إنّ ثمّة روايات كثيرة ومستفيضة بل ومتواترة حول نزولها في أمير المؤمنين عليه السلام مضافاً إلى الإجماع وادّعاء الإجماع والاتّفاق؛ ولنر الآن: ما هي دلالة الآية؟ وما هي دلالتها من منظار فقه القرآن؟ الوَّليّ كما ذكرنا صيغة فَعِيل من مصدر الولاية. وكما قال الراغب الاصفهانيّ في «مفردات القرآن» الْوَلاء (بفتح الواو) والتَّوَالى أنْ يَحْصُلَ شَيْئانِ فَصَاعِداً حُصُولًا لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَا لَيْسَ مِنْهُمَا.
فهذه هي حقيقة معنى الولاية؛ وأمّا المعاني الأخرى لها كالنصرة، والمحبّة، والمودّة، والتصرّف في الأمور، وولاء العتق وأمثالها فترجع إلى ذلك الاصل. وقد اطلق كلّ واحد منها مع الخصوصيّات التي يحملها في موضوعه وذلك في أيّ موضع من المواضع، مع الاحتفاظ بالمعنى الاصليّ المذكور.
ومن هذا المنطلق، فإنّ لفظ الوَلَاية ليس له معان عديدة على نحو الاشتراك اللفظيّ، بل له معنى واحد على نحو الاشتراك المعنويّ. وقد استعمل في هذه المواضع والعناوين المتنوّعة من باب انطباق ذلك الامر الواحد على هذه المصاديق. ومتى لم تكن هناك قرينة لصرف المعنى الحقيقيّ إلى المجازيّ، وملاحظة خصوصيّة الحالة التي يستعمل فيها عينها، واستهداف خصوصيّة التصرّف، والمحبّة، والعِتق وأمثالها، فإنّ المقصود هو المعنى الاصليّ والحقيقيّ؛ وحيثما لم نستطع أن نترك المعنى الاصليّ والعامّ وشأنه، فإنّنا نقتصر على أحد المعاني الموضوعيّة والمصاديق المعيّنة، مع وجود القرينة.
هذا هو معنى لفظ الولاية مع مشتقّاته التي تمّ اشتقاقها من هذا المصدر؛ ولذلك يستعار للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، والصداقة، والنصرة، والاعتقاد.
قال الراغب: وقولهم تَولّي إذا عُدِّي بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله في أقرب المواضع، منه يقال: وَلَّيْتُ سَمْعي كَذَا؛ ووَلَّيْتُ عَيْنِي كَذَا، ووَلَيْتُ وَجْهِي كَذَا. قال الله عَزَّ وجَلَّ: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها}.[1]
وقال: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ}.[2] وقال: {وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}.[3]
وإذا عُدِّي بعن لفظاً أو تقديراً، اقتضى معنى الإعراض وترك قربه- انتهى.[4]
ويستفاد ممّا قيل أنّ الوَلَاية هي القرب الخاصّ. وإذا ما لوحظت في الأمور المعنويّة، فهي تتطلّب أن يكون للوليّ حقّ لا يكون لغيره إلّا بواسطته.
ولذلك فإنّ جميع ما يخصّه من تصرّفات في شئونه واموره، يستطيع أن يقوم بها شخص ذو شأن. وتكون قابلة للنيابة والاستخلاف عند ما يقوم الوَليّ بها كوليّ الميّت؛ لأنّ للوارث ولاية. حيث أنّ جميع ما كان يتصرّف به الإنسان في أمواله قبل موته، يتصرّف به وليّه الذي هو وارثه. وتسمّى هذه الولاية: وَلاية الوِراثة.
وكوَليّ الصغير فإنّه عند ما يتصرّف في شئون الصغير، فإنّه يتصرّف فيها بولايته.
وكوليّ النصرة فإنّة يقدّم كلّ أنواع العون والمساعدة بغية الدفاع في الحالات المستوجبة لذلك.
ومن الواضح، فإنّ الله تعالى وليّ العباد في تدبير امورهم الدنيويّة والأخرويّة؛ وهو وليّ المؤمنين في تدبير أمر الدِّين والدعوة وهدايتهم نحو الكمال، من خلال منّه بالتوفيق ورفع الموانع واقتلاع الحواجز. والنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وليّ العباد والمؤمنين بولاية الله وبإذنه.
