قال الله الحكيم في كتابه الكريم: {فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ}.[1]
تنصّ هذه الآية الكريمة على أنّ الذين لم يكونوا حاضري المسجد الحرام- ما عدا أهل مكّة والقرى والضواحي القريبة منها- عليهم أن يحجّوا حجّ التمتّع، ثمّ ينحروا ما استيسر من الهدي، من الإبل والبقر والضأن في مِني. وأمّا من كانوا قريبين من المسجد الحرام، فعليهم أن يحجّوا حجّ الإفراد، وحجّ القِران من غير تمتّع.
وقد علمنا فيما مضى أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم- عملًا بحكم الله، ونتيجة لنزول جبرئيل بهذه الآية المباركة- أعلن في منزل «سَرِف» أوّلًا، وبعد سعيه على «المروة» ثانياً، أنّ على من جاء معه إلى الحجّ سواء كانوا من أهل المدينة أو من غيرها، أن يغيّروا نيّتهم من الإحرام بالحجّ إلى الإحرام بالعُمرة، ويحلّوا بعد التقصير، ويتمتّعوا حتّى حلول يوم التروية وهو يوم الإحرام بالحجّ. والتحرّك نحو المشاعر: عَرَفات، والمشعر، ومِني. ولا تشمل هذه التعاليم من ساقوا الهدي معهم.
وعلى النبيّ نفسه ومن ساق معه هدياً من أصحابه أن يظلّوا محرمين للحجّ إلى أن ينحروا هديهم في مني. وقد أدّى الإعلان عن هذا الحكم الإلهيّ إلى اعتراض البعض ممّن خالفوا هذا الحكم بصراحة، إذ كانوا راغبين في البقاء محرمين حتّى وقت الذهاب إلى عَرفات والمَشعر.
ينقل ابن كثير حديثين عن البخاريّ ومسلم، عن جابر أنّ بعض الصحابة كانوا يقولون: لِمَ نحلّ، ولم يبق على الحجّ إلّا أيّام عدّة؟ قال ابن كثير: قال البخاريّ: حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا حَمَّاد بن زيد، عن عبد الملك بن جريح، عن عطاء، عن جابر، وعن طاووس، عن ابن عبّاس، قالا: قَدِمَ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ وأصْحَابُهُ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الحِجَّةِ يُهِلُّونَ بِالحَجِّ لَا يَخْلُطُهُ شَيءٌ، فَلَمَّا قَدِمْنَا أمَرَنَا فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً، وأنْ نُحِلَّ إلَى نِسَائِنَا، فَفَشَتْ تِلْكَ المَقَالَةُ ...[2] إلى آخر هذا الحديث وما تضمّنه من مخالفة الصحابة.
وقال: قالَ مُسْلِم: حدّثنا قُتيْبة، حدّثنا الليث- هو ابن سعد- عن أبي الزبير، عن جابر ... إلى أن بلغ قوله: وأمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ أنْ يُحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيّ؛ قَالَ: فَقُلْنَا: حَلَّ مَإذَا؟! قَالَ: "الْحَلُّ كُلُّهُ. فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ وتَطَيَّبْنَا بِالطِّيبِ ولَبِسْنَا ثِيَاباً ولَيْسَ بَيْنَنَا وبَيْنَ عَرَفَةَ إلَّا أرْبَعَ لَيَالٍ".[3]
فهذان الحديثان ينصّان على أنّ رسول الله دخل مكّة في اليوم الرابع، ولمّا كان يوم عرفة في الخميس، فإنّ يوم دخوله كان في يوم الأحد. وهذا يتضارب مع ما نقلناه عن «الغدير»، عن «الإمتاع» للمقريزيّ إذ جاء فيه أنّ دخوله كان في يوم الثلاثاء.
[1] النصف الثاني من الآية 196، من سورة 2: البقرة.
[2] «البداية والنهاية» طبعة مصر الاولي، سنه 1351 هـ، مطبعة السعادة، ج 5، ص 166.
[3] «البداية والنهاية» ج 5، ص 166. وجاء في «الطبقات الكبرى» لابن سعد، طبعة دار صادر، بيروت، سنة 1376 هـ، ج 2، ص 175 قوله: فلبست القمص وسطعت المجامر ونكحت النساء.