جعل الملائكة بنات الله
قال تعالى : {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 15 - 20].
قال علي بن إبراهيم : قوله تعالى : {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً }: قالت قريش : إن الملائكة هم بنات اللّه ، ثم قال على حد الاستفهام :
{أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا يعن إذا ولدت لهم البنات ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ }وهو معطوف على قوله تعالى : {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} [النحل: 57].
وقوله تعالى : {أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ} أي ينشأ في الذهب وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ، قال : إن موسى عليه السّلام أعطاه اللّه من القوة أن أرى فرعون صورته على فرش من ذهب رطب ، عليه ثياب من ذهب رطب ، فقال فرعون : {أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ} أي ينشأ في الذهب وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ، قال : لا يبين الكلام ، ولا يتبين من الناس ، ولو كان نبيا لكان خلاف الناس .
وقوله تعالى : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً معطوف على ما قالت قريش : إن الملائكة بنات اللّه ؛ في قوله تعالى : وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً ، فرد اللّه عليهم ، فقال تعالى : {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ }قوله تعالى : {إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} أي يحتجون بلا علم « 1 ».
وقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أبا بكر وعمر وعليا عليه السّلام أن يمضوا إلى الكهف والرقيم ، فيسبغ أبو بكر الوضوء ويصف قدميه ويصلي ركعتين ، وينادي ثلاثا ، فإن أجابوه وإلا فليقل مثل ذلك عمر ، فإن أجابوه وإلا فليقل مثل ذلك علي عليه السّلام فمضوا وفعلوا ما أمرهم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فلم يجيبوا أبا بكر ولا عمر ، فقام علي عليه السّلام وفعل ذلك فأجابوه ، وقالوا : لبيك لبيك . ثلاثا ، فقال لهم : ما لكم لم تجيبوا الأول والثاني ، وأجبتم الثالث ؟
فقالوا : إنا أمرنا أن لا نجيب إلا نبيا أو وصي نبي . ثم انصرفوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فسألهم ما فعلوا ؟ فأخبروه ، فأخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم صحيفة حمراء ، وقال لهم : اكتبوا شهادتكم بخطوطكم فيها بما رأيتم وسمعتم ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ : سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ يوم القيامة » « 2 ».
وقال أبو صير : ذكر أبو جعفر عليه السّلام الكتاب الذي تعاقدوا عليه في الكعبة ، وأشهدوا فيه ، وختموا عليه بخواتيمهم ، فقال : « يا [ أبا ] محمد ، إن اللّه أخبر نبيه بما يصنعونه قبل أن يكتبوه ، وأنزل اللّه فيه كتابا » قلت : وأنزل فيه كتابا ؟ قال :
« نعم ، ألم تسمع قول اللّه تعالى : سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ » « 3 ».
وقال يعقوب بن جعفر : كنت مع أبي الحسن عليه السّلام بمكّة ، فقال له رجل : إنك لتفسر من كتاب اللّه ما لم يسمع ؟ فقال عليه السّلام : « علينا نزل قبل الناس ، ولنا فسر قبل أن يفسر في الناس ، فنحن نعرف حلاله وحرامه ، وناسخه ومنسوخه ، وسفريه وحضريه ، وفي أي ليلة نزلت من آية ، وفيمن نزلت ، فنحن حكماء اللّه في أرضه ، وشهداؤه على خلقه ، وهو قوله تبارك وتعالى : سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ، فالشهادة لنا ، والمسألة للمشهود عليه ، فهذا [ علم ما ] قد أنهيته [ إليك وأديته إليك ما لزمني ، فإن قبلت فاشكر ، وإن تركت فإن اللّه على كل شيء شهيد ] » « 4 ».
____________
( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 281 .
( 2 ) تأويل الآيات : ج 2 ، ص 553 ، ح 7 .
( 3 ) تأويل الآيات : ج 2 ، ص 555 ، ح 9 .
( 4 ) بصائر الدرجات : ص 218 ، ح 4 .