هل تعلم كم احرق من مكتبات الشيعة على مرّ التأريخ؟ هل تعلم أنّ آلاف الكتب النفيسة المؤلَّفة من قبل العلماء الباحثين صارت طعمةً للنار؟!
ما ذا يعني هذا غير العناد ومعاداة العلم والحقيقة؟! هلمّوا طالعوا هذه الكتب، فاذا عثرتم على شيء غير صحيح فيها برأيكم، فردّوه ردّاً مطعّماً بالدليل والبرهان، وانشروه في كتبكم ومكتباتكم! عَلامَ تدمّرون الكتب البريئة أو تدفنونها أو تحرقونها أو تلقونها في البحر؟!
إن السنّة المتعصّبين الذين لا طاقة لهم على البحث العلميّ ولا قدرة لديهم على تحمّل الحقّ يقتلون ويَصلبون ويحرِقون. وقد قُتل من الشيعة على مرّ التأريخ ما لا يُحصى، لا لذنبٍ إلّا التشيّع والولاء لأمير المؤمنين عليه السلام الفذّ الفريد الذي كان يتحرّى الحقّ وحده، وقد عرج وسما حتى رأى السماء تحته! ودُمّر واحرق من كتب الشيعة ما يدعونا أن نقول: إنّ كتبهم الموجودة الآن، لا شيء بالنسبة إلى كتبهم الضائعة.
قيل: احرقت مكتبة الريّ التي كانت تضمّ أربعمائة ألف كتاب بسبب تشيّع أهلها. وكان مؤسّسها على ما يبدو هو الصاحب بن عبّاد الذي شيّد المدارس والمساجد وأسّس تلك المكتبة الفريدة التي كانت تلبّي حاجات علماء الريّ وطلّابها يومئذٍ. وكان سكّان المدينة يعدّون بالملايين آنذاك.[1]
أمّا الذي ارتكب تلك الجريمة المروّعة فهو السلطان محمود الغزنويّ الذي عُرِفَ عنه تعصّبه وتكبّره وتعجرفه واستبداده. وقد سيّر جيشاً جرّاراً إلى المدينة لتشيّع أهلها وانتشار العلم في ربوعها، ورواج المذهب الشيعيّ في أرجائها. واقترف مذبحة جماعيّة بحقّ الأهالى، وأمر بإخراج الكتب من المكتبات، وفرز الشيعيّة منها ووضعها جانباً، فصارت كالتلّ العظيم، ثمّ أحرقها جميعاً.
وأحرقت مكتبة حلب، ومكتبة طرابلس أيضاً.[2]
وغدت مكتبة سابور ببغداد طعمة للحريق وكانت أعظم مكتبات الشيعة يومئذٍ.
قال ياقوت الحمويّ تحت عنوان «بين السُّورَين»: تثنية سور المدينة: اسم لمحلّة كبيرة كانت بكرخ بغداد، وكانت من أحسن محالّها وأعمرها، وبها كانت خزانة الكتب التي وقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة. ولم يكن في الدنيا أحسن كتباً منها. كانت كلّها بخطوط الأئمّة المعتبرة واصولهم المحرّرة. واحترقت فيما احرق من محالّ الكرخ عند ورود طُغرل بك أوّل ملوك السلجوقيّة إلى بغداد سنة 447. وينسب إلى هذه المحلّة أبو بكر أحمد بن محمّد بن عيسى بن خالد السوريّ المعروف بالمكّيّ، حدَّث عن أبي العيناء وغيره، روى عنه أبو عمر بن حَيَّويه الخزّاز، والدار قطنيّ، ومات سنة 1.[3]
واحرقت مكتبة الشيخ الطوسيّ وكرسيّ درسه وبيته، ففرّ إلى النجف الأشرف بنفسه، وألقى رحله هناك متوطّناً، ثمّ بدأ التدريس فيها.
أورد ابن الأثير في تأريخه، عند ذكر الحوادث الواقعة سنة 441 هـ: وفيها مُنع أهل الكرخ (وكلّهم كانوا من الشيعة) من النوح، وفعل ما جرت عادتهم بفعله يوم عاشوراء فلم يقبلوا وفعلوا ذلك. فجرى بينهم وبين السُّنّة فتنة عظيمة قُتل فيها وجُرح كثير من الناس، ولم ينفصل الشرّ بينهم حتى عبر الأتراك وضربوا خيامهم عندهم، فكفّوا حينئذٍ.
