تُعد فلسفة الأربعين في الفكر الإنساني والديني محطةً للتحول، والاختبار، والتمحيص. فهي ليست مجرد رقم حسابي، بل هي ميقاتٌ تكتمل فيه الرؤية وتتجلى فيه حقائق النفوس. وعند المقارنة بين غيبة النبي موسى (ع) عن قومه لمدة أربعين ليلة، وبين مضي أربعين يوماً على شهادة القائد السيد علي الخامنئي قدس سره، نجد أنفسنا أمام مفارقة تاريخية كبرى تكشف جوهر الوعي الجمعي لدى الأمة.
أولاً: ميعاد موسى (ع).. فتنة العجل وسقوط الرهان
حين ذهب كليم الله موسى عليه السلام لميقات ربه، ترك خلفه قوماً رأوا بأعينهم معجزات انشقاق البحر وهلاك فرعون. ومع ذلك، لم تحتمل إرادتهم غياب القائد لأربعين يوماً فقط.
الغياب: كان غياباً مؤقتاً.
النتيجة: انهيار عقائدي سريع، استبدال التوحيد بعبادة العجل، والتمرد على وصي موسى (هارون عليه السلام).
الدرس: بنو إسرائيل جسدوا نموذج الأمة القلقة التي يرتبط إيمانها بوجود الحس المادي والمعجزة الملموسة، فبمجرد غياب العين الناظرة للقائد، انفرط عقد الثبات.
ثانياً: أربعون الخامنئي.. الثبات في مهب رياح الابتلاء
في المقابل، تأتي تجربة الشيعة اليوم بعد أربعين يوماً من فقدان وشهادة السيد علي الخامنئي، لتقدم للعالم نموذجاً مغايراً تماماً. ورغم الفارق الوجودي بين مقام النبوة ومقام القيادة، إلا أن المقارنة هنا تكمن في استجابة القاعدة الجماهيرية عند المنعطفات الكبرى.
الغياب: هو غياب الشهادة والفقد الجسدي النهائي، وهو اختبار أقسى وأشد وطأة من الغيبة المؤقتة.
الاستجابة: بدلاً من الارتداد أو التشتت، شهد العالم تلاحماً استثنائياً. خرجت الملايين لتجدد البيعة للمنهج والالتفاف حول خليفة القائد الولي الفقيه السيد مجتبى الخامنئي حفظه الله.
النتيجة: تحول الشهادة إلى طاقة استنهاض، واستمرت جبهات المقاومة في عطائها، وبقيت البوصلة تشير نحو حصن الإسلام دون انحراف.
ثالثاً: لماذا لم يكفر الشيعة كما كفر بنو إسرائيل؟
إن سر النجاح في هذا الاختبار يكمن في التربية العقائدية. فالشيعة، عبر تاريخهم الممتد من كربلاء إلى اليوم، تدربوا على مفهوم الارتباط بالنهج لا بالجسد.
بصيرة الانتماء: لم تكن علاقتهم بالسيد الخامنئي علاقة مع الشخص، بل كانت علاقة بالتكليف مع نائب الإمام الذي يمثل امتداداً للمشروع الإلهي.
الوعي بالعدو: أدرك الجمهور أن أي تراجع يعني ضياع تضحيات الأجيال، فكان الصبر والمرابطة هما الرد الوحيد الممكن.
فلسفة الشهادة: في مدرسة أهل البيت، الشهادة ليست نهاية، بل هي ولادة جديدة للمنهج، مما جعل الأربعين يوماً وقوداً للثورة لا رماداً للحزن.
لقد أثبت هذا الزمن أن الأمة التي تربت على نهج الحسين (ع) قد نضجت بما يكفي لتعبر الاختبار الذي سقطت فيه أمم غاب عنها أنبياؤها.
لقد برهن الشيعة أنهم أمة البصيرة التي لا تضل الطريق وإن غاب ربانها، لأن الخريطة محفورة في القلوب، والهدف أسمى من أن يزول برحيل الشخصيات العظيمة، ونحن هنا تحدثنا عن اربعين يوم فقط لشهادة نائب الامام وقد أثبت الشيعة فيها انهم أفضل من بني اسرائيل، فكيف لو حدثناكم عن الشيعة خلال مايقارب الـ 1200 عام من غيبة امام الزمان، اعتقد ان بنو إسرائيل لاشيء امام الشيعة.
والحمد لله رب العالمين







السيد رياض الفاضلي
منذ 3 ساعات
الاحتباس النفسي وكورونا
هي المواكب إن كنتَ تجهلها ..
بين الجامعة والوسط الأدبي
EN