جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى "وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" ﴿البقرة 23﴾ فإن قلت: ما معنى كون التأليف الكلامي بالغاً إلى مرتبة معجزة للإِنسان ووضع الكلام مما سمحت به قريحة الإِنسان؟ فكيف يمكن أن يترشح من القريحة ما لا تحيط به والفاعل أقوى من فعله ومنشئ الأثر محيط بأثره؟ وبتقريب آخر، الإِنسان هو الذي جعل اللفظ علامة دالة على المعنى لضرورة الحاجة الاجتماعية إلى تفهيم الإِنسان ما في ضميره لغيره فخاصة الكشف عن المعنى في اللفظ خاصة وضعية اعتبارية مجعولة للإِنسان، ومن المحال أن يتجاوز هذه الخاصة المترشحة عن قريحة الإِنسان حد قريحته فتبلغ مبلغاً لا تسعه طاقة القريحة، فمن المحال حينئذٍ أن يتحقق في اللفظ نوع من الكشف لا تحيط به القريحة وإلاَّ كانت غير الدلالة الوضعية الاعتبارية، مضافاً إلى أن التراكيب الكلامية لو فرض أن بينها تركيباً بالغاً حد الإِعجاز كان معناه أن كل معنى من المعاني المقصودة ذو تراكيب كلامية مختلفة في النقص والكمال والبلاغة وغيرها، وبين تلك التراكيب تركيب هو أرقاها وأبلغها لا تسعها طاقة البشر، وهو التركيب المعجز، ولازمه أن يكون في كل معنى مطلوب تركيب واحد إعجازي، مع أن القرآن كثيراً ما يورد في المعنى الواحد بيانات مختلفة وتراكيب متفرقة، وهو في القصص واضح لا ينكر، ولو كانت تراكيبه معجزة لم يوجد منها في كل معنى مقصود إلاَّ واحد لا غير. قلت: هاتان الشبهتان وما شاكلهما هي الموجبة لجمع من الباحثين في إعجاز القرآن في بلاغته أن يقولوا بالصرف، ومعنى الصرف أن الإِتيان بمثل القرآن أو سور أو سورة واحدة منه، محال على البشر لمكان آيات التحدي وظهور العجز من أعداء القرآن منذ قرون، ولكن لا لكون التأليفات الكلامية التي فيها في نفسها خارجة عن طاقة الإِنسان وفائقة على القوة البشرية، مع كون التأليفات جميعاً أمثالاً لنوع النظم الممكن للإِنسان، بل لأن الله سبحانه يصرف الإِنسان عن معارضتها والإِتيان بمثلها بالإِرادة الإِلهية الحاكمة على إرادة الإِنسان حفظاً لآية النبوّة ووقاية لحمى الرسالة. وهذا قول فاسد لا ينطبق على ما يدل عليه آيات التحدي بظاهرها كقوله "قل فأْتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إنْ كنتم صادقين، فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله" (هود 13-14) الآية، فإن الجملة الأخيرة ظاهرة في أن الاستدلال بالتحدي إنما هو على كون القرآن نازلاً لا كلاماً تقوّله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن نزوله إنما هو بعلم الله لا بإنزال الشياطين كما قال تعالى: "أم يقولون تقوّله بل لا يؤمنون فليأْتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين" (الطور 233-234)، وقوله تعالى: "وما تنزّلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون" (الشعراء 210-212)، والصرف الذي يقولون به إنما يدل على صدق الرسالة بوجود آية هي الصرف، لا على كون القرآن كلاماً لله نازلاً من عنده، ونظير هذه الآية الآية الأخرى، وهي قوله: "قل فأْتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله" (يونس 38) الآية، فإنها ظاهرة في أن الذي يوجب استحالة إتيان البشر بمثل القرآن وضعف قواهم وقوى كل من يعينهم على ذلك من تحمّل هذا الشأن، هو أن للقرآن تأويلاً لم يحيطوا بعلمه فكذبوه، ولا يحيط به علماً إلاَّ الله فهو الذي يمنع المعارض عن أن يعارضه، لا أن الله سبحانه يصرفهم عن ذلك مع تمكنهم منه لولا الصرف بإرادة من الله تعالى.