ثمّ شرع أهل الكرخ في بناء سور على الكرخ. فلمّا رآهم السُّنّة من القلّائين ومن يجري مجراهم شرعوا في بناء سور على سوق القلّائين. وأخرج الطائفتان في العمارة مالًا جليلًا. وجرت بينهما فتن كثيرة، وبطلت الأسواق، وزاد الشرّ، حتى انتقل كثير من الجانب الغربيّ إلى الجانب الشرقيّ فأقاموا به.
وتقدّم الخليفة العبّاسيّ إلى أبي محمّد بن النَّسَويّ بالعبور وإصلاح الحال وكفّ الشرّ. فسمع أهل الجانب الغربيّ ذلك، فاجتمع السُّنّة والشيعة على المنع منه،[4] وأذّنوا في القلّائين وغيرها ب-: حَيّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ، وأذّنوا في الكرخ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّومِ، وأظهروا الترحّم على الصحابة، فبطل عبوره.
قال ابن الأثير في حوادث سنة 443: في هذه السنة، في صفر، تجدّدت الفتنة ببغداد بين السُّنّة والشيعة، وعظمت أضعاف ما كانت قديماً، فكان الاتّفاق الذي ذكرناه في السنة الماضية غير مأمون الانتقاض، لما في الصدور من الإحَن.[5]
وكان سبب هذه الفتنة أنّ أهل الكرخ شرعوا في عمل باب السمّاكين، وأهل القلّائين في عمل ما بقي من باب مسعود. ففرغ أهل الكرخ، وعملوا أبراجاً كتبوا عليها بالذهب: مُحَمَّدٌ وعَلِيّ خَيْرُ البَشرِ.
وأنكر السُّنّة ذلك وادّعوا أنّ المكتوب: مُحَمَّدٌ وعَلِيّ خَيْرُ البَشَرِ، فَمَن رَضِيَ فَقَدْ شَكَرَ، ومَنْ أبِى فَقَدْ كَفَرَ. وأنكر أهل الكرخ الزيادة وقالوا: ما تجاوزنا ما جرت به عادتنا فيما نكتبه على مساجدنا. فأرسل الخليفة القائم بأمر الله أبا تمّام، نقيب العبّاسيّين، ونقيب العلويّين، وهو عدنان[6] ابن الرضيّ لكشف الحال وإنهائه، فكتبا بتصديق قول الكرخيّين. فأمر حينئذٍ الخليفة ونوّاب الرحيم بكفّ القتال، فلم يقبلوا.
وانتدب ابن المذهب القاضي، والزهيريّ، وغيرهما من الحنابلة أصحاب عبد الصمد أن يحمل العامّة على الإغراق في الفتنة. فأمسك نوّاب الملك الرحيم عن كفّهم غيظاً من رئيس الرؤساء لميله إلى الحنابلة. ومنع هؤلاء السنّة من حمل الماء من دجلة إلى الكرخ. وكان نهر عيسى قد انفتح بثقه، فعظم الأمر عليهم، وانتدب جماعة منهم وقصدوا دجلة وحملوا الماء وجعلوه في الظروف، وصبّوا عليه ماء الورد، ونادوا: المَاءُ لِلسَّبِيلِ (أي: أنّ الماء الذي حرمتمونا منه ها نحن نهيّئه بيُسر، وقد مزجنا به ماء الورد، ونوزّعه في سبيل الله مجّاناً في كلّ سكّة وزقاق!) فأغروا بهم السُّنّة.
وتشدّد رئيس الرؤساء[7] على الشيعة، فمحوا خَيْرُ البَشَرِ، وكتبوا عَلَيهمَا السَّلَامُ، أي: على مُحَمَّدٍ وعَلِيّ صلى الله عليهما وآلهما.