وأمير المؤمنين عليه السلام له الولاية على امّة رسول الله بولاية الله تعالى، ولذلك ينبغي لنا أن نأخذ الولاية بمعناها الحقيقيّ والاصليّ في الآية الكريمة: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا} وهو ما يتطلّب التصرّف في الأمور، والاولويّة في النفس والمال والعرض والدين.
لقد جاءت هذه الولاية في الآية المباركة بصيغة المفرد، حيث قالت: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} والخبر هو {وَرَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا}، إذ أنّ الولاية أمر واحد لا يقبل التعدّد والتكثّر إلّا بلحاظ الظروف التي تدعو إلى ذلك مجازاً واعتباراً، ومن المعلوم أنّ أصل الولاية ينحصر في ذات الحقّ تبارك وتعالى، وهو لرسول الله وغير رسول الله بالتَّبَعِ والمجاز.
وما جاءت أداه الحصر «إِنَّما» إلّا لتبيّن أنّ هذه الحقيقة مقصورة على الله ورسوله وخلفائه بالحقّ، فقد رفعت كلّ الحجب؛ فلم يبق بين ذات الحقّ المقدّسة وبينهم فاصلة وحجاب.
ومن هذا المنطلق، فإنّ الولاية أمر واحد، وولاية الله ورسوله والمتصدّق راكعاً هي ولاية واحدة ذات معنى واحد. والشاهد على هذا المعنى هو ما جاء في ذيل الآية: {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ}. أي أنّ الذين قبلوا ولاية الله ورسوله وأمير المؤمنين كلّهم حِزْبُ الله، لأنهم يستظلّون بهذه الولاية التي تمثّل أمراً واحداً وهي لله، وحزبه- طبعاً- هم الغالبون.
وينبغي أن نعلم أنّ قوله: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهُمْ راكِعُونَ}. كان مقصوراً في عصر رسول الله على أمير المؤمنين الذي يمثّل وحده مصداقه الخارجيّ، لكن هذا لا يعني أنه قد استعمل خاصّاً به، أي: أنّ لفظ الجمع قد استعمل في معنى المفرد، بل أنّ مصداق ذلك اللفظ كان واحداً. وهذا النوع من الاستعمال شائع ورائج كثيراً، وهو متداول في كلام أهل البلاغة والفصاحة، ولعلّه يعتبر من المحسّنات في الكلام أحياناً إذ يقال أنّ للفظ الكلّيّ معنى عامّاً. وهذا هو المقصود، إلّا أنّ هذا الكلّيّ ليس له في الخارج غير مصداق واحد أو مصداقين.
من الطبيعيّ أنّ استعمال الجمع في المفرد غير صحيح، بَيدَ أنه لا إشكال في استعمال الجمع بمعنى الجمع مع إرادة فرد خاصّ من باب انطباق ذلك الجمع على هذا المفرد؛ والمسلّم هو أنّ المراد من قوله: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا} هو معنى الجمع من حيث الاستعمال الأدبيّ، إلّا أنّ مصداقه الخارجيّ لم يكن أكثر من إنسان واحد، وهو أمير المؤمنين عليه السلام.
ولعل السرّ من وراء التعبير بلفظ الجمع هو: أوّلًا: ليشعر أنّ إعطاء هذا المنصب لم يكن جزافاً واعتباطاً، بل بسبب ملكات وصفات تفرّد بها سيّدنا على بن أبي طالب عليه السلام.
وثانياً: ومن هذا المنطلق فقد ظلّت الآية الشريفة على كلّيّتها وشملت الأئمّة الأثني عشر، خلفاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالحقّ، وجعلتهم جميعاً تحت هذا العنوان.
وذكر الشيعة هذا الموضوع في تفاسيرهم بشكل واضح ومفصّل، وبرهنوا على ولاية أمير المؤمنين على بن أبي طالب من خلال الروايات الكثيرة المسلّمة الواردة في شأن النزول. وذكروا هذه الآية كإحدى الآيات القرآنيّة الكريمة الواردة في ولايته الملازمة للإمامة.
[1] الآية 144، من السورة 2: البقرة.
[2] نفس المصدر السابق
[3] نفس المصدر السابق
[4] «المفردات» طبعة سنة 1381 هـ، ص 534.