بسم الله الرحمن الرحيم
(ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) / (الحج: 32)
ما الهدف من إحياء ذكرى عاشوراء؟
لقد دأبت جميع الامم على تعظيم الحوادث سواء أكانت تلك الحوادث مرتبطة بأشخاص كان لهم دور في التقدم العلمي للمجتمع كالعلماء والمخترعين, أم كانت متعلقة بأشخاص كان لهم دور في انقاذ مجتمعاتهم سياسياً واجتماعياً؛ فإعادة ذكرهم إنّما هو من باب العرفان بالجميل لهذه الشخصيات, وعرفان الجميل من الأمور الفطرية التي أوجدها الله تعالى في النفس البشرية، " لان القُلُوبُ جُبِلَتِ على حُبِّ مَنْ أحسَنَ إليها و بُغْضِ مَنْ أساءَ إليها ".
فتعظيم الحوادث والأحداث (سواء كانت انتصارات، أو كوارث، أو ذكريات شخصية ووطنية) هو ظاهرة اجتماعية ونفسية تشترك فيها جميع الأمم.
لماذا تعظم الأمم الحوادث والأشخاص؟
صناعة الهوية: تستخدم الأمم الأحداث التاريخية والشخصيات البارزة كرموز لتوحيد صفوف المجتمع وبناء هوية وطنية مشتركة.
استخلاص العبر: التعظيم ليس مجرد احتفال بالماضي، بل هو وسيلة لتمرير القيم والمبادئ (مثل الشجاعة، التضحية، أو الصمود) للأجيال القادمة.
الحاجة للقدوة: ربط الأحداث بأشخاص معينين يمنح الأفراد "نماذج عليا" يحتذون بها في حياتهم اليومية.
التوثيق والذاكرة الجمعية: تحويل الذكريات إلى تواريخ ومناسبات دورية يحمي تاريخ الأمة من النسيان.
ونحن عندما نريد القيام بعمل ما نلاحظ ان الدافع لهذا العمل امران العلم والعاطفة، وهما يشكلان معاً قطبي الرحى في أي عمل بشري، حيث يمثلان "المحرك" و"الموجه" لكل إنجاز نقوم به. وكيف يتكاملان معاً لصناعة النجاح:
فالعاطفة (المُحرّك): هي الوقود والشغف الذي يمنحك الطاقة الأولية للبدء. العاطفة هي ما يجعلك تشعر بأهمية الهدف، وتتحمل الصعاب، وتستمر في الأوقات الصعبة.
والعلم (المُوجّه): هو الخريطة التي ترسم لك الطريق السليم للوصول. العلم يمنحك التخطيط الدقيق، والمهارات العملية، والمنهجية الصحيحة لتنفيذ عاطفتك وتحويلها إلى واقع ملموس ونتائج ناجحة دون هدر للوقت أو الجهد.
التوازن المثالي:
عاطفة بلا علم: قد تقود إلى الحماس الزائد الممزوج بالتخبط، مما قد يؤدي إلى نتائج عكسية أو الفشل.
علم بلا عاطفة: قد يجعل العمل جافاً، روتينياً، ويفتقر إلى الإبداع أو الدافع الحقيقي للاستمرار.
عندما يلتقي القلب الذي يحب ما يفعله ويؤمن به، مع العقل الذي يدرك كيف يفعله بأفضل وأدق الطرق؛ يتحقق الإنجاز العظيم لأداء اعمال مشابهة للاعمال التي قام بها سيد الشهداء عليه السلام فيكون الامام الحسين عليه السلام قدوة لنا فكرا وعقلا وعملا، فعلمك بأهمية الشعائر الحسينية في احياء الدين يدفعك لتعظيمها والعاطفة تدفعك لممارستها والحفاظ عليها لأنها أسهمت في سعادة البشرية وميزت بين الحق والباطل.
وفي إضافة كلمة الشعيرة إلى الله تعالى نسبةً وتشريفاً خاصّين، يعبّران عن حقيقة هذه الشعائر الدينية عموماً، والحسينية خصوصاً.
[أَتَى أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَ السَّلَامِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصاً.
فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا هَذِهِ الْعَصَا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا بَلَغَ بِكَ مِنَ السِّنِّ مَا كُنْتَ تَحْتَاجُ بِهِ إِلَيْهَا؟
قَالَ: "أَجَلْ، وَ لَكِنَّهَا عَصَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَبَرَّكَ بِهَا".
قَالَ: أَمَا إِنِّي لَوْ عَلِمْتَ ذَلِكَ وَ أَنَّهَا عَصَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله لَقُمْتُ وَ قَبَّلْتُهَا.
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "سُبْحَانَ اللَّهِ ــ وَ حَسَر عَنْ ذِرَاعِهِ وَ قَالَ ــ وَ اللَّهِ يَا نُعْمَانُ لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله وَ مِنْ بَشَرِهِ فَمَا قَبَّلْتَهُ"!
فَتَطَاوَلَ أَبُو حَنِيفَةَ لِيُقَبِّلَ يَدَهُ فَأَسْبَلَ عليه السلام كُمَّهُ وَ جَذَبَ يَدَهُ وَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ ].
السؤال هنا تقبيل العصا كان لأنها عصا مجردة أو لأنها عصا رسول الله صلى الله عليه وآله.
وفي اضافة الشعائر الى الله عزوجل إشارات:
1- الإخلاص والتوجّه إلى الله تعالى بها: فإنّ انتساب الشعيرة إلى الله تعالى، يدلّ على ضرورة قصد طاعته من خلال العمل بها، فمحور هذه الشعائر هو الله تعالى، وإذا قُصد بها غيره، لم تعبّر عن شعيرة دينية، بل كانت شعيرة أخرى بدافع العادة أو العرف أو القبلية ونحوها.
2- الهدف من الشعائر دينيّ: بمعنى أنّ أيّ شعيرة من الشعائر الإلهية، ومنها الحسينية، تساهم في توجيه الناس نحو الله تعالى الواحد الأحد. فإنّ تعظيم شعيرة من شعائر الحسين عليه السلام بما تمثّل من إحياء لذكر وليّ الله وحجّته على خلقه، يربط الناس بالله تعالى الذي يُنتسب إليه ويُرجع إليه.
3- تعظيم الشعائر: إنّ المطلوب تعظيم الشعائر وتقديسها، والتعامل معها بنوع خاصّ من الاهتمام والاحترام، لأنّها تنتسب إلى الله تعالى، شأنها في ذلك شأن سائر المقدّسات التي تنتسب إليه سبحانه.
4- تقوى القلوب: إنّ لهذه الشعائر أثرها الخاص على الإنسان، بما تتركه على قلبه من علاقة بالله تعالى. والتعبير في الآية بـ ﴿تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ فيه إشارة خاصّة، ففرق بين أن تكون التقوى في الأفعال والأعمال، وبين أنْ تكون في القلب فقط، فللشعائر دورها في ترسيخ العلاقة القلبية مع الله تعالى لان القلب حرم الله، فلا تسكن في حرم الله غيره.
"إذا كانت الدمعة تطهر القلب، فكيف ينعكس هذا الطهر في تعاملنا السوق؟ في الشارع؟ في الهاتف؟ تقوى القلوب التي تصنعها عاشوراء يجب أن تتحول إلى (أمانة) في المعاملة المادية، و(صدق) في الحديث، و(حياء) في الفضاء الرقمي".
إحياء شعائر سيّد الشهداء عاملٌ لإحياء الدّين
أنّ الإمام الحسين عليه السلام لو لم يقم بشكل قاطع ضدّ يزيد لما بقي في الأساس لا اسم الدّين ولا رسمه، قال عليه السلام: (وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمّة براع مثل يزيد).
وعليه من البديهي أنّ المحافظة على ثقافة عاشوراء وقيمها وتاريخ كربلاء من خلال إقامة شعائر سيّد الشهداء ستُساهم في بقاء الدّين وحفظه أيضاً.
وعن الإمام أبي جعفر [عليه السلام] قال : «من لم يعرف سوء ما أُوتي إلينا من ظلمنا وذهاب حقنا, وما رُكبنا به ، فهو شريك من أتى إلينا فيما ولينا به».