فقالت السنّة: لا نرضى إلّا أن يقلع الآجر الذي عليه: مُحَمَّدٌ وعَلِيّ، وأن لا يُؤذَّن: حَيّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ. وامتنع الشيعة من ذلك. ودام القتال إلى ثالث ربيع الأوّل. وقُتل فيه رجل هاشميّ من السُّنّة، فحمله أهله على نعش، وطافوا به في الحربيّة، وباب البصرة، وسائر محالّ السُّنّة. واستنفروا الناسَ للأخذ بثأره، ثمّ دفنوه عند أحمد بن حنبل، وقد اجتمع معهم خلقٌ كثير أضعاف ما تقدّم.
[1] حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة الإمام، 18جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.
[2] قال آية الله الشيخ محمّد حسين المظفّر في ص 156 من كتاب «تاريخ الشيعة» بعد شرح مفصّل حول المذابح التي ارتكبها أحمد باشا الجزّار بحقّ الشيعة في جبل عامل: ولمّا دخل الجيش الفرنسيّ تحت قيادة نابليون بونابرت بلاد الشام، وجد الشيعة والصفديون بسببه الراحة وتخلّصوا من ظلم الجزّار وعتوّه. ولمّا انجلى الفرنسيّون واطمأنّ الجزّار في ولايته اشتدّ على بلاد بشارة وساحل صفد، ولم يسمع بكبير أو ذي جاه إلّا أخذه أخذ عزيز مقتدر، واستصفى أمواله، وتركه لرحمة زبانية عذابه في سجنه، ودامت الحال من عام 1209 إلى 1219 عشر سنين أهلك فيها الحرث والنسل. وضغط على العلماء وتعقّبهم قتلًا وسجناً وتعذيباً، وتشتّت من بقي منهم في أقطار الأرض، واستصفى آثارهم العلميّة. وكان لأفران عكّا من كتب جبل عامل ما أشعلها بالوقود اسبوعاً كاملًا. وكانت هذه الضربة الكبرى على العلم وأهله. وخلت جبال عاملة من رجال العلم بعد أن كانت زاهرة الربوع بالعلماء وأرباب الفضل والتأليف. وممّن فرّ من العلماء من ظلم الجزّار: العالم الكبير والشاعر المبدع الشيخ إبراهيم يحيى، قطن دمشق الشام. ويليه الشيخ على الخاتونيّ الطيب الفقيه والعالم بعِدّة علوم، هاجر في طلبها إلى إيران. وقد صودرت أمواله وضُبطت أملاكه، وحُبس مرّتين ولم تُقبل منه فدية. ثمّ اخذت المكتبة الكبرى التي كانت لآل خاتون، وكان الشيخ المذكور ولى أمرها، وكانت تحتوي على خمسة آلاف مجلّد من الكتب الخطّيّة النادرة، فأمست في عكّا طُعمةً للنار.
[3] «معجم البلدان» ج 1، ص 534.
[4] يدلّ التأريخ على أنّ النَّسَويّ هذا كان قد كُلِّف بحلّ الخلافات في سنة 440 أيضاً، وكانت له جماعة (كما في «المنتظم» 32085 - دُعي أبو محمّد بن النَّسويّ ... فقُتل جماعة ...) لذلك عند ما تناهي إلى أسماع الناس أنّه يريد المجيء مرّة اخرى لتسوية الخلافات سنة 441، اتّفق الشيعة والسُّنّة على منعه من التدخّل، وعلى حلّ خلافاتهم فيما بينهم أنفسهم.
