ذكر المجلسيّ رضوان الله عليه في الفصل الخاصّ بالروايات المأثورة في الغدير عن مناوئي الشيعة من الموثوقين الذين يعوّل عليهم مواضيع ملحقة بخطبة الغدير عن كتاب «النَّشْر والطَّيّ» وقال: صاحب هذا الكتاب جعل كتابه حجّة ظاهرة على ولاية عليّ باتّفاق العدوّ والوليّ. وحمل به نسخة إلى الملك شاه مازندران رستم بن على لمّا حضر بالري هديّة له.
وروى في ذلك الكتاب بسنده المتّصل عن عطيّة السعديّ قال: سألت حُذَيفة بن اليَمان عن الغدير؛ فقال: إنّ الله أنزل على نبيّه (في المدينة) أوّلًا قوله: {النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ}.[1]
فقالوا: يا رسول الله، ما هذه الولاية التي أنتم بها أحقّ منّا بأنفسنا؟! فقال رسول الله: "ألسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أحْبَبْتُمْ وَكَرِهْتُمْ". فقالوا: سَمِعْنَا وَأطَعْنَا؛ فَأنزل الله هذه الآية: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ}.[2] يقول حذيفة: فخرجنا من المدينة مع رسول الله في حجّة الوداع. وعند ما وصلنا إلى مكّة، نزل جبرئيل وقال: يا محمّد! إنّ ربّك يقرؤك السلام؛ ويقول: إنصب عليّاً علماً للناس! فبكى النبيّ، حتّى اخضلّت لحيته؛ وقال: يا جبرئيل! إنّ قومي حديثو عهد بالجاهليّة. ضربتهم على الدين طوعاً وكرهاً حتّى انقادوا لي؛ فكيف إذا حملت على رقابهم غيري؟ فصعد جبرئيل.
ونقل صاحب كتاب «النَّشر والطَّيّ» هنا قصّة مجيء أمير المؤمنين من اليمن إلى مكّة؛ وقصّة التصدّق بالخاتم ونزول الآية: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} بنحو مفصّل إلى أن بلغ قول رسول الله في منى، وقد نقله عن شخص آخر غير حُذَيفة، وفيه أنّ رسول الله قال في حجّة الوداع بمنى: "يَا أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ أمْرَيْنِ إن أخَذْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي؛ وَإنَّهُ قَدْ نَبَّأنِي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أنهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ كَأصْبَعَيّ هَاتَيْنِ- وَجَمَعَ بَيْنَ سَبَّابَتَيْهِ- ألَا فَمَنِ اعْتَصَمَ بِهِمَا فَقَدْ نَجَا؛ وَمَن خَالَفَهُمَا فَقَدْ هَلَكَ. ألَا هَلْ بَلَّغْتُ أيُّهَا النَّاسُ؟ "قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: اللهُمَّ اشْهَدْ!
ثمّ قال صاحب كتاب «النَّشر والطَّيّ»: فلمّا كان في آخر يوم من أيّام التشريق (اليوم الثالث عشر من ذي الحجّة) أنزل الله عليه: {إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}. فقال رسول الله: نُعِيَتْ إلَيّ نفَسي. فجاء إلى مسجد الخيف فدخله ونادي: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. فاجتمع الناس؛ فحمد الله وأثنى عليه، وذكر خطبته؛ ثمّ قال فيها: "أيُّهَا النَّاسُ! إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: ألثَّقَلُ الأكْبَرُ كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ؛ وَطَرَفٌ بِأيدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ؛ وَالثَّقَلُ الأصْغَرُ عِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي فَإنَّهُ قَدْ نَبَّأنِي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أنهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ كَأصْبَعَيّ هَاتَيْنِ- وَجَمَعَ بَيْنَ سَبَّابَتَيْهِ- وَلَا أقُولُ كَهَاتَيْنِ- وَجَمَع بَينَ سَبَّابَتِهِ والوُسْطَى- فَتَفْضُلَ هَذِهِ على هَذِهِ.
قال مصنّف كتاب «النَّشر والطَّيّ» [و بعد أن استمع جماعة إلى هذه الخطبة]: فاجتمع قومٌ وقالوا: يريد محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يجعل الإمامة في أهل بيته، وخرج منهم أربعة [من منى]؛ ودخلوا إلى مكّة؛ ودخلوا الكعبة؛ وكتبوا فيما بينهم عهداً إن مات مُحَمَّد أو قتل؛ لا يرد هذا الأمر في أهل بيته؛ فأنزل الله: {أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ* أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}.[3]
وهنا قال المجلسيّ الكلام التالى بوصفه جملة اعتراضيّة: «انظر هذا التدريج من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ والتلطّف من الله في نصّه على مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه؛ فأوّلًا أمره بالمدينة، قال سبحانه: {وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ}؛ فنصّ على أنّ الأقرب إلى النبيّ أولى به من المؤمنين والمهاجرين. فعزل جلّ جلاله عن هذه الولاية المؤمنين والمهاجرين، وخصّ بها اولي الأرحام من سيّد المرسلين.
ثمّ انظر كيف نزل جبرئيل بعد خروجه إلى مكّة بالتعيين على عليّ؛ فلمّا راجع النبيّ وأشفق على قومه من حسدهم لعليّ عليه السلام؛ كيف عاد الله جلّ جلاله فأنزل: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}؛ وكشف عن عليّ بذلك الوصف!
ثمّ انظر كيف مال النبيّ إلى التوطئة بذكر أهل بيته بمنى؛ ثمّ أعاد ذكرهم في مسجد الخيف.
ثمّ ذكر صاحب كتاب «النَّشر والطَّيّ» توجّه رسول الله من مكّة إلى المدينة؛ ورجع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم للّه سبحانه وتعالى مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ وتكرّر من الله [الوحي] إلى رسول الله في ولاية عليّ. قال حذيفة: وأذن النبيّ بالرحيل نحو المدينة؛ فارتحلنا. فنزل جبرئيل بضَجْنان؛ وأمر رسول الله بالإعلان عن ولاية عليّ؛ وخرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتّى نزل الجُحْفَة؛ فلمّا نزل القوم وأخذوا منازلهم [بأمر رسول الله، ألقى تلك الخطبة الرائعة الغرّاء حول الولاية].
ويبيّن الخطبة هنا مفصّلًا؛ ويذكر في ذيلها عهد الناس وبيعتهم.[4]
[1] قسم من الآية6، من السورة 33: الأحزاب.
[2] الآية7، من السورة 5: المائدة.
[3] الآية79 و 80، من السورة 43: الزخرف.
[4] «بحار الأنوار» ج 9، ص 203 إلى 205. طبعة الكمباني.