لأن معرفة ما عانوه من ظلم واضطهاد عبر التاريخ وصبرهم على الأذى في جنب الله . تزيد في صفاء الروح ، ثم هي تعرفنا بهم ، وبأسرارهم ، ومراتبهم ، وتعرفنا بوليهم ، فنواليه ، وبعدوهم فنعاديه .
وكما لابد من معرفة الحق وأهله ، بهدف اتباع الحق ، والاندماج بأهله ، والتعاون معهم على البر والتقوى . . كذلك لابد من معرفة الباطل ، لأجل التمكن من اجتنابه ، والحذر من أهله ، والدعاة له ، والحريصين عليه . . حتى لا نكون سبباً في قوتهم . . أو حتى لا نفقد القوة من خلال الذوبان فيهم . .
وأيضا فإن معرفة ما عاناه أهل البيت من ظلم واضطهاد في سبيل إعلاء كلمة الله ، والوقوف على حقيقة صبرهم ، ومداه من أجل الحق والدين ، لا شك أنه مفيد جداً بل ضروري لكل مسلم يريد أن يعيش الإسلام بكل آفاقه ، ويكون على بصيرة من أمره ، ويعيش بعمق معاني التولي لأولياء الله ، والبراءة من أعداء الله .
وقد اتفقت الكلمة على ان النبي الأعظم صلى الله عليه واله وسلم اول من بكى على الامام الحسين عليه السلام، عندما أنبأه جبريل عليه السلام بمقتل الامام الحسين ومكان استشهاده. حتى عد صاحب كتاب تاريخ النياحة على الامام الحسين عليه السلام 18 مجلساً في حياة رسول الله صلى الله عليه واله.
من النصوص التي تحدثت عن الشعائر الحسينية، رواية مسمع بن عبد الملك كردين البصري قال:
قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا مسمع أنت من أهل العراق أما تأتي قبر الحسين (عليه السلام)، قلت: لا انا رجل مشهور عند أهل البصرة، وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة وعدونا كثير (أعداؤنا كثيرة) من أهل القبائل من النصاب وغيرهم، ولست آمنهم ان يرفعوا حالي عند ولد سليمان فيمثلون بي .
قال لي: أفما تذكر ما صنع به، قلت: نعم، قال: فتجزع، قلت: اي والله واستعبر لذلك حتى يرى أهلي اثر ذلك علي فامتنع من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي، قال: رحم الله دمعتك، أما انك من الذين يعدون من أهل الجزع لنا والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا ويأمنون إذا آمنا، أما انك سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيتهم ملك الموت بك وما يلقونك به من البشارة أفضل، وملك الموت ارق عليك وأشد رحمة لك من الام الشفيقة على ولدها.
قال: ثم استعبر واستعبرت معه، فقال(عليه السلام): الحمد لله الذي فضلنا على خلقه بالرحمة وخصنا أهل البيت بالرحمة ، وما بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا الا رحمه الله قبل ان تخرج الدمعة من عينه، فإذا سالت دموعه على خده فلو ان قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرها حتى لا يوجد لها حر، وان الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض.
والحديث في ثلاثة نقاط :
الأولى: برنامج التفاعل مع الموسم العاشورائي كما ورد في رواية مسمع .
أولا الاستذكار :
الاستذكار بمصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) يهدف إلى تخليد تضحياته، وإحياء ذكرى ثورته ضد الظلم، واستلهام الدروس والعبر من هذه الملحمة، وتعزيز القيم الإسلامية والإنسانية التي جسدها الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه.
تخليد الذكرى: الاستذكار يحافظ على ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) حية في قلوب المسلمين، ويمنع نسيان تضحيته العظيمة من أجل الإسلام وقيمه، أي جعل مصائب سيد الشهداء حاضرة حية وكأنها وقعت امام عيني الانسان.
إحياء الثورة:من خلال الاستذكار، يتم إحياء ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ضد الظلم والطغيان، وتجديد العهد على المضي قدماً في نهجه القائم على الحق والعدل.