[5] ذكر المحقّق البصير والفقيه الخبير المرحوم الشيخ محمّد حسين المظفّر في كتاب «تاريخ الشيعة» ص 74 إلى 76: وما انتشر التشيّع في العراق دون أن يلاقي النكبات والنكايات في أكثر أدواره. فمن أيّام بني اميّة، وقد أشرنا فيما سبق إلى شيء من أعمالهم مع الشيعة، إلى أيّام بني العبّاس، غير أنّها تختلف فيها شدّة وضعفاً. ولو استنطقتَ التأريخ، لأجابك عن بعض تلك النوازل بالتشنيع. ويكفيك أن تقرأ من تأريخ أبي الفداء ما جرى في حوادث عام 362. فقد قال: وفي هذه السنة احترق الكرخ - وهي محلّة شيعيّة محضة - احتراقاً عظيماً، وذكر سبب ذلك إلى أن قال: فركب الوزير أبو الفضل لأخذ الجُناة وأرسل حاجباً له يُسمّى صافياً في جمع لقتال العامّة بالكرخ، وكان شديد التعصّب على الشيعة، فألقى النار. في عدّة أماكن من الكرخ فاحترق احتراقاً عظيماً، وكان عدّة من احترق سبعه عشر ألف إنسان، وثلاثمائة دكّان، وكثيراً من الدور، وثلاثة وثلاثين مسجداً، ومن الأموال ما لا يُحصى. ولا يغنيك من ابن الأثير أن تستعرض ما جرى في عام 401، و406، و408 و443، و444، إلى كثير سواها حتى قال عن حوادث عام 443: وجرى من الأمر الفظيع ما لم يجر مثله في الدنيا. ولو قرأت من كتاب «المنتظَم في تاريخ الملوك والامم» لابن الجوزيّ، ج 8، ما جرى من الحوادث في عام 441 وما بعده، لعرفتَ كيف كانت الحال التي تجري الدموع دماً، وتفتّت الأكباد ألماً؟ ولقرأتَ ما جرى على الشيعة من القتل والنهب، وعلى مساجدها من الهدم، وعلى مشاهدها من الإساءة، وعلى علمائها من الإهانة. حتى ذكر في حوادث عام 448 قَتْلَ أبي عبد الله الجلّاب شيخ البزّازين بباب الطاق وصلبه على باب دكّانه بدعوى أنّه يتظاهر بالغُلوّ في الرفض، وهَرَبَ أبي جعفر الطوسيّ، ونهب داره (ص 172). وذكر في حوادث عام 449 في صفر، أنّ دار أبي جعفر الطوسيّ متكلِّم الشيعة بالكرخ كُبست. وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسيّ كان يجلس عليه للكلام، واخرج إلى الكرخ مع ثلاثة مجانيق بيض كان الزوّار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة، فأحرق الجميع، إلى غير ذلك من الحوادث المؤسفة. ولو استقريتَ «الحوادث الجامعة» لابن الفوطيّ على صغره، لدلّك على عدّة حوادث وقعت في بغداد. ومنع المستعصم على ضعف سلطانه شيعة أهل البيت من قراءة مقتل الحسين عليه السلام في محلّة الكرخ، والمختارة، وسائر المحلّات الشيعيّة من جانبي بغداد. انظر: حوادث عام 641 و648 و653، إلى غيرها ممّا سبق ولحق. ولا تسأل عمّا صنعه العثمانيّون بالشيعة يوم اغتصبوا العراق من الصفويّة في المرّة الثانية عام 1047 من قتل ونهب واعتداء على الأبرياء وتعذيب لهم وإحراق الكتب. ولو سألتَ التأريخ عمّا شاهده الشيعة في العراق من رجال السلطات في عهود الظلمة والظلم، لأجابك وهو يشرق بالريق من الألم، ويسجّل لك الحال بمداد الدم. وما ذلك العهد ببعيد، وقد أدركنا بعض أيّامه، وجرى بعض من تركوه من حثالتهم عالة على العراق على تلك السيرة.
[6] الشريف عدنان هو ابن الشريف الرضيّ، ولى نقابة العلويّين بعد أبيه وعمّه الشريف المرتضى.
[7] أبو القاسم بن المسلمة عليّ بن الحسن بن أحمد وزير القائم بأمر الله. مكث في الوزارة اثنتي عشرة سنة وشهراً. قتله البساسيريّ سنة 450. قال ابن كثير في تاريخه 68: 12: كان كثير الأذيّة للرافضة، ألزم الروافض بترك الأذان بـ حيّ على خير العمل، وامروا أن ينادي مؤذّنهم في أذان الصبح بعد حيّ على الفلاح: الصلاة خير من النوم، مرّتين. وازيل ما كان على أبواب المساجد ومساجدهم من كتابة محمّد وعليّ خير البشر. وأمر رئيس الرؤساء بقتل أبي عبد الله بن الجلّاب شيخ الروافض لمّا كان تظاهر به من الرفض والغلوّ فيه، فقتل على باب دكّانه! وهرب أبو جعفر الطوسيّ ونُهبت داره.