيم: لا يتبعنَّ أحد منهزماً. فعاد أصحابه، فظنّ أصحاب عيسى أنّهم انهزموا، فكرّوا عليهم فقتلوه وقتلوا أصحابه إلّا قليلًا. ولمّا وصل للمنصور خبر انهزام عسكره، قلق قلقاً عظيماً. ثمّ جاءه بعد ذلك خبر الظفر وجيء برأس إبراهيم فوُضع في طست بين يديه. فلمّا نظر إليه قال: وددت أنّه فاء إلى طاعتي. وكان قتله لخمس بقين من ذي القعدة، وقيل: في ذي الحجّة سنة خمس وأربعين ومائة، وهو ابن ثمان وأربعين سنة، والله أعلم.
[4] قال المامقانيّ في الهامش: قال في «القاموس»: كرخايا شرب يفيض الماء إليه من عمود نهر عيسى.
[5] «تنقيح المقال» ج 1، ص 471.
[6] نقل السيّد على خان المدنيّ في «رياض السالكين» ص 8 و9، الطبعة الحجريّة الرحليّة، سنة 1334، وفي الطبعة الحديثة لجماعة المدرّسين: ج 1، ص 73 إلى 75، كلام الشيخ المفيد حول زيد بن عليّ عليهما السلام، ثمّ قال: وقال أهل التأريخ: كان السبب في خروجه وخلعه طاعة بني مروان أنّه وفد على هشام بن عبد الملك شاكياً من خالد بن عبد الملك بن الحرث بن الحكم، أمير المدينة فجعل هشام لا يأذن له. وزيد يرفع إليه القصص. وكلّما رفع إليه قصّة، كتب هشام في أسفلها! ارْجِعْ إلى أرضك! فيقول زيد: والله لا أرجع إلى ابن الحرث أبداً. ثمّ أذِن له بعد حبس طويل. فلمّا قعد بين يديه، قال له هشام: بلغني أنّك تذكر الخلافة وتتمنّاها! ولستَ هناك لأنّك ابن أمة، فقال زيد: إنّ لك جواباً! قال: تكلّم. قال: إنّه ليس أحد أولى بالله من نبيّ بعثه، وهو إسماعيل بن إبراهيم، وهو ابن أمة قد اختاره الله لنبوّته، وأخرج منه خَيْرَ البَشَرِ، فقال هشام: فما يصنع أخوك البقرة؟ فغضب زيد حتى كاد يخرج من إهابه. ثمّ قال: سمّاه رسول الله الباقر وتسمّيه أنت البقرة! لشدّ ما اختلفتما! ولتخالفنّه في الآخرة كما خالفته في الدنيا فيرد الجنّة وترد النار. فقال هشام: خذوا بِيَدِ هذا الأحمق المائق (شديد الغيظ والغضب) فأخرجوه! فأخرج زيد واشخص إلى المدينة ومعه نفر يسير حتى طردوه عن حدود الشام. فلمّا فارقوه عدل إلى العراق ودخل الكوفة. فبايعه أكثر أهلها، والعامل عليها وعلى العراق يوسف بن عمر الثقفيّ فكان بينهما من الحرب ما هو مذكور في كتب التواريخ. وخذل أهل الكوفة زيداً وثبت معه ممّن بايعه نفر يسير، وأبلى بنفسه بلاءً حسناً وجاهد جهاداً عظيماً حتى أتاه سهم غرب فأصاب جانب جبهته اليُسرى فثبت في دماغه، فحين نزع عنه مات. وكان مقتله يوم الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة إحدى وعشرين ومائة، وله اثنان وأربعون سنة، ثمّ صُلب جسده الشريف بكناسة الكوفة أربعة أعوام، فسدّت العنكبوت على عورته. وبُعث برأسه إلى المدينة ونُصب عند قبر النبيّ صلى الله عليه وآله يوماً وليلة. وعن جرير بن أبي حازم قال: رأيت النبيّ صلى الله عليه وآله في المنام كان مستنداً إلى خشبة زيد بن عليّ وهو يقول: هكذا تفعلون بولدي؟! ولمّا هلك هشام، وولّى بعده الوليد بن يزيد، كتب إلى يوسف بن عمر: أمّا بعد، فاذا أتاك كتابي فاعمد إلى عجل أهل العراق فَحرِّقه ثُمَّ انْسِفْهُ في اليَمِّ نَسْفاً! فأنزله وحرّقه ثمّ ذرّاه في الهواء. ولمّا قال الحكم بن عبّاس الكلبيّ:صَلَبْنا لَكُمْ زَيْداً عَلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ***وَ لَمْ أرَ مَهْدِيَّاً على الجِذْعِ يُصْلَبُفبلغ قوله الصادق عليه السلام، رفع يديه إلى السماء وهما ترعشان فقال: اللهُمّ إن كان عبدُكَ كاذِباً فَسَلِّطْ عليه كَلْبَكَ! فبعثه بنو اميّة إلى الكوفة فافترسه الأسد واتّصل خبره بالصادق عليه السلام فخرّ ساجداً وقال: الحمدُ للّهِ الذي أنجز لنا ما وَعدنَا. *** *** - «بحار الأنوار» ج 46، ص 192.
