خرج النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله من مكّة ومعه جميع حجّاج بيت الله الحرام، وذلك في اليوم الرابع عشر، متوجّهاً إلى المدينة. وذكر المؤرّخون أنّ حجّاج المدينة الذين كانوا معه، مائة وعشرون ألفاً، أو مائة وأربعة وعشرون ألفاً؛ ذلك لأنّ هذا الحجّ جاء بعد إعلان مسبق عنه، حتّى أنّ النبيّ أخبر أهل القرى والأطراف أنه عازم على الحجّ، فمن تمكّن فليلتحق به. فلهذا حجّ أهل المدينة كلّهم بما فيهم نساؤهم، ولم يتخلّف إلّا العجزة والمرضى، وخلت المدينة من أهلها.
وخطب النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم عدّة مرّات موصياً بأهل البيت ولزوم الرجوع إلى الكتاب والعترة. وبذل قصارى جهده لتمهيد الأرضيّة للإعلان العامّ عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام. وما إن حلّت قافلته غدير خُمّ قرب الجُحفة[1]، حيث مفترق الطريق التي تؤدّي إلى المدينة ومصر والشام، هبط عليه الأمين جبرئيل مرّة اخرى بهذه الآية: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ}.[2]
وأجمع المؤرّخون أنّ هذه الآية نزلت في غدير خمّ في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، مع أنهم اختلفوا في اليوم هل كان الأحد أو الخميس. وفي ضوء ما ذكرناه في المباحث المتقدّمة، فإنّ اليوم لا بدّ من أن يكون يوم الأحد.[3]
وهنا يأمر جبرئيل رسول الله أن يتوقّف، ويعرّف عليّاً سيّداً ومولىً وإماماً للخلق. ويبلّغ الناس ما بلّغه الله به عن ولاية عليّ عليه السلام. وأنّ عليّاً هو الوليّ والمولى لجميع الناس، وطاعته واجبة عليهم جميعاً.
وفي تلك اللحظات حيث وصل المتقدّمون في القافلة منطقة الجُحفة، والمتأخّرون لم يلحقوا برسول الله، توقّف النبيّ صلّى الله عليه وآله في الغدير، وأمر أن يرجع المتقدّمون الذين كانوا قد وصلوا إلى الجحفة، وانتظر المتأخّرين ريثما يلتحقون. وهكذا وقف الجميع. وكانت هناك خمس شجرات كبيرة متّصلة بعضها مع بعض وهي من جنس السمُر،[4] فأمر بكنس ما تحتها وتنظيفه. وكذلك أمر أن لا ينزل ويجلس تحتها أحد.
ولمّا التحق جميع الحجّاج بنبيّهم واجتمعوا معه. وتمّ تنظيف ذلك المكان. جاء النبيّ الأعظم فاستظلّ بالأشجار وكانت صلاة الظهر قد حان وقتها. وأمر فجاء الناس كلّهم وصلّوا معه صلاة الظهر، وكان ذلك اليوم حارّاً جدّاً بحيث يضع الإنسان بعض ردائه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدّة الرمضاء.
وظُلّل لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بثوب على شجرة سمرة من الشمس، وصُنع له منبر من أقتاب الإبل.
فلمّا انصرف صلّى الله عليه وآله وسلّم من صلاته، قام على ذلك المنبر خطيباً وسط القوم، ورفع صوته بحيث يسمه جميع الناس، فقال: "ألحَمْدُ لِلَّهِ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنُؤْمِنُ بِهِ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، الذي لَا هَادِى لِمَنْ ضَلَّ، وَلَا مُضِلَ لِمَنْ هَدَى. وَأشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ؛ وَأنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أمَّا بَعْدُ: أيُّهَا النَّاسُ! قَدْ نَبَّأنِي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أنهُ لَمْ يَعْمُرْ نَبِيّ إلَّا مِثْلَ نِصْفُ عُمْرِ الذي قَبْلَهُ! وَإنِّي اوشِكُ أنْ ادْعَى فَأجَبْتُ! وَإنِّي مَسْؤُولٌ، وَأنْتُمْ مَسْؤُولُونَ: فَمَا ذَا أنْتُمْ قَائِلُونَ؟! قَالُوا: نَشْهَدُ أنكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَنَصَحْتَ وَجَهَدْتَ! فَجَزاكَ اللهُ خَيْراً! قَالَ: ألَسْتُمْ تَشْهَدُونَ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ؛ وَأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ وَأنَّ جَنَّتَهُ حَقٌّ؛ وَنَارَهُ حَقٌّ؛ وأنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ، وَأنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا؛ وَأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ؟! قَالُوا: بَلَى! نَشْهَدُ بِذَلِكَ! قَالَ: اللهُمَّ اشْهَدْ! ثُمَّ قَالَ: أيُّهَا النَّاسُ! ألَا تَسْمَعُونَ؟! قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ: فَإنِّي فَرَطُ على الحَوْضِ؛ وَأنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيّ الحَوْضَ! وَإنَّ عَرْضَهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَبُصْرَى؛ فِيهِ أقْدَاحٌ عَدَدَ النُّجُومِ مِنْ فِضَّةٍ. فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخلُفُونِي في الثَّقَلَيْنِ؟! فَنَادَى مُنَادٍ: وَمَا الثَّقَلانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: الثَّقَلُ الأكْبَرُ كِتَابُ اللهِ؛ طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ وَطَرَفٌ بِأيْدِيكُمْ؛ فَتَمَسَّكُوا بِهِ لَا تَضِلُّوا! وَالآخَرُ الأصْغَرُ عِتْرَتِي؛ وَإنَّ اللَّطِيفَ الخَبِيرَ نَبَّأنِي أنهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ! فَسَألْتُ ذَلِكَ لَهُمَا رَبِّي، فَلا تَقَدَّمُوهُمَا فَتَهْلِكُوا؛ وَلَا تَقْصُرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلِكُوا! ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيّ فَرَفَعَهَا حتّى رُئِيَ بَيَاضُ آبَاطِهِمَا وَعَرَفَهُ القَوْمُ أجْمَعُونَ. فَقَالَ: أيُّهَا النَّاسُ! مَنْ أوْلَى النَّاسِ بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ؟! قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ! قَالَ: إنَّ اللهَ مَوْلَاى؛ وَأنَا مَوْلَى المُؤمِنِينَ؛ وَأنَا أوْلَى بِهِمْ مِنْ أنْفُسِهِمْ! فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. يَقُولُهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ؛ وَفي لَفْظِ أحْمَدَ إمَامِ الحَنَابِلَةِ: أرْبَعَ مَرَّاتٍ.[5] ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ! وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ! وَأحِبَّ مَنْ أحَبَّهُ! وأبْغِضْ مَنْ أبْغَضَهُ! وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ! وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ! وَأدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ! ألَا فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ!