استلهام الدروس: الاستذكار يقدم فرصة للتأمل في أبعاد القضية الحسينية، واستخلاص الدروس والعبر من مواقف الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه، مما يساهم في بناء شخصية إسلامية واعية ومؤمنة.
تعزيز القيم: تساهم مجالس العزاء والذكرى في ترسيخ قيم التضحية، والإيثار، والعدل، والصبر، والزهد، وغيرها من القيم الإسلامية والإنسانية التي جسدها الإمام الحسين (عليه السلام).
التقرب إلى الله: البكاء على مصاب الإمام الحسين (عليه السلام) فيه أجر وثواب عظيم، وهو وسيلة للتقرب إلى الله تعالى وإظهار المحبة لآل البيت النبوي. هذه الأمور كلها تقودنا الى الخطوة الثانية الا وهي التوجع.
ثانيا : التوجّع لمصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) هو تعبير عن الحزن والأسى على مأساة استشهاده في كربلاء. يمثل هذا التوجع جزءًا من التعاطف مع أهل البيت عليهم السلام وتجديد العهد مع مبادئهم وقيمهم التي ضحوا من أجلها.
يقول الامام الصادق عليه السلام (وان الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض)، وكيف تكون الخطوة الثانية هي التوجع؟
نقول استذكار الاحداث هو فعل اختياري لابد ان يكون له هدف بمعنى، لا يتم استذكار الأحداث بشكل عشوائي، بل يجب أن يكون هناك دافع أو غاية من وراء ذلك. قد يكون الهدف هو التعلم من الماضي، أو فهم الحاضر، أو التخطيط للمستقبل، أو حتى مجرد التذكر والاحتفاظ بالذكريات. فعندما تستذكر توجع قلبك فتتألم لمصيبة الإمام الحسين (ع)، وتتخيل مصرعه. فتصل الى الغاية الأساسية من ذرف الدموع هي جلاء القساوة من قلبك، لأن القلب عرش الرحمن، فعندما ينشغل القلب بالدنيا الدنية يقسو ولا يذرف الدمع على من يحب..
ألا وإن الحسين علية السلام باب من أبواب الله تعالى، فترك الدنيا إفراغ للقلب، فتقف على باب الله وتبكي إلى الوصال إليه سبحانه.
والثالثة الاستعبار.
قال مسمع (واستعبر لذلك حتى يرى أهلي اثر ذلك عليّ)، يعني مو دمعة عابرة، بل يبكي حتى يظهر اثر البكاء على وجهه.
فقال له الامام عليه السلام: (رحم الله دمعتك...، ما بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا الا رحمه الله قبل ان تخرج الدمعة من عينه).
ومن يرحمه الله لا يعذبه بالنار.
الأخيرة الجزع.
وهو عَدَمُ احتِمالِ الشِّدَّةِ، وهو نقيضُ الصَّبرِ ومعناهُ إظهارُ الحزنِ عند المصيبةِ والتعبيرُ عنه بمثلِ اللطمِ والبكاءِ بصوتٍ عالٍ، وهو مرجوحٌ بلا ريبٍ عندما تكونُ المصيبةُ شخصيَّةً، وأمَّا عندما يكون الجزعُ على الحسين (ع) فذلك راجحٌ ومندوبٌ إليه، فعن أبي عبد الله (ع) قال: سمعتُه يقول: "إنَّ البكاءَ والجزعَ مكروهٌ للعبد في كلِّ ما جزع ما خلا البكاءَ على الحسينِ بن عليٍّ (ع) فإنَّه فيه مأجور.
"الجزع الشخصي (على موت قريب مثلاً) هو استسلام للمصيبة وينتهي باليأس. أما الجزع على الحسين (ع) فهو (رفض وثورة وغضب مقدس) ضد الظلم والفساد؛ إنه ليس جزع ضعف، بل هو جزع القوة والولاء الذي يجدد في الأمة رفضها لكل يزيد في كل عصر".
والامام عليه السلام قال لمسمع: (رحم الله دمعتك، أما انك من الذين يعدون من أهل الجزع لنا والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا).