[7] قال أحمد أمين المصريّ في «فجر الإسلام» ص 272: فالزيديّة أتباع زيد بن حسن* بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب. ومذهبهم أعدل مذاهب الشيعة وأقربها إلى السنّة. ولعلّ هذا راجع إلى أنّ زيداً إمام الزيديّة تتلمذ لواصل بن عطاء رأس المعتزلة وأخذ عنه كثيراً من تعاليمه. فزيد يرى جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل. فقال: كان عليّ بن أبي طالب أفضل من أبي بكر، وعمر، ولكن مع هذا إمامة أبي بكر وعمر صحيحة. وقال أيضاً في كتاب «ظهر الإسلام» ج 4، ص 109: ومن أشدّ الخصومات ما كان بين المعتزلة والروافض لما روى من أنّ جماعة كثيرة جاءت زيد بن عليّ لتبايعه، وألحّوا عليه في قبول البيعة ومحاربة بني مروان. فلمّا أراد زيد أن يجاهر بالأمر، جاء إليه بعض رؤسائهم وقالوا له: ما قولك في أبي بكر وعمر؟! قال زيد: رحمهما الله وغفر لهما. ما سمعتُ أحداً من أهل بيتي يتبرّأ منهما ولا يقول فيهما إلّا خيراً، وأشدّ ما أقول: إنَّا كُنَّا أحَقَّ بِسُلْطَانِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ [وَ آلِهِ] وسَلَّمَ مِنَ النَّاسِ أجْمَعِينَ، وإنَّ القَوْمَ اسْتَأثَرُوا عَلَيْنَا ودَفَعُونَا عَنْهُ. ولَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ عِنْدَنَا بِهِمْ كُفْراً. قَدْ وَلَّوْا فَعَدَلُوا في النَّاسِ وعَمِلُوا بِالكِتَابِ والسُّنَّةِ. فلم تعجبهم هذه الأجوبة. فنكثوا عن البيعة له ورفضوه. فقال زيد: رَفَضْتُمُونِي في أشَدِّ سَاعَاتِ الحَاجَةِ! فسُمّوا بالروافض عند ذلك. وقد يُسَمَّون بالرافضة أيضاً وهو اسم مكروه. وهناك طوائف غير الرافضة بعضهم أكثر غلوّاً، وبعضهم أكثر اعتدالًا، ومن أعدلهم الزيديّة. كذلك من أعدلهم من جَمَعَ بين الشيعة والاعتزال - انتهى كلام أحمد أمين. وأقول: إنّ ما نُسب إلى زيد - تبعاً لبعض المؤرّخين - ترحّمه على الشيخين، وعدم براءته منهما، وجواز إمامتهما مع وجود من هو أفضل منهما خلاف صريح لمذهب الشيعة وأهل البيت، وزيد خرّيج مدرسة أهل البيت عليهم السلام فلا يمكن أن يخالفهم أبداً. ومن المحتمل أنّ كلامه في تلك المعركة كان من منطلق التقيّة. وإذا قال البعض: لا تقيّة عند الخروج بالسيف، فجوابه: كان خروجه على بني مروان، لا على الشيخين. ولعلّ كثيراً من جنده كانوا يتولّونهما. فإنكاره لهما وبراءته منهما في تلك الظروف الحسّاسة يغايران العقل والاحتياط. وكان زيد بن عليّ أحد الاثنين اللذين رويا «الصحيفة السجّاديّة». وفي ضوء كلام ابنه يحيى، كان يقرأ «الصحيفة»، وكان من الملتزمين بقراءة أدعيتها. ونقرأ في الدعاء الثامن والأربعين الخاصّ بعيد الأضحى ويوم الجمعة أنّ الإمام عليه السلام يدخل ميدان الجدال في مقام الردّ على الخلفاء الاوَل وغصبهم الخلافة فيقول: اللَهُمَّ إنَّ هَذَا المَقَامِ لِخُلَفَائِكَ وأصْفِيَائِكَ ومَوَاضِعِ امَنَائِكَ في الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ التي اخْتَصَصْتَهُمْ بِهَا قَدِ ابْتَزُّوهَا، وأنْتَ المُقَدِّرُ لِذَلِكَ، لَا يُغَالَبُ أمْرُكَ ولَا يُجَاوَزُ المَحْتُومُ مِنْ تَدْبِيرِكَ كَيْفَ شِئْتَ وأنَّي شِئْتَ، ولِمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ غَيْرُ مُتَّهَمٍ عَلَى خَلْقِكَ ولَا لإرَادَتِكَ حتى عَادَ صَفْوتُكَ وخُلَفَاؤُكَ مغْلُوبِينَ مَقْهُورِينَ مُبْتَزِّينَ، يَرَوْنَ حُكْمَكَ مُبَدَّلًا، وكِتَابَكَ مَنْبُوذاً، وفَرَائِضَكَ مُحَرَّفَةً عَنْ جِهَاتِ أشْرَاعِكَ، وسُنَنَ نَبِيِّكَ مَتْرُوكَةً.
* - (حسن) زائدة. وزيد هو نجل الإمام زين العابدين عليه السلام بلا فصل.
[8] «تنقيح المقال» ج 1، ص 467 إلى 471. ذكر ترجمة زيد بن عليّ عليه السلام مفصّلًا، ونقلنا عنه استنتاجه، وملخّص مقاله هو في آخر ص 469.
الاكثر قراءة في مقالات عقائدية عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)