في وقتٍ ما تزال فيه معاناة مرضى السرطان تثقل كاهل آلاف العائلات العراقية وتدفع كثيرين إلى طرق أبواب السفر والعلاج خارج البلاد بدأت بعض المؤسسات الطبية العراقية تفرض حضورها بوصفها مراكز متقدمة قادرة على تقديم العلاج وفق المعايير العالمية ومن بين تلك المؤسسات يبرز مستشفى الثقلين لعلاج الأورام في محافظة البصرة، التابع لهيئة الصحة والتعليم الطبي في العتبة الحسينية المقدسة كنموذج طبي أخذ يتوسع بهدوء لكنه يحقق نتائج لافتة على أرض الواقع.
المستشفى الذي تأسس ضمن رؤية تهدف إلى تعزيز القطاع الصحي داخل العراق وتقليل حاجة المرضى إلى السفر كشف عن أرقام وإحصائيات تعكس حجم الخدمات التي قدمها خلال العامين الماضيين إذ أعلن عن تقديم الرعاية والعلاج لأكثر من خمسة عشر ألف مريض فضلاً عن تسجيل أكثر من اثنين وسبعين ألف مراجعة في العيادات الخارجية وهي أرقام تعكس حجم الضغط الذي يتحمله هذا الصرح الطبي ، كما تكشف في الوقت نفسه عن الثقة المتزايدة التي بات يحظى بها لدى المرضى القادمين من البصرة ومحافظات أخرى.
ولم تعد المؤسسات الصحية التابعة للعتبة الحسينية المقدسة مجرد مشاريع خدمية تقليدية بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى منظومة متكاملة تحاول سد النقص المزمن في الخدمات التخصصية خصوصاً في مجال الأمراض السرطانية التي تُعد من أكثر الملفات الصحية تعقيداً وكلفةً في العراق.
وبحسب ما أعلنه المستشفى، فإن الخدمات المقدمة لم تقتصر على العلاج الروتيني بل شملت إدخال تقنيات متطورة تُستخدم للمرة الأولى على مستوى محافظة البصرة الأمر الذي منح المرضى فرصة الحصول على علاج نوعي داخل البلاد من دون الحاجة إلى تكبد أعباء السفر أو الانتظار الطويل للحصول على الموافقات الطبية للعلاج خارج العراق.
ومن أبرز ما يقدمه المستشفى، إجراء عمليات أورام الدماغ والأعصاب الدقيقة باستخدام جهاز الملاحة العصبية الحديث الذي يُعد الأول من نوعه في البصرة إضافة إلى اعتماد جهاز مراقبة الأعصاب (IOM) وهي تقنيات تُستخدم في المراكز الطبية العالمية لتقليل نسب الخطأ ورفع مستويات الأمان أثناء العمليات الجراحية الدقيقة.
ويرى مختصون أن إدخال هذه التقنيات إلى العراق يمثل خطوة مهمة في تطوير جراحة الأورام العصبية خصوصاً أن هذا النوع من العمليات يحتاج إلى دقة استثنائية للحفاظ على الوظائف العصبية للمريض فضلاً عن تقليل المضاعفات بعد العمليات.
وفي جانب العلاج الإشعاعي ، أوضح المستشفى أنه يعتمد تقنية “ البراكي ثيربي” أو العلاج الإشعاعي الداخلي، وهي من العلاجات المتقدمة المستخدمة خصوصاً في الأورام النسائية وبعض أنواع السرطان الأخرى إذ تسمح بإيصال الجرعات الإشعاعية بشكل مباشر إلى الورم ما يرفع من كفاءة العلاج ويحد من تأثيراته على الأنسجة السليمة.
كما يعتمد المستشفى تقنيات حديثة أخرى في العلاج الإشعاعي الدقيق من بينها تقنية (SGRT) وتقنية (SBRT)، وهما من التقنيات المتطورة المستخدمة عالمياً لعلاج الأورام بدقة عالية إذ تتيح استهداف الورم بأشعة مركزة مع تقليل الأضرار على الأعضاء المجاورة وهو ما ينعكس على فرص الشفاء وجودة حياة المرضى.
ولم تتوقف الخدمات عند هذا الحد فالمستشفى يوفر أيضاً العلاج باليود المشع بجرعات علاجية متقدمة إلى جانب العلاج الموجه باستخدام اللوتيشيوم لبعض الحالات السرطانية المتقدمة وهي علاجات متخصصة غالباً ما كانت تُدفع الحالات العراقية سابقاً إلى السفر من أجل الحصول عليها.
ويؤكد القائمون على المستشفى أن هذه الخدمات تُقدم ضمن منظومة علاجية متكاملة وبإشراف كوادر طبية وتمريضية متخصصة مع الحرص على اعتماد أحدث البروتوكولات الطبية العالمية في التعامل مع مرضى الأورام.
اللافت في تجربة مستشفى الثقلين أن دوره لم يعد مقتصراً على استقبال المرضى بصورة مباشرة فقط بل أصبح من المؤسسات الطبية التي تُحال إليها بعض الحالات من قبل وزارة الصحة العراقية بدلاً من إرسالها للعلاج خارج البلاد وهو تطور يعكس مستوى الإمكانات التي بات يمتلكها المستشفى فضلاً عن الثقة المتزايدة بقدراته الطبية.
ويقول متابعون للشأن الصحي إن نجاح هذه المؤسسات في تقديم علاجات تخصصية داخل العراق لا يقتصر تأثيره على الجانب الطبي فحسب بل يمتد إلى البعد الإنساني والاجتماعي أيضاً لأن مريض السرطان لا يواجه المرض وحده بل تدخل عائلته بأكملها في دائرة المعاناة النفسية والمادية خصوصاً مع التكاليف الباهظة للعلاج في الخارج.
ومن هنا تبدو تجربة مستشفى الثقلين جزءاً من مشروع أوسع تعمل عليه العتبة الحسينية المقدسة عبر هيئة الصحة والتعليم الطبي لتأسيس بنية صحية متطورة قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى وتوفير خدمات تخصصية تضاهي ما يُقدم في المراكز الطبية الإقليمية والدولية.
وبين الأرقام الطبية وغرف العلاج وأجهزة التكنولوجيا الحديثة ثمة حكايات إنسانية تُكتب يومياً داخل هذا المستشفى ، مرضى وجدوا أملاً جديداً للعلاج داخل وطنهم وعائلات لم تعد مضطرة لبيع ممتلكاتها أو طرق أبواب الغربة بحثاً عن فرصة نجاة ، فيما تواصل الكوادر الطبية عملها وسط تحديات كبيرة لإثبات أن العراق قادر على صناعة تجربة علاجية متقدمة متى ما توفرت الإرادة والدعم الحقيقي.







محمد عبد السلام
منذ 1 ساعة
حسين مني وأنا من حسين
تحيةٌ عِدْلَ العراق
ماء المتفوق
EN