ثُمَّ لَمْ يَتَفَرَّقُوا حتّى نَزَلَ أمِينُ وَحْيِ اللهِ بِقَوْلِهِ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً}.[6]
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: "اللهُ أكْبَرُ على إكْمَالِ الدِّينِ وَإتْمَامِ النِّعْمَةِ وَرِضَا الرَّبِّ بِرِسَالَتِي وَالْوَلايَةِ لِعَليّ مِنْ بَعْدِي."
ثُمَّ طَفِقَ القَوْمُ يُهَنِّئُونَ أميرَ المُؤْمِنِينَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيهِ. وَمِمَّنْ هَنَّأهُ في مُقَدَّمِ الصَّحَابَةِ: الشَّيْخَانِ: أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؛ كُلٌّ يَقُولُ: بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَا بْنَ أبِي طَالِبٍ أصْبَحْتَ وَأمْسَيْتَ مَوْلَاى وَمَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ! وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَجَبَتْ في أعْنَاقِ الْقَوْمِ. فَقَالَ حَسَّانٌ: إئْذَنْ لي يَا رَسُولَ اللهِ أنْ أقُولَ في عَلِيّ أبْيَاتاً تَسْمَعُهُنَّ! فَقَالَ: قُلِ على بَرَكَةِ اللهِ! فَقَامَ حَسَّانٌ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ مَشِيخَةِ قُرَيْشٍ اتْبِعُهَا قَوْلِي بِشَهَادَةٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ في الوَلايَةِ مَاضِيَةٍ. ثُمَّ قَالَ: ولمّا أنشد حسّان هذه الأبيات، قال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: يَا حَسَّانُ لَا تَزَالُ مُؤَيَّداً بِرُوحِ القُدُسِ مَا نَصَرْتَنَا بِلِسَانِكَ.[7]
[1] الجُحْفَة: قرية كبيرة ذات منبر على طريق مكّة على أربع مراحل. (كانت تقام فيها صلاة الجمعة و الخطبة). و كان اسمها مَهْيَعَة، و سمّيت الجحفة لأنّ السَّيْلَ أجْحَفَها. و بينها و بين البحر ستّة أميال. («مراصد الاطّلاع» ج 1، ص 315) و الغَدِير ما غودر من ماء المطر في مستنقع صغير أو كبير، غير أنه لا يبقى في القيظ. و خُمّ قيل: رَجُل، و قيل: غَيْضَة، و قيل موضع تصبّ فيه عين. و قيل: بئر قريب من الميثب حفرها مُرَّةُ بن كَعْب. نسب إلى ذلك غدير خُمّ. و هو بين مكّة و المدينة. و قيل: على ثلاثة أميال من الجحفة. و قيل على ميل. و هناك مسجد للنبيّ صلّى الله عليه و آله. («مراصد الاطّلاع» ج 1، 482).
[2] الآية67، من السورة 5: المائدة.
[3] «حبيب السِّيَر» ج 1، الجزء الثالث، ص 410.
[4] السمُر شجرة من العَضَاة، و ليس في العضاه أجود خشباً منه. الواحدة سَمُرَة و جمعها سَمُرَات.
[5] يقول ابن كثير الدمشقيّ في «البداية و النهاية» ج 5، ص 209: أخرج النسائيّ في سننه عن محمّد بن مُثَنّى، عن يحيى بن حمّاد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم، قال: لَمّا رجع رسول الله من حجّة الوَداع و نزل غدير خمّ أمر بِدَوحاتٍ فَقُمِمْنَ ثمّ قال: "كَأَني قد دُعِيتُ فَأجبتُ إنِّي قد تركت فيكم الثَّقلَين: كِتابَ الله وَ عترتي أهل بَيتي؛ فانظروا كيف تَخْلُفوني فيهما فَإنَّهما لن يفترقا حتّى يردا عَلَيّ الحوضَ. ثمّ قال: الله مولاي و أنا وليّ كُلِّ مؤمن. ثمّ أخذ بِيَدِ عَلِيّ فقال: مَن كنتُ مولاه فهذا وليّه، اللهُمَّ وال من والاه؛ و عاد من عاداه". فقلت لزيد: سمعت من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم؟ فقال: ما كان في الدَّوحات أحد إلّا رآه بعينيه و سمعه باذُنَيْه. تفرّد النسائيّ بهذا الرواية من هذا الوجه. و قال شيخنا أبو عبد الله الذهبيّ: هذا حديث صحيح.
[6] الآية3، من السورة 5: المائدة.
[7] «تفسير أبي الفتوح الرازيّ» طبعة مظفّري، ج 2، ص 193.