كذا قوله تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً" (النساء 82) الآية، فإنه ظاهر في أن الذي يعجز الناس عن الإِتيان بمثل القرآن إنما هو كونه في نفسه على صفة عدم الاختلاف لفظاً ومعنىً، ولا يسع لمخلوق أن يأتي بكلام غير مشتمل على الاختلاف، لا أن الله صرفهم عن مناقضته بإظهار الاختلاف الذي فيه هذا، فما ذكروه من أن إعجاز القرآن بالصرف كلام لا ينبغي الركون إليه. وأما الإِشكال باستلزام الإِعجاز من حيث البلاغة المحال بتقريب أن البلاغه من صفات الكلام الموضوع، ووضع الكلام من آثار القريحة الإِنسانية، فلا يمكن أن يبلغ من الكمال حداً لا تسعه طاقة القريحة وهو مع ذلك معلول لها لا لغيرها، فالجواب عنه أن الذي يستند من الكلام إلى قريحة الإِنسان إنما هو كشف اللفظ المفرد عن معناه، وأما سرد الكلام ونضد الجمل بحيث يحاكي جمال المعنى المؤلف وهيئته على ما هو عليه في الذهن بطبعه حكاية تامة أو ناقصة وإراءة واضحة أو خفية، وكذا تنظيم الصورة العلمية في الذهن بحيث يوافق الواقع في جميع روابطه ومقدماته ومقارناته ولواحقه أو في كثير منها أو في بعضها دون بعض فإنما هو أمر لا يرجع إلى وضع الألفاظ بل إلى نوع مهارة في صناعة البيان وفن البلاغة تسمح به القريحة في سرد الألفاظ ونظم الأدوات اللفظية ونوع لطف في الذهن يحيط به القوة الذاهنة على الواقعة المحكية بأطرافها ولوازمها ومتعلقاتها. فها هُنا جهات ثلاث يمكن أن تجتمع في الوجود أو تفترق فربما أحاط إنسان بلغة من اللغات فلا يشذ عن علمه لفظ لكنه لا يقدر على التهجي والتكلم، وربما تمهّر الإِنسان في البيان وسرد الكلام لكن لا علم له بالمعارف والمطالب فيعجز عن التكلم فيها بكلام حافظ لجهات المعنى حاك لجمال صورته التي هو عليها في نفسه، وربما تبحر الإِنسان في سلسلة من المعارف والمعلومات ولطفت قريحته ورقت فطرته لكن لا يقدر على الإِفصاح عن ما في ضميره، وعيّ عن حكاية ما يشاهده من جمال المعنى ومنظره البهيج.
فهذه أمور ثلاثة أولها راجع إلى وضع الإِنسان بقريحته الاجتماعية، والثاني والثالث راجعان إلى نوع من لطف القوة المدركة، ومن البيّن أن إدراك القوى المدركة منا محدودة مقدّرة لا نقدر على الإِحاطه بتفاصيل الحوادث الخارجية والأمور الواقعية بجميع روابطها، فلسنا على أمن من الخطأ قط في وقت من الأوقات، ومع ذلك فالاستكمال التدريجي الذي في وجودنا أيضاً يوجب الاختلاف التدريجي في معلوماتنا أخذاً من النقص إلى الكمال، فأي خطيب أشدق وأي شاعر مفلق فرضته لم يكن ما يأتيه في أول أمره موازناً لما تسمح به قريحته في أواخر أمره؟ فلو فرضنا كلاماً إنسانياً أي كلام فرضناه لم يكن في مأمن من الخطأ لفرض عدم إطلاع متكلمه بجميع أجزاء الواقع وشرائطه (أولاً) ولم يكن على حد كلامه السابق ولا على زنة كلامه اللاحق بل ولا أوله يساوي آخره وإن لم نشعر بذلك لدقة الأمر، لكن حكم التحول والتكامل عام (ثانياً)، وعلى هذا فلو عثرنا على كلام فصل لا هزل فيه (وجدّ الهزل هو القول بغير علم محيط) ولا اختلاف يعتريه لم يكن كلاماً بشرياً، وهو الذي يفيده القرآن بقوله "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً" (النساء 82) الآية، وقوله تعالى "والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع إنه لقول فصل وما هو بالهزل" (الطارق 11-14). انظر إلى موضع القسم بالسماء والأرض المتغيرتين والمعنى المقسم به في عدم تغيّره واتكائه على حقيقة ثابتة هي تأويله (وسيأتي ما يراد في القرآن من لفظ التأويل)، وقوله تعالى "بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ" (البروج 21-22)، وقوله تعالى "والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلَّكم تعقلون * وإنه في أُم الكتاب لدينا لعلي حكيم" (الزخرف 2-4)، وقوله تعالى "فلا أُقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم * إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلاَّ المطهرون" (الواقعة 75-79)، فهذه الآيات ونظائرها تحكي عن إتكاء القرآن في معانيه على حقائق ثابتة غير متغيرة ولا متغير ما يتكي عليها.







السيد رياض الفاضلي
منذ 11 ساعة
العنوان سرّ الكتاب
العالَم يُكرِّم بابل الحَضارة والتَّاريخ، نَحْنُ والتَّاريخ والوَاقِع
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
EN