المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية

القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في هذا القسم 11864 موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع

Untitled Document
أبحث عن شيء أخر



تفسير الآية (1-9) من سورة السجدة  
  
73   10:38 صباحاً   التاريخ: 29 / 5 / 2020
المؤلف : إعداد : المرجع الإلكتروني للمعلوماتية
الكتاب أو المصدر : تفاسير الشيعة
الجزء والصفحة : .....
القسم : القرآن الكريم وعلومه / التفسير الجامع / حرف السين / سورة السجدة /

قال تعالى : {الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُو الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة : 1 - 9] .

 

تفسير مجمع البيان

- ذكر الطبرسي في تفسير هذه الآيات (1) 

 

{الم} مفسر في أول البقرة {تنزيل الكتاب} أي هذه الآيات تنزيل الكتاب الذي وعدتم به {لا ريب فيه} أي لا شك فيه أنه وحي {من رب العالمين} والمعنى أنه لا ريب فيه للمهتدين وإن كان قد ارتاب فيه خلق من المبطلين لا يعتد بهم لأنه ليس بموضع الشك وقيل معناه أنه زال الشك في أنه كلام رب العزة لعجزهم عن الإتيان بمثله وقيل أن لفظه الخبر ومعناه النهي أي لا ترتابوا فيه والريب أقبح الشك .

{أم يقولون} أي بل يقولون {افتريه} وليس الأمر على ما يقولون {بل هو الحق} نزل عليك {من ربك} والحق هو كل شيء من اعتقده كان معتقده على ما هوبه مما يدعو العقل إلى استحقاق المدح عليه وتعظيمه فالكتاب حق لأن من اعتقد أنه من عند الله كان معتقده على ما هوبه والباطل نقيض الحق {لتنذر قوما ما أتيهم من نذير من قبلك} يعني قريشا إذ لم يأتهم نبي قبل نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) وإن أتى غيرهم من قبائل العرب مثل خالد بن سنان العبسي وقيل يعني أهل الفترة بين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) فكانوا كأنهم في غفلة عما لزمهم من حق نعم الله وما خلقهم له من العبادة عن ابن عباس {لعلهم يهتدون} أي ليهتدوا .

ثم ذكر سبحانه الدلالة على وحدانيته فقال {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام} أي فيما قدره ستة أيام لأن قبل الشمس لم يكن ليل ولا نهار {ثم استوى على العرش} بالقهر والاستعلاء وهو مفسر في سورة الأعراف {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} أي ليس لكم من دون عذابه ولي أي قريب ينفعكم ويرد عذابه عنكم ولا شفيع يشفع لكم وقيل من ولي أي من ناصر ينصركم من دون الله {أ فلا تتذكرون} أي أ فلا تتفكرون فيما قلناه وتعتبرون به فتعلموا صحة ما بيناه لكم {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض} أي خلقهما وما بينهما في هذه المدة يدير الأمور كلها ويقدرها على حسب إرادته فيما بين السماء والأرض وينزله مع الملك إلى الأرض {ثم يعرج إليه} الملك أي يصعد إلى المكان الذي أمره الله تعالى أن يصعد إليه {في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} أي يوم كان مقداره لو سارة غير الملك ألف سنة مما يعده البشر خمس مائة عام نزوله وخمس مائة عام صعوده وقوله {يعرج إليه} يعني إلى الموضع الذي أمره بالعروج إليه كقول إبراهيم إني ذاهب إلى ربي سيهدين أي إلى أرض الشام التي أمرني ربي بالذهاب إليها وقوله {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله} يعني إلى المدينة ولم يكن الله سبحانه بالشام ولا بالمدينة ومعناه أنه ينزل الملك بالتدبير أو الوحي ويصعد إلى السماء فيقطع في يوم واحد من أيام الدنيا مسافة ألف سنة مما تعدونه أنتم لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام لابن آدم وهذا معنى قول ابن عباس والحسن والضحاك وقتادة وهو اختيار الجبائي .

وقيل معناه أنه يدبر الأمر سبحانه ويقضي أمر كل شيء لألف سنة في يوم واحد ثم يلقيه إلى ملائكته فإذا مضى الألف سنة قضى لألف سنة أخرى ثم كذلك أبدا عن مجاهد وقيل معناه يدبر أمر الدنيا فينزل القضاء والتدبير من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا ثم يرجع الأمر ويعود التدبير إليه بعد انقضاء الدنيا وفنائها حتى يتقطع أمر الأمراء وحكم الحكام وينفرد الله بالتدبير في يوم كان مقداره ألف سنة وهو يوم القيامة فالمدة المذكورة مدة يوم القيامة إلى أن يستقر الخلق في الدارين عن ابن عباس أيضا .

فأما قوله {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} فإنه أراد سبحانه على الكافر جعل الله ذلك اليوم مقدار خمسين ألف سنة فإن المقامات في يوم القيامة مختلفة وقيل إن المراد بالأول إن مسافة الصعود والنزول إلى السماء الدنيا في يوم واحد للملك مقدار مسيرة ألف سنة لغير الملك من بني آدم وإلى السماء السابعة مقدار مسيرة خمسين ألف سنة وقيل إن الألف سنة للنزول والعروج والخمسين ألف سنة لمدة القيامة .

ثم أكد سبحانه ما تقدم من دلائل وحدانيته وأعلام ربوبيته فقال {ذلك عالم الغيب والشهادة} أي الذي يفعل ذلك ويقدر عليه هو العالم بما يشاهد وما لا يشاهد وبما غاب عن الخلق وما حضر {العزيز} المنيع في ملكه {الرحيم} بأهل طاعته {الذي أحسن كل شيء خلقه} أي أحكم كل شيء خلقه وأتقنه عن ابن عباس ومجاهد وقيل معناه علم كيف يخلق كل شيء قبل أن خلقه من غير أن يعلمه أحد عن مقاتل والسدي من قولهم فلان يحسن كذا أي يعلمه وقيل الذي جعل كل شيء في خلقه حسنا حتى جعل الكلب في خلقه حسنا عن ابن عباس والمعنى أنه أحسن خلقه من جهة الحكمة فكل شيء خلقه وأوجده فيه وجه من وجوه الحكمة تحسنه وفي هذا دلالة على أن الكفر والقبائح لا يجوز أن يكون من خلقه .

{وبدأ خلق الإنسان من طين} أي ابتدأ خلق آدم الذي هو أول البشر من طين كان ترابا ثم صار طينا ثم صلصالا ثم حيوانا {ثم جعل نسله} أي نسل الإنسان الذي هو آدم يعني ولده {من سلالة} وهي الصفوة التي تنسل من غيرها ويسمى ماء الرجل سلالة لانسلاله من صلبه {من ماء مهين} أي ضعيف عن قتادة وقيل حقير مهان أشار إلى أنه من شيء حقير لا قيمة له وإنما يصير ذا قيمة بالعلم والعمل {ثم سوية} أي جعله بشرا سويا وعدله ورتب جوارحه {ونفخ فيه} أي في ذلك المخلوق {من روحه} أضاف الروح إلى نفسه إضافة اختصاص وملك على وجه التشريف ثم قال سبحانه مخاطبا لذريته {وجعل لكم} أيها الخلق {السمع والأبصار} لتسمعوا المسموعات وتبصروا المبصرات {والأفئدة} أي وجعل لكم القلوب لتعقلوا بها {قليلا ما تشكرون} أي تشكرون نعم الله قليلا من كثير وما مزيدة ويجوز أن يكون ما مصدرية فيكون تقديره قليلا شكركم لهذه النعم .

_________________

1- مجمع البيان ، الطبرسي ، ج8 ، ص98-102 .

 

تفسير الكاشف

- ذكر محمد جواد مغنية في تفسير هذه الآيات (1) 

 

{ ألم } أنظر أول سورة البقرة {تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ} .

