روي عن طريق جابر بن عبد الله الأنصاريّ بسند آخر قوله: كان رسول الله عليه السلام يصلّي في المسجد ذات يوم، فورد أعرابيّ أشعث الحال، عليه أثواب رثّة، والفقر بين عينيه، فلمّا دخل وسلّم قال رسول الله: "من يواسي هذا الفقير، والجزاء من الله غرف في الجنّة تضاهي غرفي وغرف إبراهيم الخليل؟!" فلم يجبه أحد.
رجع الاعرابيّ، وكان في ناحية المسجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يصلّي ركعات التطوّع. وكان راكعاً، فرفع إليه الخاتم من يده، فأخذه الأعرابيّ ونظر فيه؛ فسرّ به، فأتى جبريل بهذه الآية: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ}، وقرأها على النبيّ فقال للاعرابيّ: من أعطاكه؟! قال: أخوك وابن عمّك على بن أبي طالب.
قال الرسول عليه السلام: هَنِيئاً لَكَ يَا عَلِيّ، أَنت في درجتي ودرجة إبراهيم الخليل!
ولمّا رأى الصحابة ذلك، أعطى كل واحد منهم خاتمه، حتى ورد في الخبر أنّ الأعرابيّ جمع ذلك اليوم أربعمائة خاتم، فسرّ وعلم أنّ ذلك من بركات أمير المؤمنين عليه السلام.
وروى طاووس عن ابن عبّاس، وقد سئل: ما معنى هذه الآية؟ وفيمن نزلت؟ قال: نزلت في علي بن أبي طالب. ومعناها أنّ الحُكْمَ والولايةَ لله الحقّ، لا شريك له في ذلك من المخلوقين؛ واحتجّ الرسول عليه السلام بهذه الآية.
وروى الكَلْبِيّ عن أبي صالح، عن عبد الله بن عبّاس، قال: أقبل عبد الله بن سلام ومعه نفر من قومه فيمن قد آمنوا بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، قالوا: يا رسول الله، أنّ منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدّث دون هذا المجلس. وإنّ قومنا لمّا رأوا آمنّا بالله ورسوله وصدّقناه، رفضونا وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلّمونا، فشقّ ذلك علينا. فقال لهم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهُمْ راكِعُونَ}.
وكان عليّ عليه السلام قد أعطى خاتمه سائلًا وهو راكع؛ قال عبد الله ابن عبّاس: لمّا أعطى عليّ عليه السلام الخاتم، نزلت هذه الآية؛ وقرأها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ وسأل السائل: من أعطاكه؟ فقال: ذاك القائم وأومى بيده إلى عليّ بن أبي طالب.
قال: على أيّ حال أعطاكه؟ قال: أعطاني وهو راكع. فسُرَّ النبيّ وعلم أنها نزلت في عليّ.
ونقل أبو الفتوح الرازيّ هذه الأبيات الأربعة التي ذكرناها فيما تقدّم منسوبة إلى خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتْ. ونسبها الرازيّ إلى حسّان بن ثابت؛[1] ثمّ قال:
وذكر أبو بكر بن مَرْدَوَيْه الحَافِظ- وهو من أصحاب الحديث- في كتاب «الفضائل» هذا الحديث بطرق مختلفة، عن جماعة كثيرة من الصحابة.
لقد استبان هاهنا شأن نزول الآية وأبعاد الولاية إلى حدّ ما. ومن المناسب أن نتطرّق إلى بعض الروايات الواردة، يعقب ذلك تبيان الآية الشريفة وتفسيرها.
يروي صاحب كتاب «غاية المرام» أربعاً وعشرين رواية عن طريق العامّة؛ وتسع عشرة رواية عن طريق الخاصّة حول آية الولاية.
[1] جاءت هذه الرواية أيضاً في «مجمع البيان» ونسبت هذه الأبيات الاربعة أيضاً إلى حسّان بن ثابت. (طبع صيدا، ج 2، ص 210 وص 211.
و وردت أيضاً في «غاية المرام» ص 106، الحديث 17 عن العامّة. نقلها صاحب هذا الكتاب عن الحافظ أبي نعيم الإصفهانيّ في كتابه الموسوم «نزول القرآن في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام». وينسب هذه الابيات أيضاً إلى حسّان بن ثابت.
و نقل العلّامة الطباطبائيّ هذه الرواية أيضاً في «تفسير الميزان»، ج 6، ص 21 و22 عن الخطيب الخوارزميّ، ونسب هذه الأبيات إلى حسّان بن ثابت. وما وقفنا عليه طيلة بحثنا هو أنّ جميع الكبار والأعلام يرون أنّ هذه الأبيات لحسّان، وتفرّد بينهم ابن شهرآشوب فنسبها إلى خُزيْمَة بنِ ثابت.