قد يظن البعض أن الشعر مجرد خيوط ميتة تنمو على سطح الرأس، لكنه في الحقيقة يحمل سجلًا كيميائيًا يمكن أن يحتفظ بآثار ما يدخل إلى جسم الإنسان لعدة أشهر. ولهذا أصبح تحليل الشعر واحدًا من أكثر الفحوصات دقة في الطب الشرعي والسموم، إذ يستطيع الكشف عن تعاطي العديد من المخدرات حتى بعد اختفائها من الدم والبول بفترة طويلة. ويعتمد هذا الفحص على مبادئ متقدمة في الكيمياء الحيوية والكيمياء التحليلية، حيث تُحلل الجزيئات المحبوسة داخل البنية المجهرية للشعرة بدقة تصل إلى أجزاء من المليار.
بعد تناول أي مادة مخدرة، مثل الكوكايين (Cocaine)، أو الأمفيتامينات (Amphetamines)، أو المورفين (Morphine)، أو الميثامفيتامين (Methamphetamine)، أو القنب (Cannabis)، تدخل هذه المركبات إلى مجرى الدم ثم تنتشر في أنحاء الجسم. وعندما يصل الدم إلى بصيلات الشعر (Hair Follicles)، تنتقل نسبة صغيرة من هذه الجزيئات أو نواتج أيضها (Metabolites) إلى الخلايا المسؤولة عن تكوين الشعرة الجديدة.
يتكون الشعر أساسًا من بروتين يُسمى الكيراتين (Keratin)، وهو بروتين غني بالأحماض الأمينية المحتوية على الكبريت، مثل السيستين (Cysteine). وخلال نمو الشعرة تتداخل جزيئات المخدرات مع بنية الكيراتين، أو ترتبط به بروابط فيزيائية وكيميائية ضعيفة، ثم تُحتجز داخل الشعرة مع استمرار نموها، لتصبح جزءًا من تركيبها.
ولأن الشعر ينمو بمعدل يقارب سنتيمترًا واحدًا شهريًا، فإن طول الجزء المأخوذ من العينة يمثل سجلًا زمنيًا للتعرض للمخدرات. فعلى سبيل المثال، يمكن لخصلة شعر بطول ستة سنتيمترات أن تعكس تاريخ التعاطي خلال الأشهر الستة السابقة تقريبًا، وهو ما يجعل تحليل الشعر مختلفًا عن تحليل الدم أو البول، اللذين يكشفان التعاطي خلال أيام أو أسابيع فقط.
ولكي تكون النتائج دقيقة، تبدأ المختبرات أولًا بغسل الشعر باستخدام محاليل كيميائية خاصة لإزالة أي تلوث خارجي قد يكون ناتجًا عن دخان أو غبار أو ملامسة سطح ملوث بالمخدرات. وتُعد هذه الخطوة ضرورية للتمييز بين التعرض الخارجي وبين دخول المادة فعليًا إلى الجسم.
بعد التنظيف، تُقطع الشعرة إلى أجزاء صغيرة جدًا، ثم تُطحن أو تُفتت لزيادة مساحة السطح. بعد ذلك تُستخدم مذيبات عضوية أو محاليل حمضية أو قاعدية لاستخلاص المركبات الكيميائية المحبوسة داخل الكيراتين. وتُعرف هذه المرحلة بعملية الاستخلاص (Extraction)، وهي من أهم مراحل التحليل الكيميائي.
وفي المختبر تُفصل المركبات المستخلصة باستخدام الكروماتوغرافيا الغازية (Gas Chromatography – GC) أو الكروماتوغرافيا السائلة عالية الأداء (High Performance Liquid Chromatography – HPLC)، حيث تنفصل المواد بحسب خواصها الكيميائية مثل القطبية، والذوبانية، والتطاير.
بعد الفصل، تُحلل المركبات بواسطة مطياف الكتلة (Mass Spectrometry – MS)، وهو جهاز بالغ الحساسية يقيس نسبة الكتلة إلى الشحنة (Mass-to-Charge Ratio – m/z) لكل جزيء. ويمنح كل مركب نمطًا طيفيًا مميزًا يشبه بصمة الإصبع، مما يسمح بالتعرف عليه بدقة حتى عند وجوده بتراكيز لا تتجاوز البيكوغرام (Picogram)، أي جزءًا من تريليون الغرام.
وفي كثير من الحالات لا يبحث المختبر عن المادة المخدرة نفسها فقط، بل يبحث أيضًا عن نواتج أيضها (Drug Metabolites)، لأنها تمثل دليلًا أقوى على أن المادة دخلت الجسم وخضعت لعمليات الأيض داخل الكبد، وليس مجرد تعرض خارجي لها.
ومن المزايا المهمة لتحليل الشعر أنه يصعب التلاعب بنتائجه مقارنة بتحليل البول، كما أنه يكشف التعاطي المزمن أو المتكرر، ويُستخدم على نطاق واسع في الطب الشرعي، والتحقيقات الجنائية، ومراقبة علاج الإدمان، وبعض الفحوصات المهنية التي تتطلب التأكد من خلو الشخص من تعاطي المخدرات.
ومع ذلك، توجد عوامل قد تؤثر في كمية المادة المكتشفة داخل الشعر، مثل لون الشعر، ومعدل نموه، وبعض المعالجات الكيميائية كالصبغات أو مواد الفرد، إلا أن المختبرات الحديثة تأخذ هذه العوامل في الحسبان عند تفسير النتائج.
ومن الناحية الكيميائية، يُعد الشعر بمثابة أرشيف حيوي يحتفظ بالجزيئات التي مرت عبر الدم أثناء تكوينه، ولذلك فإن كل شعرة تحمل معلومات كيميائية عن مرحلة زمنية محددة من حياة الإنسان. وهذا ما جعل تحليل الشعر من أكثر الوسائل تطورًا في علوم السموم والطب الشرعي، حيث يجمع بين الكيمياء الحيوية، والكيمياء التحليلية، وتقنيات الفصل والطيف الكتلي للوصول إلى نتائج تتمتع بدرجة عالية من الدقة والموثوقية.
إن تحليل الشعر لا يعتمد على التخمين أو المظهر الخارجي، بل على قراءة البصمة الكيميائية المحفوظة داخل ألياف الكيراتين. فهو مثال متميز على قدرة الكيمياء الحديثة على استخراج معلومات دقيقة من عينات بسيطة، وتحويل خصلة شعر واحدة إلى سجل زمني يكشف تاريخ التعرض للمواد المخدرة، ويخدم العدالة والطب والصحة العامة في آنٍ واحد.







محمد عبد السلام
منذ اسبوعين
أبنائي الطلبة
عناوين أم عنوانات؟
مخاطر سهولة النشر ومجانية التواصل
EN