لا شك في صدق القرآن وانه من وحي السماء لا من صنع الإنسان . . وقدمنا على ذلك العديد من الشواهد . أنظر ج 1 ص 65 وج 2 ص 389 وج 5 تفسير الآية 55 من سورة النور .

{أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُو الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} . قال المترفون المستغلون من عتاة قريش : القرآن من نسج محمد (صلى الله عليه واله وسلم) . . فقال سبحانه ردا عليهم : كلا ، انه من وحي اللَّه ، وقد أتاكم بما لم يأتكم به أحد من قبل ولا يأتكم به أحد من بعد ، جاءكم بخير الدنيا والآخرة ، ونهاكم عما أنتم فيه من البغي والفساد لتتعظوا وتنتهوا قبل أن تدور على رؤوسكم دائرة السوء ، وكان المفروض أن تشكروا محمدا (صلى الله عليه واله وسلم) على هذا الفضل بدل أن تضمروا له العداء ، وتنسبوه إلى الكذب والافتراء .

{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ ولا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} . ستة أيام كناية عن الدفعات أو الأطوار ، والمراد بالعرش الاستيلاء . وتقدم مثله في الآية 54 من سورة الأعراف و3 من سورة يونس و59 من سورة الفرقان . وفي ج 3 ص 338 ذكرنا الأقوال حول الأيام الستة ورأينا فيها .

{يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} . المراد ب {يدبر الأمر} ان اللَّه سبحانه خلق الكون ، ومنح كل مخلوق من الصفات ما تستدعيه الحكمة والعناية الإلهية ، وأوجب على من منحه القدرة والإدراك ان يلتزم الطريق الذي أرشده إليه . والمراد ب {يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ} ان أعمال الخلائق ترفع إليه يوم القيامة . وألف سنة كناية عن تطاول الزمن ، والمعنى ان الخلائق مشمولة بتدبير اللَّه وعنايته ، فهو سبحانه أوجدها وأتقنها الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى - 50 طه وهو يفنيها ويعيدها ، واليه ترفع الأعمال في يوم هو أطول وأثقل يوم على العصاة والمجرمين .

{ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} . ان خالق كل شيء ، والقائم على كل شيء هو العالم بما كان ويكون كبيرا أو صغيرا ، ظاهرا للعيان أو خفيا عنها ، والعزيز بقدرته وسلطانه ، والرحيم بخلقه وعباده {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} . كل مخلوق وجد على النظام الأتم فهو حسن ومتقن يدل على قدرة الصانع وعظمته ، وما من شيء في الوجود إلا وترى فيه النظام والتناسق الذي يدل على العليم الحكيم : {ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ} - 4 الملك .

{وبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسانِ مِنْ طِينٍ} . المراد بالإنسان هنا أبو البشر آدم {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ} . نسله ذريته ، وسلالة لانسلاله من صلبه ، والماء المهين المنيّ ( ثم سواه ) في أحسن تقويم {ونَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} هذا كناية عن الحياة . وتقدم مثله في الآية 2 من سورة الأنعام ج 3 ص 158 والآية 12 من سورة (المؤمنون) . {وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصارَ والأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ} .

تقدم في الآية 78 من سورة (المؤمنون) . ولا تقلّ نعمة البيان عن نعمة السمع والبصر والإدراك ، أما شهوة الغذاء فهي لحفظ الحياة ، وشهوة الجنس لبقاء النوع ، وما من غريزة في الإنسان إلا ولها فائدة وحكمة .

___________________

1- تفسير الكاشف ، محمد جواد مغنية ، ج6 ، ص ١٧٧-179 .

 

تفسير الميزان

- ذكر الطباطبائي في تفسير هذه الآيات (1) 

 

غرض السورة تقرير المبدأ والمعاد وإقامة الحجة عليهما ودفع ما يختلج القلوب في ذلك مع إشارة إلى النبوة والكتاب ثم بيان ما يتميز به الفريقان المؤمنون بآيات الله حقا والفاسقون الخارجون عن زي العبودية ووعد أولئك بما هو فوق تصور المتصورين من الثواب ووعيد هؤلاء بالانتقام الشديد بأليم العذاب المخلد وأنهم سيذوقون عذابا أدنى دون العذاب الأكبر ، وتختتم السورة بتأكيد الوعيد وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالانتظار كما هم منتظرون .

وهي مكية إلا ثلاث آيات نزلت - كما قيل - بالمدينة وهي قوله تعالى : {أ فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا} إلى تمام ثلاث آيات .

والذي أوردناه من آياتها يتضمن الفصل الأول من فصلي غرض السورة الذي أشرنا إليه .

قوله تعالى : {تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} ، أي هذا تنزيل الكتاب ، والتنزيل مصدر بمعنى اسم المفعول وإضافته إلى الكتاب من إضافة الصفة إلى الموصوف ، والمعنى : هذا هو الكتاب المنزل لا ريب فيه .

وقوله : {من رب العالمين} فيه براعة استهلال لما في غرض السورة أن يتعاطى بيانه من الوحدانية والمعاد اللذين ينكرهما الوثنية لما مر مرارا أنهم لا يقولون برب العالمين بل يثبتون لكل عالم إلها ولمجموع الآلهة إلها هو الله تعالى عما يقولون علوا كبيرا .

قوله تعالى : {أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك} إلخ ، أم منقطعة ، والمعنى : بل يقولون افترى القرآن على الله وليس من عنده فرده بقوله : {بل هو الحق من ربك لتنذر} إلخ .

وقوله : {لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك} قيل : يعني قريشا فإنهم لم يأتهم نبي قبله (صلى الله عليه وآله وسلم) بخلاف غيرهم من قبائل العرب فإنهم أتاهم بعض الأنبياء كخالد بن سنان العبسي وحنظلة على ما في الروايات .

وقيل : المراد به أهل الفترة بين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانوا كأنهم في غفلة عما لزمهم من حق نعم الله وما خلقهم له من العبادة وفيه أن معنى الفترة هو عدم انبعاث نبي له شريعة وكتاب وأما الفترة عن مطلق النبوة فلا نسلم تحققها وخلو جميع الزمان وهو قريب من ستة قرون من النبي مطلقا .

وقوله : {لعلهم يهتدون} غاية رجائية لإرسال الرسول والترجي قائم بالمقام أو بالمخاطب دون المتكلم كما تقدم في نظائره .

قوله تعالى : {الله الذي خلق السماوات والأرض - إلى قوله - أ فلا تتذكرون} تقدم الكلام في تفسير قوله : {خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش} في نظائره من الآيات وتقدم أيضا أن الاستواء على العرش كناية عن مقام تدبير الموجودات بنظام عام إجمالي يحكم على الجميع ولذا اتبع العرش في أغلب ما وقع فيه من الموارد بما فيه معنى التدبير كقوله : {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} [الأعراف : 54] وقوله : {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} [يونس : 3] ، وقوله : {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ} [الحديد : 4] ، وقوله : {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } [البروج : 15 ، 16] .

والوجه في ذكر الاستواء على العرش ، بعد ذكر خلق السماوات والأرض أن الكلام في اختصاص الربوبية والألوهية بالله وحده ومجرد استناد الخلقة إليه تعالى لا ينفع في إبطال ما يقول به الوثنية شيئا فإنهم لا ينكرون استناد الخلقة إليه وحده وإنما يقولون باستناد التدبير وهو الربوبية للعالم إلى آلهتهم ثم اختصاص الألوهية وهي المعبودية بآلهتهم ولله تعالى من الشأن أنه رب الأرباب وإله الآلهة .

فكان من الواجب عند إقامة الحجة لإبطال قولهم إن يذكر أمر الخلقة ثم يتعقب بأمر التدبير لمكان تلازمهما وعدم انفكاك أحدهما من الآخر حتى يكون موجد الأشياء وخالقها هو الذي يربها ويدبر أمرها فيكون ربا وحده وإلها وحده كما أنه موجد خالق وحده .

