مشايخ الوظيفة… حين ينتهي الدور وتتكشف الحقيقة
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
27/03/2025
في الشرق الأوسط، لا يكفي أن تلمع المدن حتى تُسمّى دولًا، ولا أن ترتفع الأبراج حتى تُصنع السيادة. فبين الدولة بوصفها نتاجًا تاريخيًا متراكمًا، والكيان بوصفه وظيفة ضمن نظام دولي، مسافةٌ لا تختصرها الأموال ولا تُجسرها التحالفات.
من هذا المنظور، يبدو صعود بعض مشايخ الخليج أقرب إلى “طفرةٍ وظيفية” منه إلى نشوءٍ طبيعي للدول.
لقد ظهرت هذه الكيانات إلى الواجهة بسرعة لافتة، دون أن تستند إلى تاريخ حضاري أو سياسي راسخ، أو تجربة سيادية مكتملة. فبدت كأنها منصات حديثة البناء، مُهيّأة لأداء أدوار اقتصادية وسياسية محددة، على رأسها إدارة تدفق النفط وتدوير عائداته ضمن المنظومة الغربية. ولم يكن هذا الدور خافيًا في أدبيات عدد من المفكرين الذين رأوا أن هذه “الدول” لم تُختبر يومًا في سياق استقلال القرار، بل في إطار تبعية وظيفية تُحدَّد أدوارها من خارجها.
غير أن الإشكال لم يكن في النشأة وحدها، بل في الوعي بهذه النشأة. إذ إن بعض هذه المشايخ لم تسعَ إلى تجاوز لحظة التكوين نحو بناء دولة حقيقية، بل استقرت داخل الدور، وراكمت أدوات القوة الشكلية دون أن تؤسس لمعنى السيادة. فبدت وكأنها كيانات مُعلّقة بين صورتين: دولة في المظهر، ومنصة في الجوهر.
ومع الطفرة النفطية، حدث التحول الأكبر: أموال هائلة، مدن فائقة الحداثة، ومشاريع عمرانية تُحاكي المستقبل. غير أن هذا البريق العمراني أخفى هشاشةً بنيوية في مفهوم الدولة ذاته. فالدولة ليست ناطحات سحاب، ولا صناديق سيادية متخمة، بل هي—قبل ذلك—قدرة على اتخاذ القرار السيادي في اللحظات الحرجة.
عند هذه النقطة تحديدًا، بدأت الإشكالية تتعمق. إذ توهّم بعض الحكام أن فائض المال قادر على تعويض نقص العمق السياسي والتاريخي، وأن التحالفات الأمنية كفيلة بمنحهم وزنًا إقليميًا حقيقيًا. فتحركت الأموال، لا لبناء منظومات تكامل عربي، بل للتأثير في مسارات دولٍ أخرى، وتأجيج صراعات كامنة، وإعادة تشكيل المشهد وفق حسابات ضيقة، كثيرًا ما قامت على إضعاف المحيط بدل تقويته.
وهكذا، تحولت هذه الأموال—في حالات عديدة—من رافعة تنمية إلى أداة تفكيك. فبدل الاستثمار في الاستقرار، جرى تمويل الانقسامات، وبدل ترسيخ الهوية الجامعة، أُعيد إحياء الهويات الفرعية، حتى بدا المشهد العربي وكأنه يُدار عبر غرف مالية لا عبر مؤسسات سياسية مسؤولة.
وفي موازاة ذلك، تعزز الارتباط الأمني بالولايات المتحدة، خصوصًا بعد انحسار الدور البريطاني، فترسّخت معادلة الحماية مقابل التبعية. وهنا، لم يعد الأمن نابعًا من الداخل، بل مستوردًا، ولم تعد السيادة قرارًا مستقلًا، بل جزءًا من منظومة حماية مشروطة.
لكن الأزمات الكبرى لا تعترف بالأوهام. فعندما تشتد المواجهات، تنكشف الحقائق التي طالما غُيّبت خلف الواجهات اللامعة. ويتبدّى الفارق الحاسم بين من يمتلك قرار المواجهة، ومن ينتظر الإشارة.
لقد أظهرت التحولات الأخيرة في المنطقة أن هذه الكيانات، رغم ما تملكه من إمكانات مالية وتقنية، لم تستطع تجاوز سقف الدور المرسوم لها. بل إن بعض المواقف كشفت حجم الارتهان، إلى درجة بدت معها قراراتها أقرب إلى استجابات، لا إلى سياسات مستقلة.
وفي الداخل، شهدت هذه المشايخ تحولات ثقافية واجتماعية عميقة، جرى تسويقها بوصفها “انفتاحًا”، لكنها في نظر كثيرين بدت كقطيعة مفاجئة مع منظومة القيم التقليدية. ولم يكن التطبيع مع إسرائيل مجرد خيار سياسي عابر في هذا السياق، بل تحوّل إلى مؤشر واضح على إعادة تموضع استراتيجي كامل، انتقل بهذه الكيانات من فضائها العربي التاريخي إلى فضاء جديد تحكمه حسابات الدور الوظيفي والتحالفات الأمنية أكثر مما تحكمه ثوابت الجغرافيا والهوية.
