تذكرة الأكياس ومصدّات الغفلة ذكر الموت انموذجاً
إنَّ التفكّر في حقيقةِ الموتِ، وحثَّ الخُطى الواعيةِ نحو اليقينِ بوقوعِه، ورفعَ مستوى التّصديقِ القلبيّ بحتميّتِه، ليس بالأمرِ الهيّنِ إنصافاً؛ إذ يُعدُّ هذا الاستحضارُ بمثابةِ الهزّةِ لكيان الإنسان التي تضربُ أركانَ النّفسِ الجموح، تلك التي أَلِفت الركونَ إلى سُكرِ الآمالِ الطويلة.
وتبرزُ صعوبةُ هذا المسلكِ التربويّ في كونِه يقتضي قسراً قطعَ صِلاتِ النفسِ بنمطِها "العشوائيّ" وتفكيكَ قيودِ تعلّقها بالبهرجِ الزائل، وهو أمرٌ شاقٌّ ومُضنٍ لها؛ لأنّه يسلبُها "لذّة الذهول" ويضعُها وجهاً لوجه أمامَ حقيقتها العارية، مُذكّراً إيّاها بوعيدِ الحقِّ سبحانه في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [1].
بيدَ أنَّ هذا العناءَ النفسيَّ يُعدُّ استثماراً مثمراً من جهاتٍ شتّى؛ فهو البصيرةُ النافذةُ التي توصلُ السالك إلى معرفةِ حقائقِ الأشياءِ وتقديرِ قيمِ الأمورِ بوزنِها الواقعيّ لا ببريقها الموهوم. فبفهمِ الموتِ، ندركُ بعمقٍ معنى "زوالِ العرَضِ وبقاءِ الجوهرِ"، ونتعلّمُ كيفَ نميّزُ بينَ "الحطامِ الفاني" الذي يغطّيه القشرُ البرّاقُ في هذه الحياة، وبينَ الحقائقِ التي لا يبليها الزمان. إنَّ الموتَ هو الحقيقةُ الكبرى التي طالما أهملَها من سقط في بئرِ الغفلةِ، فباتَ يسيرُ في دروبِ الدنيا غائباً عن مآلِه، وقد جسّد أميرُ المؤمنينَ (عليه السلام) هذا الحالَ بدقّةٍ متناهيةٍ حين قال: «أَهْلُ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ» [2].
إنَّ المنهجَ الأخلاقيَّ الرصين يدعو إلى جعلِ "ذكرِ الموتِ" حضوراً دائمياً في يومياتِ المؤمنِ، كوضعِ الكفنِ في زوايا البيتِ، ليكونَ بمثابةِ "مصدٍّ نفسيّ" يقي الإنسانَ من عواصفِ الزيغِ ويحفظُ له توازنَ استقامتِه. إنَّ المعضلةَ تكمنُ في حاجتنا الملحّةِ لفهمِ أنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ، وهو اليقينُ الذي يغيبُ عن إدراكِ الكثيرينَ نتيجة الانشغالِ بالوسائلِ عن المقاصدِ، كما في المحكمِ الإلهيّ: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [3].
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه وكثرة ذكر الموت وأحذّركم الدنيا..."[4] فلا يختص الكلام بعمر دون عمر إنّما الوصية والكلام مع جميع الأعمار، وقرن الوصية بكثرة ذكر الموت مع الوصية بتقوى الله تعالى والتحذير من الدنيا يكشف لنا أهمّيّته العظيمة التي لا تقل عنهما.
فإنَّ استحضارَ الرحيلِ لا يبعثُ على اليأسِ، بل هو أقوى محفّزٍ للإنجازِ والكدحِ المثمرِ؛ فالعظماءُ إنّما فازوا لأنّهم أدركوا قصرَ المسافةِ التي وصفها مولى الموحّدين (عليه السلام) بقوله: «..مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ، وَأَبْعَدَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ لِانْقِطَاعِهِ عَنْهُ» [5]. إنَّ وعيَ الموتِ هو الّذي يهبُ الحياةَ قيمتَها، ويحوّلُ الوجودَ من عشوائيّةٍ عابرةٍ إلى استقامةٍ واعيةٍ نحو عالمِ الخلود.
●سيّد رياض الفاضليّ
الهوامش والمصادر:
[1] القرآن الكريم، سورة الجمعة، الآية ٨.
[2] نهج البلاغة، الشريف الرضي، الحكمة رقم ٦٤.
[3]بحار الأنوار، ج88، ص99.
[4] القرآن الكريم، سورة يونس، الآية ٥٥.
[5] نهج البلاغة، الشريف الرضي، من كلام له (عليه السلام) في صفة الموت، الخطبة ١٤٩.







السيد رياض الفاضلي
منذ ساعتين
رؤية المؤسسات الدولية للحوزة العلمية في النجف الأشرف
بغداد فرحة العرب
منهجية الإصلاح وتقويم الأمم
EN