ولذلك بعينه ذكر أمر التدبير بعد ذكر الخلقة في الآية التي نحن فيها إذ قيل : {خلق السماوات والأرض - وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} فالولاية والشفاعة كالاستواء على العرش من شئون التدبير .

وقوله : {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} الولي هو الذي يملك تدبير أمر الشيء ومن المعلوم أن أمورنا والشئون التي تقوم به حياتنا قائمة بالوجود محكومة مدبرة للنظام العام الحاكم في الأشياء عامة وما يخص بنا من نظام خاص ، والنظام أيا ما كان من لوازم خصوصيات خلق الأشياء والخلقة كيفما كانت مستندة إليه تعالى فهو تعالى ولينا القائم بأمرنا المدبر لشئوننا وأمورنا ، كما هو ولي كل شيء كذلك وحده لا شريك له .

والشفيع - على ما تقدم في مباحث الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب – هو الذي ينضم إلى سبب ناقص فيتمم سببيته وتأثيره ، والشفاعة تتميم السبب الناقص في تأثيره وإذا طبقناها على الأسباب والمسببات الخارجية كانت أجزاء الأسباب المركبة وشرائطها بعضها شفيعا لبعض لتتميم حصة من الأثر منسوبة إليه كما أن كلا من السحاب والمطر والشمس والظل وغيرها شفيع للنبات .

وإذ كان موجد الأسباب وأجزائها والرابط بينها وبين المسببات هو الله سبحانه فهو الشفيع بالحقيقة الذي يتمم نقصها ويقيم صلبها فالله سبحانه هو الشفيع بالحقيقة لا شفيع غيره .

وببيان آخر أدق قد تقدم في البحث عن الأسماء الحسنى في الجزء الثامن من الكتاب أن أسماءه تعالى الحسنى وسائط بينه وبين خلقه في إيصال الفيض إليهم فهو تعالى يرزقهم مثلا بما أنه رازق جواد غني رحيم ويشفي المريض بما أنه شاف معاف رءوف رحيم ويهلك الظالمين بما أنه شديد البطش ذو انتقام عزيز وهكذا .

فما من شيء من المخلوقات المركبة الوجود إلا ويتوسط لوجوده عدة من الأسماء الحسنى بعضها فوق بعض وبعضها في عرض بعض وكل ما هو أخص منها يتوسط بين الشيء وبين الأعم منها كما أن الشافي يتوسط بين المريض وبين الرءوف الرحيم والرحيم يتوسط بينه وبين القدير وهكذا .

والتوسط المذكور في الحقيقة تتميم لتأثير السبب فيه وإن شئت فقل هو تقريب للشيء من السبب لفعلية تأثيره وينتج منه أنه تعالى شفيع ببعض أسمائه عند بعض فهو الشفيع ليس من دونه شفيع في الحقيقة فافهم .

وقد تبين بما مر أن لا إشكال في إطلاق الشفيع عليه تعالى بمعنى كونه شفيعا بنفسه عند نفسه وحقيقته توسط صفة من صفاته الكريمة بين الشيء وصفة من صفاته كما يستعاذ من سخطه إلى رحمته ومن عدله إلى فضله ، وأما كونه تعالى شفيعا بمعنى شفاعته لشيء عند غيره فهو مما لا يجوز البتة .

والقوم لتقريبهم إشكال إطلاق الشفيع عليه تعالى على المعنى الثاني أي بمعنى كونه شفيعا عند غيره اختلفوا في تفسير الآية على أقوال : فقال بعضهم : إن دون في قوله : {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} بمعنى عند و{من دونه} حال من ضمير {لكم} والمعنى : ما لكم حال كونكم مجاوزين دونه ومن عند ولي ولا شفيع أي لا ولي لكم ولا شفيع ففيه نفي الولي والشفيع لهم عند الله .

وفيه أن دون وإن صح كونه بمعنى عند لكن وجود {من} قرينة على أنه بمعنى غير ، ولا معنى لأخذ المجاوزة ورجوع {ما لكم من دونه} إلى معنى {ما لكم عنده} .

وقال بعضهم : إن الشفيع في الآية بمعنى الناصر مجازا ودون بمعنى غير و{من دونه} حال من {ولي} والمعنى : ما لكم ولي ولا ناصر غيره ، وفيه أنه تجوز من غير موجب .

وقال بعضهم إن إطلاق الشفيع هنا من قبيل المشاكلة التقديرية لما أن المشركين المنذرين كثيرا ما كانوا يقولون في آلهتهم : هؤلاء شفعاؤنا ويزعمون أن كل واحد منهم شفيع لهم والمعنى : على هذا لو فرض وقدر أن الإله ولي شفيع ما لكم ولي ولا شفيع غير الله سبحانه .

وقال بعضهم : إن دون بمعنى عند والضمير في {من دونه} للعذاب ، والمعنى : ليس لكم من دون عذابه ولي ، أي قريب ينفعكم ويرد عذابه عنكم ولا شفيع يشفع لكم .

وفيه أن إرجاع الضمير إلى العذاب تحكم من غير دليل ، ويرد على جميع هذه الوجوه أنها تكلفات ناشئة من أخذ الشفيع غير المشفوع عنده وقد عرفت أن المعنى تحليلي والشفيع والمشفوع عنده واحد .

وقوله : {أ فلا تتذكرون} استفهام توبيخي يوبخهم على استمرارهم على الإعراض عن أدلة العقول حتى يتذكروا أن الملك والتدبير لله سبحانه وهو المعبود بالحق ليس لهم دونه ولي ولا شفيع كما يزعمون ذلك لآلهتهم .

قوله تعالى : {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} تتميم لبيان أن تدبير أمر الموجودات قائم به سبحانه وهذا هو القرينة على أن المراد بالأمر في الآية الشأن دون الأمر المقابل للنهي .

والتدبير وضع الشيء في دابر الشيء والإتيان بالأمر بعد الأمر فيرجع إلى إظهار وجود الحوادث واحدا بعد واحد كالسلسلة المتصلة بين السماء والأرض وقد قال تعالى : { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [الحجر : 21] ، وقال : {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر : 49] .

وقوله : {ثم يعرج إليه} بعد قوله : {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض} لا يخلو من إشعار بأن {يدبر} مضمن معنى التنزيل والمعنى : يدبر الأمر منزلا أو ينزله مدبرا - من السماء إلى الأرض ولعله الأمر الذي يشير إليه قوله : {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا } [فصلت : 12] .

وفي قوله : {يعرج إليه} إشعار بأن المراد بالسماء مقام القرب الذي تنتهي إليه أزمة الأمور دون السماء بمعنى جهة العلو أو ناحية من نواحي العالم الجسماني فإن الأمر قد وصف قبل العروج بالنزول فظاهر العروج أنه صعود من الطريق التي نزل منها ، ولم يذكر هناك إلا علو هو السماء ، وسفل هو الأرض ونزول وعروج فالنزول من السماء والعروج إلى الله يشعر بأن السماء هو مقام الحضور الذي يصدر منه تدبير الأمر أو أن موطن تدبير الأمر الأرضي هو السماء والله المحيط بكل شيء ينزل التدبير الأرضي من هذا الموطن ، ولعل هذا هو الأقرب إلى الفهم بالنظر إلى قوله : {وأوحى في كل سماء أمرها} .

وقوله : {في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} معناه على أي حال أنه في ظرف لو طبق على ما في الأرض من زمان الحوادث ومقدار حركتها انطبق على ألف سنة مما نعده فإن من المسلم أن الزمان الذي يقدره ما نعده من الليل والنهار والشهور والسنين لا يتجاوز العالم الأرضي .