الثانية: العلاقة بين الشعائر الحسينية والرحمة الإلهية.
قال الله تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.آل عمران:132/3
كلمة "رحمة" في اللغة بمعنى الرقة والرأفة واللطف، والرفق والعطف والحب والشفقة، والتحنن والمواساة، وأمثال ذلك، والحق أن هذه المعاني مقدمات تسبق الرحمة، لأن المرء حينما يشاهد مشهداً مؤلماً ومروّعاً يتأثر به، وعلى إثر هذا التأثر النفسي يبدي التعاطف والرأفة، ويبذل للمصاب المتألم المواساة والعون، هذه المواساة والعون تسمى "الرحمة".
وإذا ما أضيفت "الرحمة" إلى الله تعالى فهي بمعنى "البذل والتفضل واللطف"، ولا تضاف إليه تعالى الرقة وغيرها من المقدمات لأنها انفعالات نفسية.
والمعنى الجامع لـ "الرحمة" الذي يصح نسبته إلى الله وإلى مخلوقه معاً هو "الاعطاء والإفاضة لقضاء حاجة المحتاجين"، فكل نعمة من نعم الله غير المتناهية، كالرسالة والإمامة والشريعة والكتاب وأمثالها ـ مما له أثر في هداية الإنسان ـ مصداق للرحمة الإلهية.
وهذه الرحمة أيضا من الله تعالى كما صرح به تعالي لنبيه محمد حيث قال: فبما رحمة من الله لنت لهم ..
يعني لو اردت أن تشملك الرحمة الالهية فعليك أن تطيع حجة الله على الخلق‘ و اذا اطعت الرسول صلى الله عليه واله والائمة عليهم السلام يشملك الله ومن اتبعك برحمته وألطافه الواسعة.
لأن الإمام عليه السلام مضافا الى أنه هو السبب المتصل بين الأرض والسماء‘ و أنه هو الرابط بين الخالق وخلقه‘ وهو الذي به رُزق الورى‘ و هو الذي به ثبتت الارض و السماء‘ وهو الذي تختلف اليه الملائكة و تنزل عليه الروح ‘ و هو كلمة الله التامة‘ و هو الذي فيه اوصافا عديدة أخر لا يمكن لنا احصاوها، مضافا الى ذلك أن الامام(ع) رحيم بالخلق كالأب الرحيم بل هو أشد وأكثر!
فالامام الحسين هو باب رحمة الله الواسعة وباب نجاة الأمة.
أن الامام الحسين(ع) ونهضته رحمة من ألفها إلى يائها، كان رحمة في وجوده بين الخلق و في مقاصده وغاياته، ورحمة في حركاته وسكناته، رحمة عامة في جانبها الرحماني تشمل حتى العدو، ورحمة خاصة في جانبها الرحيمي مختصة بالمؤمنين به وبأصحابه وشيعته ومحبيه.
ومن يقرأ رواية مسمع بن عبد الملك يلتفت الى شيء غريب وهو تركيز الامام الصادق على اثارة مسالة الرحمة: رحمة المؤمن لأهل البيت عليهم السلام.
تعني تعاطفه معهم، وتقديره لمكانتهم، واتباع منهجهم في الحياة. هذا يشمل الإيمان بولايتهم، والعمل بأوامرهم ونواهيهم، وتعظيمهم وتقديسهم، والسير على نهجهم في العبادة والأخلاق.
رحمة اهل البيت للمؤمنين، ينابيع الرحمة هم أئمة أهل البيت عليهم السلام مظاهر تامة لمن هو {ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} الانعام/147، وورثة من هو {رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} الأنبياء/107، فينابيع الرحمة تفيض في بيوتهم ومنها تجري إلى سواهم، ومن مدرستهم يجب أن نتعلم دروس الرحمة والعطف والصفح والمحبة، لأن إحسان وكرم الناس لبعضهم البعض مقرون عادة بتوقع الرد بالمثل والشكر و...لكن رحمة أهل البيت وتفضلهم خالص لله تعالى، وغير مقرون بانتظار المثل والشكر والعرفان من أي أحد، فكما أن الله سبحانه برأ برحمته الواسعة الموجودات وأمدها بحاجياتها، ولا ينتظر من أحد جزاء ولا شكوراً، كذلك هم أهل البيت لأنهم مظاهر رحمة الله الواسعة، يقضون الحوائج المادية والمعنوية لمخلوقاته، ولا يبتغون من أحد جزاء شخصياً ولا شكوراً.
