نظرة فلسفية لميكانيكا الكم: هل يمكن فهم الحياة بمفاهيم الفيزياء؟ |
![]() ![]() |
أقرأ أيضاً
التاريخ: 8-8-2016
![]()
التاريخ: 22-8-2016
![]()
التاريخ: 2023-12-11
![]()
التاريخ: 2025-04-02
![]() |
حاول فيزيائيون كثيرون وفلاسفة استخدام مذهب بور فى تتام المفاهيم الفيزيائية بغية استخلاص حجج يبرهنون بها على استحالة فهم البيولوجيا والسيكولوجيا بمدلولات الفيزياء. وهنا يمكن التقاط شيء ما باعتباره حجة سيكولوجية أو بيولوجية الأولى تجرى على النحو التالي تقريبًا . لو رغب المرء وصف حالة نفسية بمدلولات السيكولوجيا الاستبطانية لتغيرت الحالة تغييرًا كبيرًا بالملاحظة الذاتية لدرجة أنها لا تصبح الحالة الأصلية. فحين يغضب الإنسان لا يمكنه فى نفس الوقت ملاحظة غضبه ووصفه، إذ إن وجود حالة نفسية لا يتفق مع الملاحظة.
أما الثانية فهى تقريبًا كما يأتي لوصف حالة كائن حى بكميات فيزيائية فإن قياس هذه الكميات يتطلب حدوث اضطراب شديد فى الكائن الحي قد تودى بحياته ومن ثم لا يتفق مع الحياة وصف كائن حي بكميات فيزيائية.
الحجة السيكولوجية هي أساساً حجة جيدة، كما أنها مذهب معترف منذ زمن بعيد لكل مفهوم وضعي في العلم، بما في ذلك مفهوم أو جست كونت بأن الإنسان لا يستطيع تأسيس أي سيكولوجيا مترابطة منطقيًا من خلال مبادئ حصل عليها من ملاحظات ذاتية. وإنما ينبغى اتباع الملاحظة الموضوعية لأفعال البشر وحركات تعبيرهم تبعا لما يتطلبه مذهب السلوكية الأمريكية وتبعاً للتحليل المنطقى الذي أورده كارناب ونويراث عن العبارات المتصلة بالعمليات النفسانية. وإذا صيغت السيكولوجيا بمصطلحات السلوكية أو الفيزيائية فإن الحجة السيكولوجية تطابق الحجة البيولوجية.
ويتطبيق فكرة بور عن التتام يمكن صياغة دور الملاحظة الذاتية في السيكولوجيا بالتقريب على النحو التالي: هناك ترتيبات تجريبية معينة في مجال السيكولوجيا يمكن وصفها باستخدام قضايا وتعبيرات تحصل عليها من الملاحظة الذاتية. وهناك مواقف أخرى في حياتنا لا يمكن وصفها بهذه التعبيرات، وفى ذلك ليس هناك تناقض وكما في الفيزياء فكذلك في الحياة النفسانية هناك مواقف متتامة ولغات متتامة لوصفها . ويأخذ ذلك في الاعتبار تنهسر رؤية ما يمكن الحصول عليه لفهم القدرية من المماثلة بنظرية الكم. وحتى قبل اكتشاف بور للتتام قدم بلانك الحجة التالية عن توافق القدرية مع السببية الفيزيائية: إذا استطاع الإنسان حساب أعماله المستقبلية مقدماً من مجموعة الصفات الفيزيائية الحالية، فمن شأن هذه المعرفة أن تؤثر على حالته الراهنة، مثلاً، على جزيئات مخه، ومن ثم تغير حالته، لذا لا يكون هناك قدرة على التنبؤ بالمستقبل، وبالتالي لا يمكن للقدرية أن تتعارض مع السببية الفيزيائية لما يحدث في جسم الإنسان.
ويترتب على ذلك فقط أن الإنسان لا يستطيع حساب أعماله في المستقبل من نتائج الملاحظة الذاتية، ومع ذلك قد يمكنه حساب أعمال غيره في المستقبل، وحتى من مشاهدات فيزيائية بحثة.
مجرد ولو طبقنا فكرة بور عن التنام يمكن إكساب الموضوع باكمله بنية منطقية أقوى وعندئذ يمكن القول بأن هناك مواقف معينة للسلوك الإنساني يمكن وصفها باستخدام تعبير القدرية، وتحت ظروف تجريبية أخرى لا يمكن استخدام هذا التعبير. إننا إذن تتعامل هنا مع مواقف متتامة، ومع أوصاف متتامة دون أي تناقضات.