وإذ كان المراد بالسماء هو عالم القرب والحضور وهو مما لا سبيل للزمان إليه كان المراد أنه وعاء لو طبق على مقدار حركة الحوادث في الأرض كان مقداره ألف سنة مما تعدون .

وأما أن هذا المقدار هل هو مقدار النزول واللبث والعروج أو مقدار مجموع النزول والعروج دون اللبث أو مقدار كل واحد من النزول والعروج أو مقدار نفس العروج فقط بناء على أن {في يوم} قيد لقوله : {يعرج إليه} فقط كما وقع في قوله : {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } [المعارج : 4] .

ثم على تقدير كون الظرف قيدا للعروج هل العروج مطلق عروج الحوادث إلى الله أو العروج يوم القيامة وهو مقدار يوم القيامة ، وأما كونه خمسين ألف سنة فهو بالنسبة إلى الكافر من حيث الشقة أو أن الألف سنة مقدار مشهد من مشاهد يوم القيامة وهو خمسون موقفا كل موقف مقداره ألف سنة .

ثم المراد بقوله : {مقداره ألف سنة} هل هو التحديد حقيقة أو المراد مجرد التكثير كما في قوله : {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } [البقرة : 96] ، أي يعمر عمرا طويلا جدا وإن كان هذا الاحتمال بعيدا من السياق .

والآية - كما ترى - تحتمل الاحتمالات جميعا ولكل منها وجه والأقرب من بينها إلى الذهن كون {في يوم} قيدا لقوله : {ثم يعرج إليه} وكون المراد بيوم عروج الأمر مشهدا من خمسين مشهدا من مشاهد يوم القيامة ، والله أعلم .

قوله تعالى : {ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم} تقدم تفسير مفردات الآية ، ومناسبة الأسماء الثلاثة الكريمة للمقام ظاهرة .

قوله تعالى : {الذي أحسن كل شيء خلقه} قال الراغب : الحسن عبارة عن كل مبهج - بصيغة الفاعل - مرغوب فيه وذلك ثلاثة أضرب : مستحسن من جهة العقل ومستحسن من جهة الهوى ومستحسن من جهة الحس .

انتهى .

وهذا تعريف له من جهة خاصته وانقسامه بانقسام الإدراكات الإنسانية .

وحقيقته ملاءمة أجزاء الشيء بعضها لبعض والمجموع للغرض والغاية الخارجة منه فحسن الوجه تلاؤم أجزائه من العين والحاجب والأنف والفم وغيرها ، وحسن العدل ملاءمته للغرض من الاجتماع المدني وهو نيل كل ذي حق حقه ، وهكذا .

والتدبر في خلقة الأشياء وكل منها في نفسه متلائم الأجزاء بعضها لبعض والمجموع من وجوده مجهز بما يلائم كماله وسعادته تجهيزا لا أتم ولا أكمل منه يعطي أن كلا منها حسن في نفسه حسنا لا أتم وأكمل منه بالنظر إلى نفسه .

وأما ما نرى من المساءة والقبح في الأشياء فلأحد أمرين : إما لكون الشيء السيىء ذا عنوان عدمي يعود إليه المساءة لا لوجوده في نفسه كالظلم والزنا فإن الظلم ليس بسيىء قبيح بما أنه فعل من الأفعال بل بما أنه مبطل لحق ثابت والزنا ليس بسيىء قبيح من جهة نفس العمل الخارجي الذي هو مشترك بينه وبين النكاح بل بما أن فيه مخالفة للنهي الشرعي أو للمصلحة الاجتماعية .

أو بقياسه إلى شيء آخر فيعرضه المساءة والقبح من طريق المقايسة كقياس الحنظل إلى البطيخ وقياس الشوك إلى الورد وقياس العقرب إلى الإنسان فإن المساءة إنما تطرأ هذه الأشياء من طريق القياس إلى مقابلاتها ثم قياسها إلى طبعنا ، ويرجع هذا الوجه من المساءة إلى الوجه الأول بالحقيقة .

وكيف كان فالشيء بما أنه موجود مخلوق لا يتصف بالمساءة ويدل عليه الآية {الذي أحسن كل شيء خلقه} إذا انضم إلى قوله : {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر : 62] فينتجان أولا : أن الخلقة تلازم الحسن فكل مخلوق حسن من حيث هو مخلوق .

وثانيا : أن كل سيىء وقبيح ليس بمخلوق من حيث هو سيىء قبيح كالمعاصي والسيئات من حيث هي معاص وسيئات والأشياء السيئة من جهة القياس .

قوله تعالى : {وبدأ خلق الإنسان من طين} المراد بالإنسان النوع فالمبدو خلقه من طين هو النوع الذي ينتهي أفراده إلى من خلق من طين من غير تناسل من أب وأم كآدم وزوجه (عليهما السلام) ، والدليل على ذلك قوله بعده : {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} فالنسل الولادة بانفصال المولود عن الوالدين والمقابلة بين بدء الخلق وبين النسل لا يلائم كون المراد ببدء الخلق بدء خلق الإنسان المخلوق من ماء مهين ، ولوكان المراد ذلك لكان حق الكلام أن يقال : ثم جعله سلالة من ماء مهين فافهمه .

وقوله : {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} السلالة كما في المجمع ، الصفوة التي تنسل أي تنزع من غيرها ويسمى ماء الرجل سلالة لانسلاله من صلبه ، والمهين من الهون وهو الضعف والحقارة وثم للتراخي الزماني .

والمعنى : ثم جعل ولادته بطريق الانفصال من صفوة من ماء ضعيف أو حقير .

قوله تعالى : {ثم سواه ونفخ فيه من روحه} التسوية التصوير وتتميم العمل ، وفي قوله : {نفخ فيه من روحه} استعارة بالكناية بتشبيه الروح بالنفس الذي يتنفس به ثم نفخة في قالب من سواه ، وإضافة الروح إليه تعالى إضافة تشريفية ، والمعنى : ثم صور الإنسان المبدو خلقه من الطين والمجعول نسله من سلالة من ماء مهين ونفخ فيه من روح شريف منسوب إليه تعالى .

قوله تعالى : {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون} امتنان بنعمة الإدراك الحسي والفكري فالسمع والبصر للمحسوسات والقلوب للفكريات أعم من الإدراكات الجزئية الخيالية والكلية العقلية .

وقوله : {قليلا ما تشكرون} أي تشكرون شكرا قليلا ، والجملة اعتراضية في محل التوبيخ وقيل : الجملة حالية ، والمعنى : جعل لكم الأبصار والأفئدة والحال أنكم تشكرون قليلا ، والجملة على أي حال مسوقة للبث والشكوى والتوبيخ .

والالتفات في قوله : {وجعل لكم} إلخ ، من الغيبة إلى خطاب الجمع لتسجيل أن الإنعام الإلهي الشامل للجميع يربو على شكرهم فهم قاصرون أو أكثرهم مقصرون .

________________

1- الميزان ، الطباطبائي ، ج16 ، ص196-203 .

 

تفسير الامثل

- ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذه الآيات (1) 

 

عظمة القرآن ، والمبدأ والمعاد :

مرّة اُخرى نواجه الحروف المقطّعة (الف ـ لام ـ ميم) في هذه السورة ، وهذه هي المرّة الخامسة عشرة التي نرى فيها مثل هذه الحروف في بداية السور القرآنية .

ولقد بحثنا بصورة مفصّلة في بداية سورة البقرة ، وآل عمران والأعراف التفاسير المختلفة لهذه الحروف . والبحث الذي جاء بعد هذه الحروف مباشرة حول أهميّة القرآن يبيّن مرّة اُخرى هذه الحقيقة ، وهي أنّ (الم) إشارة إلى عظمة القرآن ، والقدرة على إظهار عظمة الله سبحانه ، وهذا الكتاب العظيم الغنيّ المحتوى ، والذي هو معجزة محمّد (صلى الله عليه وآله) الخالدة يتكوّن من حروف المعجم البسيطة التي يعرفها الجميع .

