في زيارةٍ خاطفة لأحد الأصدقاء قبل أيام، استوقفه مشهدٌ في زاوية من مكتبتي الصغيرة؛ رفوفٌ تغصّ بكتبٍ منوعة، وملفاتٌ تضم أرشيفاً صحفياً ممتداً لنحو ستة عشر عاماً، يحمل بين صفحاته مقالاتٍ وخواطرَ وبحوثاً وتأملاتٍ جادت بها لحظات الكتابة. كان المشهد بالنسبة إليه أشبه بخزانةٍ تحفظ سنواتٍ طويلة من الأفكار والمواقف والذكريات، فلم يخفِ دهشته وهو يتأمل هذا الكم من الأوراق، ثم بادرني بسؤالٍ يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في معناه: **"لماذا كل هذا النشر؟ وما الداعي له والغاية منه؟"**
كان السؤال يستحق التأمل؛ لأن الكتابة عند البعض قد تبدو عملاً زائداً عن الحاجة، خصوصاً في زمنٍ أصبح فيه تدفق المعلومات سريعاً إلى درجة أن ما يُنشر اليوم قد يطويه النسيان غداً. فما قيمة مقالٍ يُكتب، أو فكرةٍ تُدوَّن، أو تجربةٍ تُحفظ بين دفتي كتاب؟ وهل النشر مجرد بحثٍ عن حضورٍ أو رغبةٍ في أن يقرأ الآخرون أسماءنا؟
لكن الحقيقة أن الكتابة أعمق من ذلك بكثير. فالإنسان منذ أن عرف الحرف لم يكتفِ بأن يعيش الأحداث، بل أراد أن يترك لها شاهداً. فالكلمات هي محاولة الإنسان لمقاومة الفناء؛ ليست مقاومةً للجسد، بل للأفكار والمشاعر والتجارب التي قد تضيع إن لم تجد طريقها إلى الورق. وما يكتبه الإنسان ليس بالضرورة بحثاً عن الشهرة، بل قد يكون بحثاً عن المعنى.
إن الكاتب حين ينشر لا يقول: "انظروا إليّ"، بل يقول في كثير من الأحيان: "انظروا إلى هذه الفكرة، لعلها تنفع، أو هذه التجربة، لعلها تضيء طريقاً لأحدهم". فالكتابة حوارٌ مفتوح بين عقلٍ وعقول، وبين تجربةٍ وتجارب أخرى. وقد يقرأ شخصٌ مقالاً بعد سنوات من نشره، فيجد فيه إجابةً عن سؤالٍ كان يؤرقه، أو عزاءً في لحظةٍ صعبة، أو فكرةً لم تكن تخطر له من قبل.
ثم إن النشر ليس دائماً مرتبطاً بعدد القرّاء؛ فالقيمة لا تُقاس دائماً بالانتشار. هناك كتبٌ لم يعرفها كثيرون لكنها تركت أثراً عميقاً في نفوس قلةٍ قرأتها. وهناك كلماتٌ بسيطة بقيت في ذاكرة إنسان واحد، وكانت سبباً في تغيير موقف أو تصحيح فكرة أو استعادة أمل.
أما ذلك الأرشيف الممتد لسنوات، فهو ليس مجرد أوراقٍ متراكمة، بل هو سجلّ رحلة. كل مقالٍ فيه يمثل مرحلةً فكرية وشعورية؛ يحمل أسئلة تلك المرحلة، وهمومها، وأحلامها، ونظرتها إلى الإنسان والحياة. فالكاتب لا يجمع الأوراق لذاتها، بل يحتفظ بشهاداتٍ على مسيرته؛ ليعرف كيف كان يفكر، وكيف تغير، وما الذي بقي ثابتاً في داخله.
قد يكتب الإنسان لأنه لا يستطيع أن يصمت أمام مشهدٍ يؤلمه، أو فكرةٍ تشغله، أو قيمةٍ يؤمن بها. بعض الناس يعبّرون عن أنفسهم بالرسم، وآخرون بالموسيقى، وغيرهم بالعمل والعطاء، أما الكاتب فيجد صوته في الكلمات. فإذا رأى ظاهرةً اجتماعية حاول فهمها، وإذا لمس خللاً حاول التنبيه إليه، وإذا عاش لحظةً جميلة حاول تخليدها بالحرف.
والنشر أيضاً مسؤولية؛ لأنه يعني إخراج الفكرة من حدود صاحبها إلى فضاء الآخرين. ولذلك لا ينبغي أن يكون الهدف مجرد ملء الصفحات، بل تقديم شيءٍ له قيمة: فكرة نافعة، أو موقف صادق، أو تجربة إنسانية، أو سؤال يفتح باب التفكير. فالكلمة التي تُكتب بلا هدف تشبه صوتاً عابراً، أما الكلمة التي تحمل رسالة فقد تبقى أطول من عمر صاحبها.
ولعل أجمل ما في الكتابة أنها تمنح الإنسان فرصةً أخرى للحياة؛ فالأيام تمضي، واللحظات تنتهي، لكن ما يُكتب بإخلاص يبقى شاهداً على أن صاحبه مرّ من هنا، فكّر، وتأمل، وحاول أن يضيف شيئاً ولو كان صغيراً إلى هذا العالم.
لذلك، لم تكن تلك الرفوف الممتلئة مجرد مجموعة كتبٍ ومقالات، بل كانت خريطة طريقٍ لسنوات من التأمل والمحاولة. أما الغاية من النشر فلم تكن يوماً جمع الأعداد أو مطاردة الأضواء، وإنما كانت محاولة بسيطة للإسهام في صناعة الوعي، وحفظ الأفكار، وترك أثرٍ طيبٍ قد يصل إلى قارئٍ لا أعرفه، في زمنٍ لا أعرفه.
فربما يمضي الكاتب، لكن كلماته تواصل السير. وربما يغيب الصوت، لكن الصدى يبقى. وهنا تكمن الإجابة الحقيقية عن سؤال الصديق: **نكتب لأن بعض الأشياء تستحق أن تُقال، ولأن الإنسان لا يريد أن يعيش فقط… بل يريد أن يترك أثراً يدل على أنه عاش.







محمد عبد السلام
منذ يومين
مخاطر سهولة النشر ومجانية التواصل
كيف تجتهد في دراستك؟
٦ × ٦ = ٣٢
EN