طرق نيل الرحمة الخاصة.
رحمة أهل البيت عليهم السلام وإن كانت رحمة عامة، تتدفق كالسيل الجاري، يروي عطاشى الوادي، وكالشمس تنشر أشعتها في كل مكان، لتهدي بنورها ناشدي النور، إلا الإنتفاع منها خاص بمن يكون في وادي السيل وفي معرض شعاع نور الشمس، وأما من ينأى بنفسه عن السيل أو يحتمي بالظل، اشبه بشاب قد يكون مغموراً برحمة مجالس الحسين عليه السلام، لكنه يضع (جدار حماية) أو (Block) لقلبه من خلال الإصرار على ذنب معقد أو الانغماس الكامل في المادية؛ فيصبح كالهاتف الذي يتواجد في منطقة تغطية شبكية هائلة (Full Coverage) لكنه مفعّل على (وضع الطيران Airplane Mode)، فلا يستقبل أي إشارة هداية!".
قال النبي(ص): "أوحى الله عز وجل إلى داود عليه السلام: يا داود! كما لا تضيق الشمس على من جلس فيها، كذلك لا تضيق رحمتي على من دخل فيها".
ولذا فإن رؤية ظاهر المعصوم وإن كانت فخراً وشرفاً، لكن ليست بتلك الأهمية، إذ إن كثيراً من الناس رأوه بالعين الظاهرية بل وصلّوا خلفه، لكنهم شهروا الخنجر في وجهه بعد الصلاة! كبعض جند جيش الحر الذين صلوا بصلاة الإمام الحسين عليه السلام، ومن بعد قاتلوه، أو بعض من رأى النبي(ص) وصلّوا خلفه، وقاتلوا مدة معه، بيد أنهم ارتدّوا بعده وشهروا سيف الحرب في وجه خليفته، في حروب الجمل وصفين والنهروان.
الأمر المهم أن نتمكن من رؤية الشخصية المعنوية للمعصومين كي ينظروا إلينا.
والمهم أن نضع أنفسنا في وادي سيل رحمتهم، لتشملنا فواضل جودهم وعواطفهم المتلألئة، وإلا فمن الممكن ألا يحظى البعض حتى بالنظر التشريفي من تلك الذوات المقدسة، وهم الشهود على أعمال الأمة كلها، مثلما أن الله سبحانه لا ينظر كذلك إلى البعض ولا يكلمهم: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} آل عمران:77،
مع أن العالم بأسره في محضره، ولا شيء يغيب عن بصره النافذ: {إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} الحج: 17
إن أعظم شيء يضع المرء في نطاق النظر التشريفي للمعصومين هو أن يسرّوا بما يروه في صحيفة أعمالنا حينما تعرض عليهم وتصل إليهم، بأن تكون حافلة بالأعمال الصالحة وخالية من الطالحة، فحينئذ سيدعون للصالح وينظرون إليه بعين الرحمة والعطف.
الثالثة: تعدّد واختلاف آثار الشعائر الحسينية.
أنّ الله - تبارك وتعالى - جعل قلوب بعض الناس - وهم المؤمنون الطيّبون الطاهرون - تحنّ إليهم بالحبّ والولاء، وتشتاق إلى لقائهم في الدنيا والآخرة، وهذا الحنين والشوق إنّما نشأ من عالم الذّر، وعالم الأرواح، وعالم الطينة، لأنّ أبدان وأرواح محبّيهم وشيعتهم مخلوقة من فاضل طينتهم عليهم السلام.