تقول الآية : {تنزيل الكتاب لا ريب فيه من ربّ العالمين} (2) . هذه الآية ـ في الواقع ـ جواب عن سؤالين : الأوّل عن محتوى هذا الكتاب السماوي ، فتقول في الجواب : إنّ محتواه حقّ ولا مجال لأدنى شكّ فيه . والسؤال الثّاني يدور حول مبدع هذا الكتاب ، وفي الجواب تقول : إنّ هذا الكتاب من قبل ربّ العالمين .

ويحتمل في التّفسير أيضاً أنّ جملة (من ربّ العالمين) جاءت دليلا وبرهاناً لجملة {لا ريب فيه} ، فكأنّ سائلا يسأل : ما هو الدليل على أنّ هذا الكتاب حقّ ، ولا مجال للشكّ فيه؟ فتقول : الدليل هو أنّه من ربّ العالمين الذي يصدر منه كلّ حقّ وحقيقة .

ثمّ إنّ التأكيد على صفة (ربّ العالمين) من بين صفات الله سبحانه قد يكون إشارة إلى أنّ هذا الكتاب مجموعة من عجائب عالم الخلقة ، وعصارة حقائق عالم الوجود ، لأنّه من ربّ العالمين .

وينبغي الإلتفات أيضاً إلى أنّ القرآن لا يريد هنا الإكتفاء بالإدّعاء الصرف ، بل يريد أن يقول : إنّ الشيء الظاهر للعيان لا يحتاج إلى البيان ، فإنّ محتوى هذا الكتاب شاهد بنفسه على صحّته وأحقّيته .

ثمّ يشير إلى التهمة التي طالما وجهها المشركون والمنافقون إلى هذا الكتاب السماوي العظيم حيث قالوا : إنّ هذا الكتاب من تأليف محمّد . وقد ادّعى كذباً بأنّه من الله : {أم يقولون افتراه} (3) فيقول جواباً على ادّعاء هؤلاء الزائف : {بل هو الحقّ من ربّك} وأدلّة أحقّيته واضحة وبيّنة فيه من خلال آياته .

ثمّ يتطرّق إلى الهدف من نزوله ، فيقول : {لتنذر قوماً ما آتاهم من نذير من قبلك} .

فبالرغم من أنّ دعوة النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مبشّرة ومنذرة ، وأنّه بشير قبل أن يكون نذيراً ، إلاّ أنّه يجب التأكيد على الإنذار أكثر مع القوم الضالّين المعاندين .

وجملة (لعلّهم يهتدون) إشارة إلى أنّ القرآن يهيّء أرضية الهداية ، إلاّ أنّ التصميم وإتّخاذ القرار النهائي موكول ومرتبط بنفس الإنسان .

وهنا يطرح سؤالان :

1 ـ من هم هؤلاء القوم الذين لم يأتهم أي نذير قبل النّبي (صلى الله عليه وآله) ؟

2 ـ ألم يقل القرآن الكريم : { وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر : 24] .

قال جمع من المفسّرين في جواب السؤال الأوّل : المراد قبيلة قريش التي لم يكن لها نذير قبل نبيّ الإسلام .

وقال البعض الآخر : المراد مرحلة الفترة والفاصلة الزمنية بين نبوّة عيسى (عليه السلام)وظهور نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) .

إلاّ أنّ أيّاً من هذين الجوابين لا يبدو صحيحاً ، لأنّ الأرض لا تبقى خالية من حجّة الله مطلقاً ، وفي كلّ عصر وزمان لابدّ من وجود نبي أو وصي نبيّ لإتمام الحجّة .

بناءً على هذا ، يبدو أنّ المراد من «النذير» هنا النّبي الكبير الذي يوضّح ويبيّن دعوته مقرونة بالمعجزات وفي محيط واسع ، ومعلوم أنّ مثل هذا النذير لم يقم في الجزيرة العربية وبين قبائل مكّة .

وفي الإجابة عن السؤال الثّاني ينبغي أن يقال : إنّ معنى جملة : {وإنّ من اُمّة إلاّ خلا فيها نذير} هو أنّ كلّ اُمّة كان لها نذير ، إلاّ أنّه لا يلزم حضوره بنفسه في كلّ مكان ، بل يكفي أن يصل صوت دعوة أنبياء الله العظام بواسطة أوصيائهم إلى أسماع كلّ البشر في العالم .

وهذا يشبه قولنا : إنّ كلّ اُمّة كان لها نبي من اُولي العزم ، ولها كتاب سماوي ، فمعنى هذا الكلام أنّ صوت هذا النّبي وكتابه السماوي قد وصل عن طريق وكلائه وأوصيائه لكلّ تلك الاُمّة على طول التاريخ .

بعد بيان عظمة القرآن ورسالة النّبي (صلى الله عليه وآله) تطرّقت الآية التالية إلى أساس آخر من أهم اُسس ودعائم العقائد الإسلامية ، فتقول : {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستّة أيّام} (4) .

وقلنا مراراً : إنّ المراد من (ستّة أيّام) في هذه الآيات : ستّ مراحل ، لأنّ أحد معاني اليوم في المحادثات اليومية : المرحلة ، كما نقول : كان النظام المستبدّ يحكمنا بالأمس ، واليوم يحكمنا نظام الشورى ، في حين أنّ الحكومات المستبدّة كانت تحكم آلاف السنين ، إلاّ أنّهم يعبّرون عن تلك المرحلة باليوم .

ومن جهة اُخرى ، فقد مرّت فترات ومراحل مختلفة على السماء والأرض :

ـ فيوماً كانت كلّ كواكب المنظومة الشمسية كتلة واحدة مذابة .

ـ وفي يوم آخر إنفصلت السيارات عن الشمس وبدأت تدور حولها .

ـ وفي يوم كانت الأرض كتلة نار ملتهبة .

ـ وفي يوم آخر أصحبت باردة وجاهزة لحياة النباتات والحيوانات ، ثمّ وجدت الكائنات الحيّة عبر مراحل مختلفة .

وقد أوردنا شرحاً مفصّلا لهذا المعنى والمراحل الستّ بصورة مفصّلة في ذيل الآية (54) من سورة الأعراف .

ومن البديهي أنّ قدرة الله اللامتناهية كافية لإيجاد كلّ هذا العالم في لحظة ، بل وفي أقلّ منها ، إلاّ أنّ هذا النظام التدريجي يبيّن عظمة الله وعلمه وتدبيره في جميع المراحل بصورة أفضل .

فمثلا : إذا طوى الجنين في لحظة واحدة كلّ مراحل تكامله وولد ، فإنّ عجائبه ستبقى بعيدة عن نظر الإنسان ، أمّا عندما نراه يطوي في كلّ يوم واسبوع ـ طوال هذه التسعة أشهر ـ أشكالا عجيبة جديدة ، فسنتعرّف أكثر على عظمة الله سبحانه .

وبعد مسألة الخلق تتطرّق الآية إلى مسألة حاكمية الله سبحانه على عالم الوجود ، فتقول : إنّ الله تعالى بعد ذلك استوى على عرش قدرته وسيطر على جميع الكائنات : (ثمّ استوى على العرش) .

كلمة (العرش) كما قلنا سابقاً ، تعني في الأصل الكراسي الطويلة القوائم ، وتأتي عادة كناية عن القدرة ، كما نقول في تعبيراتنا اليومية : تكسّرت قوائم عرش فلان ، أي إنّ قدرته وحكومته قد زالت .

بناءً على هذا ، فإنّ إستواء الله على العرش لا يراد منه المعنى الجسمي بأن يكون لله عرش كالملوك يجلس عليه ، بل بمعنى أنّه خالق عالم الوجود ، وكذلك الحاكم على كلّ العالم(5) .