ولقد أوضح بور نفسه أن اعتباراته في التام لا يمكن استخدامها لتوفير حجة لـ القدرية ولكن لتوفير تمثيل مفيد للحالة المعرفية للمشكلة.
ولكن يبدو لي أن هناك أيضاً اعتراضاً لاستخدام كلمات "القدرية لوصف مواقف معينة تناظر الترتيبات التجريبية في الفيزياء. فتعبيرات مثل موضع جسيم هي تعبيرات مستقاة من الفيزياء في الحياة اليومية والتي بسبب التتام تظل مناسبة للفيزياء الذرية ولكن فى مواقف خاصة. وبالمثل فإن تعبير القدرية هو تعبير مصدره سيكولوجيا الحياة اليومية، ولا يستخدم في السيكولوجيا العلمية إلا تحت ظروف تجريبية معينة، ولكن الأمر لا يبدو لى كذلك. فتعبير القدرية" ليس تعبيرا سيكولوجياً من الحياة اليومية، بل هو تعبير ميتافيزيقي أو لاهوتي، وفي حياتنا اليومية لا يعني لفظ "الحرية شيئاً سوى التحرر من القصر الخارجي أو حتى التحرر من الثمالة أو التنويم المغناطيسي" وليس لذلك علاقة بالمفهوم الفلسفي للقدرية. وتبعاً لبور، إذا قبل صوابا إنه في مواقف معينة يمكن استخدام تعبير قدرية على نحو مفيد للوصف فمعنى ذلك فقط مجرد تصور غير فلسفى من سيكولوجيا الحياة اليومية. ومن ذلك لا يمكن إذن استنتاج أى نتيجة عن القدرية الفلسفية . ولكن من الضروري أن نتعامل هل أحدثت ميكانيكا الكم وتصور التتام أى تغيير لدى التطبيق العملي لمفهوم القدرية في المواقف العامة. وأعنى بذلك بالطبع تطبيق مفهوم الحرية على مسألة مسئولية مجرم ما وعلى مسألة تشديد أو تخفيف العقوبة. إننا فقط في حاجة إلى ترتيب دقيق لفكرة التتام برمتها وأن نتتبع بعناية سلسلة الأفكار حتى توقيع العقوبة على المجرم، لنرى في الحال أنه ليست هناك عواقب للمشكلة التي نحن بصددها. لذلك هناك شك كبير فيما إذا كان مناسبا استخدام تعبير القدرية في تطبيقات فكرة التقام في
السيكولوجيا. ومع ذلك، وتبعا للتصورات الجديدة للسلوكية والفيزيائية، إذا أُسست السيكولوجيا
على مبادئ لا تشمل عبارات عن الملاحظة الذاتية، وإنما عبارات عن مسلك الموضوعات التجريبية، فإن اعتبارات التتام في السيكولوجيا على نحو ما وصف سوف تطرح جانبًا، وتصبح السيكولوجيا جزءًا من البيولوجيا. وفي هذه الحالة سوف تختزل حجة بور السيكولوجية إلى الحجة البيولوجية ومن ثم تكون المسألة: هل يمكن تمثيل مسلك الكائنات الحية بقوانين لا تدخل فيها سوى متغيرات فيزيائية؟
وفى حالة وصف كائن حي فيزيائياً فلابد من معرفة حالة كل ذرة من ذراته. وتلك هي نقطة البداية عند بور. غير أن عمليات الرصد اللازمة من شأنها أن تولد اضطرابات فيزيائية هائلة في الكائن الحى تصل إلى درجة هلاكه. ولا يمكن وصف الكائن الحى فيزيائياً بنفس الدقة في حالة ذرات الجماد؛ حيث إن الجماد يمكن وصفه في إطار الحدود التي وضعتها علاقات اللايقين لهيزنبرج، في حين أن جزيئات البروتين الكبرى التي ترتبط بها الحياة ذاتها تتعرض للهلاك من جراء اضطرابات ليس من شأنها أن تحول دون استمرار تواجد الذرات.
ومن ثم فإن الخبرات التي تصف الكائن الحي في وظائفه الحيوية تتم في ظروف تجريبية مختلفة تماماً عن نظيراتها فى التجارب الخاصة بوصف الكائن الحي في نظام فيزيائي. وتبعاً لبور فالمسألة هنا مسألة ترتيبات تجريبية متتامة" توصف بـ لغات متتامة ، ولهذا فإن وصف ظواهر الحياة بلغة غير لغة الفيزياء أو الكيمياء، هو أمر خال منطقياً من الاعتراضات ولا يمثل أي انزلاق في الروحانيات.