فعن أبي حمزة الثماليّ، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: "إنّ الله عزّ وجلّ خلقنا من أعلى علّيّين، وخلق قلوب شيعتنا ممّا خلقنا منه، وخلق أبدانهم من دون ذلك، وقلوبهم تهوي إلينا، لأنّها خلقت ممّا خلقنا منه - ثمّ تلا هذه الآية - ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾3، وخلق عدوّنا من سجّين، وخلق قلوب شيعتهم ممّا خلقهم منه، وأبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إليهم، لأنّها خلقت ممّا خلقوا منه - ثمّ تلا هذه الآية - ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾4.
ورواية مسمع ذكرت ثلاثة من هذه الشعائر:
الجزع، قال عليه السلام (أما انك من الذين يعدون من أهل الجزع لنا والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا).
والاثر المترتب عليه، (أما انك سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيتهم ملك الموت بك وما يلقونك به من البشارة أفضل، وملك الموت ارق عليك وأشد رحمة لك من الام الشفيقة على ولدها).
التوجع. قال عليه السلام:( وان الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض).
البكاء. قال عليه السلام: (وما بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا الا رحمه الله قبل ان تخرج الدمعة من عينه)، لإنَّ البكاء على الإمام الحسين (ع) هو بكاءُ رفضٍ للجرأة على الله تعالى بقتلهم الامام الحسين عليه السلام واصحابه وسبيهم اهل بيت النبوة، فتنزل عليك الرحمة الإلهية قبل ان تخرج الدمعة من عينيك كرامة للحسين عليه السلام.
قال عليه السلام: (فإذا سالت دموعه على خده فلو ان قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرها حتى لا يوجد لها حر).
هذا الكلام فوق التصور ، فوق الخيال. دمعتك قبل ان تخرج كانت رحمة لك، لكن بمجرد ان تسيل على خدك هي رحمة لك ولغيرك.
الخاتمة.
عَنِ الرِّضَا (عليه السَّلام ) ـ فِي حَدِيثٍ ـ أَنَّهُ قَالَ لَهُ:
"يَا ابْنَ شَبِيبٍ: إِنْ كُنْتَ بَاكِياً لِشَيْءٍ فَابْكِ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ( عليه السَّلام )، فَإِنَّهُ ذُبِحَ كَمَا يُذْبَحُ الْكَبْشُ، وَ قُتِلَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ شَبِيهُونَ، وَ لَقَدْ بَكَتِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَ الْأَرَضُونَ لِقَتْلِهِ.
يَا ابْنَ شَبِيبٍ: إِنْ بَكَيْتَ عَلَى الْحُسَيْنِ (عليه السَّلام) حَتَّى تَصِيرَ دُمُوعُكَ عَلَى خَدَّيْكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ كُلَّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتَهُ، صَغِيراً كَانَ أَوْ كَبِيراً، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيراً.
يَا ابْنَ شَبِيبٍ: إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا ذَنْبَ عَلَيْكَ فَزُرِ الْحُسَيْنَ ( عليه السَّلام ).
يَا ابْنَ شَبِيبٍ: إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَسْكُنَ الْغُرَفَ الْمَبْنِيَّةَ فِي الْجَنَّةِ مَعَ النَّبِيِّ وَ آلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَالْعَنْ قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ.
يَا ابْنَ شَبِيبٍ: إِنْ سَرَّكَ أَنْ يَكُونَ لَكَ مِنَ الثَّوَابِ مِثْلُ مَا لِمَنِ اسْتُشْهِدَ مَعَ الْحُسَيْنِ فَقُلْ مَتَى مَا ذَكَرْتَهُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً.
يَا ابْنَ شَبِيبٍ: "إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُونَ مَعَنَا فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الْجِنَانِ فَاحْزَنْ لِحُزْنِنَا وَ افْرَحْ لِفَرَحِنَا وَ عَلَيْكَ بِوَلَايَتِنَا، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَحَبَّ حَجَراً لَحَشَرَهُ اللَّهُ مَعَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" .







محمد عبد السلام
منذ 3 ساعات
في رثاء العقيلة زينب (ع)
الموت من أجل الولادة
وفد المرجعية .. عمل دؤوب لا إعلام كذوب
EN