وتكمّل الآية مراحل التوحيد بالإشارة إلى توحيد «الولاية» و«الشفاعة» ، فتقول : {ما لكم من دونه من وليّ ولا شفيع} .

فمع هذا الدليل الواضح ، بأنّ كونه سبحانه خالقاً دليل على كونه حاكماً ، والحاكميّة دليل على توحيد الولي والشفيع والمعبود ، فلماذا تنحرفون وتضلّون وتتمسّكون بالأصنام ؟ (أفلا تتذكّرون) !

في الحقيقة ، إنّ المراحل الثلاث للتوحيد التي إنعكست في الآية أعلاه يعتبر كلّ منها دليلا على الاُخرى ، فتوحيد الخالقية دليل على توحيد الحاكمية ، وتوحيد الحاكمية دليل على توحيد الوليّ والشفيع والمعبود .

وهنا طرح بعض المفسّرين سؤال ، وهو أنّ الجملة الأخيرة تقول : ما لكم من دون الله من وليّ ولا شفيع ، ومعناها أنّ وليّكم وشفيعكم الوحيد هو الله سبحانه وحده ، فهل من الممكن أن يشفع أحد عنده؟

ويمكن الإجابة على هذا السؤال من ثلاثة جوانب :

1 ـ بملاحظة أنّ جميع الشفعاء لا يشفعون إلاّ بإذنه تعالى : {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة : 255] ، يمكن القول بأنّ الشفاعة بالرغم من كونها من قبل الأنبياء وأولياء الله ، إلاّ أنّها تعود إلى الله سبحانه ، سواء كانت الشفاعة لغفران الذنوب والعفو عن العاصين ، أم للوصول إلى النعم الإلهيّة ، والشاهد على هذا الكلام الآية التي وردت في بداية سورة «يونس» بمضمون هذه الآية تماماً ، حيث تقول : {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس : 3]

2 ـ إنّنا عند التوسّل بالله نتوسّل بصفاته ، فنستمدّ من رحمته ورحمانيّته ، من كونه غفّاراً غفوراً ، ومن فضله وكرمه ، فكأنّنا قد جعلناه شفيعاً إلى نفسه ، ونعتبر هذه الصفات واسطة بينها وبين ذاته المقدّسة ، وإن كانت صفاته عين ذاته في الحقيقة ، وهذا هو نفس الشيء الذي جاء في دعاء كميل في عبارة علي (عليه السلام) العميقة المعنى : «واستشفع بك إلى نفسك» .

3 ـ المراد من «الشفيع» هنا : الناصر والمعين ، ونحن نعلم أنّ الناصر والوليّ والمعين هوالله وحده ، وما قيل من أنّ الشفاعة هنا بمعنى الخلق وتكميل النفوس يعود في الحقيقة إلى نفس هذا المعنى .

وتشير الآية الأخيرة من الآيات مورد البحث إلى توحيد الله سبحانه في البداية ، ثمّ إلى مسألة «المعاد» ، وبهذا تكمل هنا فروع وأركان التوحيد الثلاثة التي اتّضحت في الآيات السابقة ـ (توحيد الخالقية والحاكمية والعبودية) ـ بذكر توحيد الربوبية ، أي تدبير عالم الوجود من قبل الله سبحانه فقط ، فتقول : إنّ الله يدبّر اُمور العالم من مقام القرب منه إلى الأرض : (يدبّر الأمر من السماء إلى الأرض) .

وبتعبير آخر ، فإنّ الله سبحانه قد جعل عالم الوجود من السماء إلى الأرض تحت أمره وتدبيره ، ولا يوجد مدبّر سواه في هذا العالم (6) .

ثمّ تضيف : {ثمّ يعرج إليه في يوم كان مقداره الف سنة ممّا تعدّون} والمراد من هذا اليوم يوم القيامة .

وتوضيح ذلك : أنّ المفسّرين قد تحدّثوا كثيراً في تفسير هذه الآية ، واحتملوا إحتمالات عديدة مختلفة :

1 ـ فاعتبرها بعضهم إشارة إلى قوس الصعود والنّزول لتدبير العالم في هذه الدنيا .

2 ـ وذهب آخرون إلى أنّها إشارة إلى ملائكة الله الذين يطوون المسافة بين السماء والأرض في خمسمائة سنة ، ويرجعون بهذه المدّة أيضاً ، وهو مشغولون بتدبير هذا العالم بأمر الله سبحانه .

3 ـ ويعتبرها البعض الآخر إشارة إلى مراحل التدبير الإلهي في هذا العالم ، ويعتقدون أنّ مراحل التدبير الإلهي في هذا العالم كلّ ألف سنة ، ويأمر الله سبحانه ملائكته بتدبير أمر السماء والأرض في كلّ الف سنة ، وبعد إنتهاء مرحلة الألف سنة هذه تبدأ مرحلة اُخرى .

إنّ هذه التفاسير علاوة على أنّها تطرح مطالب غامضة ومبهمة ، فإنّها لا تمتلك قرينة وشاهداً من نفس الآية أومن آيات القرآن الاُخرى .

وفي إعتقادنا أنّ المراد من الآية ـ بقرينة آيات اُخرى من القرآن ، وكذلك الروايات الواردة في تفسير الآية ـ شيء آخر ، وهو أنّ الله سبحانه خلق هذا العالم ، ونظّم ودبّر السماء والأرض بتدبير خاصّ ، وألبس البشر والموجودات الحيّة الاُخرى لباس الحياة ، إلاّ أنّه يطوى هذا التدبير في نهاية العالم ، فتظلم الشمس ، وتفقد النجوم أشعّتها ، وبتعبير القرآن ستطوى السماوات حتّى ترجع إلى حالتها قبل توسّع هذا العالم { يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء : 104] ، وبعد طيّ هذا العالم سيبدأ إبداع برنامج ومشروع عالمي جديد أوسع ، أي سيبدأ عالم آخر بعد إنتهاء هذه الدنيا .

وهذا المعنى قد ورد في آيات القرآن الاُخرى ، ومن جملتها الآية (156) من سورة البقرة : { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة : 156] .

وجاء في الآية (27) من سورة الروم : {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [الروم : 27] .

ونقرأ في الآية (34) من سورة يونس : {قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } [يونس : 34] .

بملاحظة هذه التعبيرات ، والتعبيرات الاُخرى التي تقول : { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ} [هود : 123] ، يتّضح أنّ الآية مورد البحث تتحدّث أيضاً عن بداية ونهاية العالم وقيام يوم القيامة ، والذي يعبّرون عنه أحياناً بـ «قوس النّزول» و«قوس الصعود» .

بناءً على هذا فإنّ معنى الآية يصبح : إنّ الله سبحانه يدبّر أمر هذا العالم من السماء إلى الأرض ـ يبدأ من السماء وينتهي بالأرض ـ ثمّ يعود كلّ ذلك إليه في يوم القيامة .

ونطالع في تفسير علي بن إبراهيم في ذيل هذه الآية : يعني الاُمور التي يدبّرها ، والأمر والنهي الذي أمر به ، وأعمال العباد ، كلّ هذا يظهر يوم القيامة فيكون مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سنيّ الدنيا .

وهنا سؤال ، وهو : إنّنا نرى في الآية (4) من سورة المعارج في شأن طول يوم القيامة : {تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين الف سنة} فكيف يمكن الجمع بين الآية مورد البحث ، والتي عيّنت مقداره بألف سنة فقط ، وآية سورة المعارج ؟!

وقد ورد الجواب عن هذا السؤال في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) روي في (أمالي الشيخ الطوسي) أنّه قال : «إنّ في القيامة خمسين موقفاً ، كلّ موقف مثل الف سنة ممّا تعدّون ، ثمّ تلا هذه الآية : في يوم كان مقداره خمسين الف سنة» (7) .