لم يتوقف هذا التحول عند حدود السياسة الخارجية، بل امتد إلى البنية الرمزية للهوية داخل هذه الكيانات. إذ شهدت بعض هذه الدول إعادة تقديم غير مسبوقة لفضاءات دينية وثقافية وثنية متعدّدة، في سياق يُسوّق بوصفه “تسامحًا” أو “تعددية”، لكنه في نظر منتقديه يعكس قطيعة عميقة مع الإرث التاريخي والديني للمنطقة، ويطرح تساؤلات جوهرية حول حدود التحول بين الانفتاح بوصفه خيارًا حضاريًا، وإعادة تشكيل الهوية بما يتوافق مع متطلبات الدور الوظيفي الجديد.
كما لعب الإعلام دورًا محوريًا في ترسيخ هذا التحول، حيث لم يكتفِ بإعادة صياغة الخطاب، بل ساهم في إعادة تشكيل الوعي ذاته، متجهًا نحو ترويج أنماط استهلاكية وثقافات سطحية، منفصلة عن هموم المجتمعات الحقيقية.
غير أن الاختبار الأعمق لا يظهر في السياسة وحدها، بل في الاقتصاد. فهنا تحديدًا، تتبدّى حدود “النمو السريع” عندما يفقد شروط استدامته.
اقتصادات هذه الكيانات، رغم أرقامها اللافتة، تقوم على ركائز شديدة الحساسية: تدفق خارجي لرأس المال، وثقة استثمارية مرتبطة بالاستقرار الجيوسياسي، وقطاعات خدمية—كالعقار والسياحة—قابلة للتقلب الحاد. وفي مثل هذه النماذج، لا يُعد تراجع الأسواق حدثًا عابرًا، بل إشارة بنيوية.
فرأس المال لا يُجامل؛ إنه أسرع الكيانات هروبًا من مناطق الشك. وعندما يبدأ بالبحث عن ملاذات أكثر استقرارًا، فإن ذلك يعكس إدراكًا متراكمًا لارتفاع المخاطر، لا مجرد خسارة مؤقتة.
ومن هنا، فإن أي اهتزاز في سوق الأسهم أو تباطؤ في القطاع العقاري لا يمكن فصله عن الصورة الكلية. فالسوق العقاري، في كثير من هذه التجارب، يتضخم بفعل المضاربات والسيولة الخارجية، لا بفعل طلب داخلي مستدام. وعندما تنحسر هذه السيولة، تظهر ملامح الفقاعة: مشاريع مؤجلة، وحدات شاغرة، وتراجع في الزخم الاستثماري.
أما السياحة، بوصفها ركيزة بديلة، فهي بدورها شديدة الارتباط بالصورة الذهنية والاستقرار العام، ما يجعلها عرضة لأي توتر إقليمي أو سياسي.
المشكلة هنا ليست في التباطؤ بحد ذاته، بل في طبيعة الاقتصاد الذي يفتقر إلى عمق إنتاجي يمكّنه من امتصاص الصدمات. فحين يُستبدل الإنتاج بالخدمات، والسيادة الاقتصادية بالتدفقات الخارجية، يصبح الاقتصاد هشًّا، مهما بدا متماسكًا في الظاهر.
اليوم، لا تشهد المنطقة مجرد صراع عابر، بل إعادة تعريف عميقة لمفاهيم القوة والسيادة والدور. وفي هذا السياق، تبدو بعض هذه الكيانات وكأنها بلغت حدودها القصوى.
ومع ذلك، فإن التحليل الرصين يقتضي التمييز بين النقد والمبالغة. فالدول لا تنهار بتراجع اقتصادي، بل بفقدان قدرتها على التكيّف.
السؤال الحقيقي، إذًا، لا يتعلق بزوال هذه الكيانات، بل بقدرتها على التحول:
إما الانتقال من موقع “الوظيفة” إلى موقع “الدولة”، أو البقاء رهينة دورٍ يتآكل تدريجيًا مع تغيّر المعادلات الدولية.
في النهاية، لا يعاقب التاريخ الكيانات الصغيرة، بل الكيانات التي تُخطئ تعريف نفسها. وحين يستمر الكيان في أداء دورٍ لم يعد مطلوبًا، فإنه لا يسقط فجأة… بل يتلاشى بهدوء خارج معادلة الزمن.







اسعد الدلفي
منذ ساعتين
المفكرون المغاربة وفعل التثاقف.... رأي
عناوين أم عنوانات؟
التعطش للفرح
EN