إن معالجة الأمر بهذه الطريقة تبعاً لبور، تختلف كثيراً عن أسلوب معظم الفلسفيين"، وهي طريقة يعتد بها بالتأكيد، وما دام يتعلق الأمر بفائدتها فمن الممكن إبداء بعض الملاحظات. تستمد الحجة باكملها قوتها من حقيقة أنها تماثل الحجة التي حولت الاتجاه من الفيزياء الكلاسيكية إلى فيزياء الكم وأوجدت بذلك مبررا للقول بأن العمليات الذرية لا يمكن وصفها بلغة الفيزياء الكلاسيكية.
ولتوفير حدود لمدى ملاءمة هذه المماثلة سوف نقارن بين اتجاهين من الفكر. أولاً، عند التحول إلى فيزياء الكم يكون التعليل كالآتى: تبعاً للفيزياء الكلاسيكية ينبغي، من ناحية المبدأ اعداد تجارب تسمح بقياس مواضع الجسيمات المتفردة وسرعاتها بالدقة المنشودة. ولكن معرفتنا عن العمليات الذرية، مثل ظاهرة تأثير كومتون، تبين بالتحليل
الأدق أن إمكان إجراء مثل هذه القياسات يتعارض مع الخبرة، لذا فإن استخدام لغة الفيزياء الكلاسيكية في الوصف لا يمكن اتباعه فى حالة الظواهر الذرية.
ولو شئنا استخدام المنطق ذاته لحالة الانتقال من الجماد إلى الكائن الحي فسوف نقول إننا نسلم - باعتبارها حقيقة تجريبية أن الاختبار بالوسائل الفيزيائية، وعلى درجة كافية من الدقة تتيح الوصف الدقيق للحالة الفيزيائية للذرات في جسم حي تشكل اضطراباً هائلاً جداً لدرجة هلاك الكائن الحي ومن ثم فإن الفيزياء لكلاسيكية بمعونة فيزياء الكم (الذرات الجماد) تلائم تمثيل ظواهر الحياة لعدم اتفاقها مع تطبيق الفيزياء على الكائن الحي الذي يهلك من جراء أي عملية قياس دقيق وتكمن قوة نظرية الكم فى حقيقة عدم وجود أى فرضية عن الذرة مستمدة من الفيزياء الكلاسيكية، وكانت متوافقة مع المسلك الممكن اختباره تجريبياً بالنسبة للأجسام المرصودة. وإذا لم يتعارض اختبار فرضية ما عن الذرات من خلال قياسات مباشرة لحالتها الميكانيكية (الموضع والسرعة مع الوقائع التجريبية، فهذا يعني أن تظل الفرضية في إطار الفيزياء الكلاسيكية، ولكن لما كان هذا التناقض موجوداً بالنسبة الميكانيكا الكم فالأمر يتجاوز إذن الفيزياء الكلاسيكية. لو شئنا اتباع سلسلة الأفكار ذاتها إذا انتقلنا من الجماد إلى الأجسام الحية فيجب تقديم الدليل التجريبي لبيان أن الملاحظة الفيزيائية الدقيقة لذرات الكائن الحي لا تتفق مع القوانين التجريبية المعروفة لمسلك الأجسام الحية، وكذلك مع الفرضية الفيزيائية بشأن بنيتها الذرية، وما دام هذا الدليل لم يقدم فإنه تبعاً لسلسلة أفكار بور وحده في مجال البيولوجيا، وعلى نحو مستوى معرفتنا الراهن يكون أسلوب التتام في التعبير أمرًا ممكناً بل ربما يكون مرغوباً، وعلى النقيض من ذلك، فعند التحول من الفيزياء الكلاسيكية إلى ميكانيكا الكم يمكن الاتنتاج بأنه في الفيزياء الذرية يكون أسلوب التتام في التعبير أمرا ضروريا.
|
|
"إنقاص الوزن".. مشروب تقليدي قد يتفوق على حقن "أوزيمبيك"
|
|
|
|
|
الصين تحقق اختراقا بطائرة مسيرة مزودة بالذكاء الاصطناعي
|
|
|
|
|
قسم شؤون المعارف ووفد من جامعة البصرة يبحثان سبل تعزيز التعاون المشترك
|
|
|