ومن الطبيعي أنّ هذه التعبيرات لا تنافي عدم كون المراد من عدد الألف والخمسين ألفاً ، العدد والحساب هنا ، بل كلّ منهما لبيان الكثرة والزيادة ، أي إنّ في القيامة خمسين موقفاً يجب أن يتوقّف الإنسان في كلّ موقف مدّة طويلة جدّاً .

وقوله تعالى : {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة : 6 - 9] .

 

مراحل خلق الإنسان العجيبة !

إنّ الآيات ـ مورد البحث ـ إشارة وتأكيد في البداية على بحوث التوحيد التي مرّت في الآيات السابقة ، والتي كانت تتلخّص في أربع مراحل : توحيد الخالقية ، والحاكمية ، والولاية ، والربوبية ، فتقول : {ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم} .

من البديهي أنّ من يريد أن يدبّر اُمور السماء والأرض ، وأن يكون حاكماً عليها ، ويتعهّد ويقوم بمهام مقام الولاية والشفاعة والإبداع ، يجب أن يكون مطّلعاً على كلّ شيء ، الظاهر والباطن ، حيث لا يمكن أن يتمّ أيّ من هذه الاُمور بدون الإطّلاع وسعة العلم .

وفي نفس الوقت الذي يجب أن يكون هذا المدبّر عزيزاً قويّاً لا يقهر ليقوى على القيام بهذه الأعمال المهمّة ، ينبغي أن تقترن هذه العزّة باللطف والرحمة ، لا الخشونة والغلظة .

ثمّ تشير الآية التالية إلى نظام الخلقة الأحسن والأكمل بصورة عامّة ، ومقدّمة لبيان خلق الإنسان ومراحل تكامله بشكل خاصّ : {الذي أحسن كلّ شيء خلقه} وأعطى كلّ شيء ما يحتاجه ، وبتعبير آخر : فإنّ تشييد صرح الخلقة العظيم قد قام على أساس النظام الأحسن ، أي قام على نظام دقيق سالم لا يمكن تخيّل نظام أكمل منه .

لقد أوجد سبحانه بين كلّ الموجودات علاقة وإنسجاماً ، وأعطى كلاّ منها ما يطلبه على لسان الحال .

إذا نظرنا إلى وجود الإنسان ، وأخذنا بنظر الإعتبار كلّ جهاز من أجهزته ، فسنرى أنّها خلقت من ناحية البناء والهيكل ، والحجم ، ووضع الخلايا ، وطريقة عملها ، بشكل تستطيع معه أن تؤدّي وظيفتها على النحو الأحسن ، وفي الوقت ذاته فقد وضعت بين الأعضاء روابط قويّة بحيث يؤثّر ويتأثّر بعضها بالبعض الآخر بدون إستثناء .

وهذا المعنى هو الحاكم تماماً في العالم الكبير مع المخلوقات المتنوّعة ، وخاصّة في عالم الكائنات الحيّة ، مع تلك التشكيلات والهيئات المختلفة جدّاً .

والخلاصة : فإنّه هو الذي أودع أنواع العطور البهيجة في الأزهار المختلفة ، وهو الذي يهبّ الروح للتراب والطين ويخلق منه إنساناً حرّاً ذكيّاً عاقلا ، ومن هذا التراب المخلوط يخلق أحياناً الأزهار ، وأحياناً الإنسان ، وأحياناً اُخرى أنواع الموجودات الاُخرى ، وحتّى التراب نفسه خلق فيه ما ينبغي أن يكون فيه .

ونرى نظير هذا الكلام في الآية (50) من سورة «طه» من قول موسى وهارون(عليهما السلام) : {ربّنا الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى} .

وهنا يطرح سؤال حول خلق الشرور والآفات ، وكيفية إنسجامها مع النظام العالم الأحسن ، وسنبحثه إن شاء الله تعالى فيما بعد .

بعد هذه المقدّمة الآفاقية يدخل القرآن بحث الأنفس ، وكما تحدّث في بحث الآيات الآفاقية عن عدّة أقسام للتوحيد ، فإنّه يتحدّث هنا عن عدّة مواهب عظيمة في مورد البشر :

يقول أوّلا : {وبدأ خلق الإنسان من طين} ليبيّن عظمة وقدرة الله سبحانه حيث خلق مثل هذا المخلوق الجليل العظيم من مثل هذا الموجود البسيط الحقير ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر يحذّر الإنسان ويذكّره من أين أتيت ، وإلى أين ستذهب؟!

ومن المعلوم أنّ هذه الآية تتحدّث عن خلق آدم ، لا كلّ البشر ، لأنّ إستمرار نسله قد ذكر في الآية التالية ، وظاهر هذه الآية دليل واضح على خلق الإنسان بشكل مستقل ، ونفي فرضيّة تحوّل الأنواع {وعلى الأقل في مورد نوع الإنسان} .

وبالرغم من أنّ البعض أراد أن يفسّر هذه الآية بحيث تناسب وتلائم فرضية تكامل الأنواع ، بأنّ خلق الإنسان يرجع إلى أنواع سافلة ، وهي تنتهي أخيراً إلى الماء والطين ، إلاّ أنّ ظاهر الآية ينفي وجود أنواع اُخرى من الموجودات الحيّة ـ وهم يدّعون أنّها أنواع لا تحصى ـ تفصل بين آدم والطين ، بل إنّ خلق الإنسان قد تمّ من الطين مباشرة وبدون واسطة . ولم يتحدّث القرآن عن أنواع الكائنات الحيّة الاُخرى .

وهذا المعنى يتّضح أكثر عند ملاحظة الآية (59) من سورة آل عمران ، حيث تقول : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} [آل عمران : 59] .

ويقول في الآية (26) من سورة الحجر : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر : 26] .

ويستفاد من مجموع الآيات أنّ خلق آدم قد تكوّن من التراب والطين كخلق مستقل ، ومن المعلوم أنّ فرضية تطور الأنواع لم تكن مسألة علمية قطعية لنحاول تفسير الآيات أعلاه بشكل آخر بسبب تضادّها وتعارضها مع هذه الفرضية ، وبتعبير آخر : طالما لا توجد قرينة واضحة على خلاف ظواهر الآيات فيجب أن نطبّقها بمعناها الظاهر ، وكذلك الحال في مورد خلق آدم المستقلّ .

ثمّ تشير الآية بعدها ، إلى خلق نسل الإنسان ، وكيفية تولّد أولاد آدم في مراحل ، فتقول : {ثمّ جعل نسله من سلالة من ماء مهين} .

«جعل» هنا بمعنى الخلق ، و«النسل» : بمعنى الأولاد والأحفاد في جميع المراحل .

«السلالة» في الأصل ، بمعنى العصارة الخالصة لكلّ شيء ، والمراد منها هنا نطفة الإنسان التي تعتبر عصارة كلّ وجوده ، ومبدأ حياة وتولّد الذريّة وإستمرار النسل .

إنّ هذا السائل الذي يبدو تافهاً لا قيمة له ولا مقدار فإنّه يعدّ من الناحية البنائية والخلايا الحيوية التي تسبح فيه ، وكذلك تركيب السائل الخاصّ الذي تسبح فيه الخلايا رقيقاً ودقيقاً ومعقّداً إلى أبعد الحدود ، ويعتبر من آيات عظمة الله سبحانه ، وعلمه وقدرته . وكلمة «مهين» التي تعني الضعيف إشارة إلى وضعه الظاهري ، وإلاّ فإنّه من أعمق أسرار الموجودات .

وتشير الآية التالية إلى مراحل تكامل الإنسان المعقّدة في عالم الرحم ، وكذلك المراحل التي طواها آدم عند خلقه من التراب ، فتقول : (ثمّ سوّاه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) .

«سوّاه» من التسوية ، أي الإكمال ، وهذه إشارة إلى مجموع المراحل التي يطويها الإنسان من حال كونه نطفة إلى المرحلة التي تتّضح فيها جميع أعضاء بدنه ، وكذلك المراحل التي طواها آدم بعد خلقه من التراب حتّى نفخ الروح (8) .

والتعبير بـ «النفخ» كناية عن حلول الروح في بدن الإنسان ، فكأنّه شبّه الحال بالهواء والتنفّس ، بالرغم من أنّه لا هذا ولا ذاك .

فإن قيل : إنّ نطفة الإنسان منذ إستقرارها في الرحم ـ بل وقبل ذلك ـ كانت كائناً حيّاً وعلى هذا فأيّ معنى لنفخ الروح؟

قلنا في الجواب : إنّ النطفة عندما تنعقد في البداية ليس لها إلاّ نوعاً من «الحياة النباتية» ، أي التغذية والنمو فقط ، أمّا الحسّ والحركة التي هي علامة «الحياة الحيوانية» ، وكذلك قوّة الإدراكات التي هي علامة الحياة الإنسانية ، فلا أثر عن كلّ ذلك .

إنّ تكامل النطفة في الرحم تصل إلى مرحلة تبدأ عندها بالحركة ، وتحيا وتنبعث فيها القوى الإنسانية الاُخرى تدريجياً ، وهذه هي المرحلة التي يعبّر عنها القرآن بنفخ الروح .

أمّا إضافة «الروح» إلى «الله» فهي «إضافة تشريفية» ، أي إنّ روحاً ثمينة وشريفة بحيث أنّ من المناسب أن تسمّى «روح الله» قد دبّت في الإنسان ونفخت فيه ، وهذا يبيّن حقيقة أنّ الإنسان وإن كان من ناحية البعد المادّي يتكوّن من الطين والماء ، إلاّ أنّه من البعد المعنوي والروحي يحمل «روح الله» .

إنّ أحد طرفي وجوده ينتهي إلى التراب ، وطرفه الآخر يتّصل بعرش الله ، فإنّه خليط من الملائكة والحيوان ، ولوجود هذين البعدين فإنّ منحني صعوده ونزوله ، وتكامله وإنحطاطه واسع جدّاً (9) .

وأشار القرآن في آخر مرحلة ـ والتي تعتبر المرحلة الخامسة في خلق الإنسان ـ إلى نعمة الاُذن والعين والقلب ، ومن الطبيعي أنّ المراد هنا ليس خلقة هذه الأعضاء ، لأنّ هذه الخلقة تتكوّن قبل نفخ الروح ، بل المراد حسّ السمع والبصر والإدراك والعقل .

والتأكيد على هذه الحواس الثلاث فقط من بين كلّ الحواس «الظاهرة» و«الباطنة» ، لأنّ أهمّ حسّ ظاهري يربط الإنسان بالعالم الخارجي رابطة قويّة هو السمع والبصر ، فالاُذن تدرك الأصوات ، وخاصّة أنّ التربية والتعليم يتمّ بواسطتها ، والعين وسيلة النظر إلى العالم الخارجي ومشاهدة مشاهد هذا العالم المختلفة ، وقوّة العقل أهمّ حسّ باطني لدى الإنسان ، وبتعبير آخر فإنّه حاكم على وجود البشر .

والجدير بالذكر أنّ «أفئدة» جمع «فؤاد» بمعنى «قلب» ولكن مفهومها أدقّ من القلب حين يقصد بها عادةً الحنكة والفطانة في الفرد ، وبهذا يبيّن الله تعالى في هذه الآية أهمّ وسائل المعرفة والإدراك الظاهرية والباطنية في الإنسان ، لأنّ العلوم والمعارف إمّا أن يحصل عليها الإنسان بواسطة «التجربة» فالوسيلة هي السمع والبصر ، أوعن طريق التحليل والإستدلال العقلي ، والوسيلة لذلك هو العقل والفؤاد كما ورد التعبير عنه في هذه الآية ، وحتّى الإدراك الحاصل من الوحي أو الإشراق والشهود القلبي يتمّ بواسطة هذه الوسيلة أيضاً ، أي «الأفئدة» .

ولو فقد الإنسان هذه الوسائل للمعرفة ، فسوف يخسر قيمته تماماً ويصبح مجرّد كميّة مهملة من المادّة والتراب ، ولهذا نجد الآية الشريفة محل البحث تؤكّد في ختامها على مسألة الشكر لهذه النعم العظيمة على الإنسان وتقول (قليلا ما تشكرون) وذلك إشارة إلى أنّ الإنسان مهما سعى في أداء شكر هذه النعم والمواهب العظيمة ، فمع ذلك لا يؤدّي حقّ الشكر .

 ______________________

1- الامثل ، ناصر مكارم الشيرازي ، ج10 ، ص273-288 .

2 ـ «تنزيل الكتاب» خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذا) وجملة (لا ريب فيه) صفته ، و(من ربّ العالمين) صفة اُخرى . وإحتمل البعض أن تكون الجمل الثلاث أخباراً متعاقبة . إلاّ أنّ المعنى الأوّل أنسب . وعلى كلّ حال فإنّ (تنزيل) مصدر جاء بمعنى اسم المعفول ، وإضافته إلى الكتاب من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف . ويحتمل أيضاً أن يكون المصدر بمعناه الأصلي ويؤدّي معنى المبالغة .

3 ـ «أم» هنا بمعنى «بل» ، وإحتمل البعض أنّ في الجملة تقديراً ، وكانت في الأصل : أيعترفون به أم يقولون إفتراه ـ تفسير «الفخر الرازي وأبي الفتوح ـ» إلاّ أنّ هذا الإحتمال يبدو بعيداً .

4 ـ لفظ الجلالة في هذه الجملة مبتدأ ، و(الذي) خبره . وإحتملت في تركيب هذه الجملة إحتمالات اُخرى ، من جملتها ، أنّ لفظ الجلالة خبر لمبتدأ محذوف ، أوأنّ لفظ الجلالة مبتدأ وخبره (ما لكم من دونه من ولي) إلاّ أنّ هذين الإحتمالين لا يبدوان مناسبين بتلك الدرجة .

5 ـ لمزيد التوضيح حول هذا الكلام راجع ذيل الآية (54) من سورة الأعراف .

6 ـ طبقاً للتعبير الأوّل فإنّ «السماء» بمعنى مقام القرب من الله ، وطبقاً للتعبير الثّاني فإنّ «السماء» تعني نفس هذه السماء ـ تأمّلوا ذلك ـ .

7 ـ تفسير نور الثقلين ، ج4 ، ص221 ، وتفسير الصافي ذيل الآية مورد البحث .

8 ـ البعض يعتبر هذه الآية إشارة إلى مراحل التكامل الجنيني فقط ، والبعض الآخر إحتمل أن تكون إشارة إلى مراحل تكامل آدم بعد خلقه من التراب ، لأنّ عين هذه التعبيرات قد جاء في آيات اُخرى من القرآن . إلاّ أنّه لا مانع من أن تعود إلى الإثنين ، لأنّ خلق آدم من التراب ، ونسله من مني ، طوى ويطوي هذه المراحل .

9 ـ بحثنا في هذا الباب في ذيل الآية (29) من سورة الحجر .




وهو تفسير الآيات القرآنية على أساس الترتيب الزماني للآيات ، واعتبار الهجرة حدّاً زمنيّاً فاصلاً بين مرحلتين ، فكلُّ آيةٍ نزلت قبل الهجرة تُعتبر مكّيّة ، وكلّ آيةٍ نزلت بعد الهجرة فهي مدنيّة وإن كان مكان نزولها (مكّة) ، كالآيات التي نزلت على النبي حين كان في مكّة وقت الفتح ، فالمقياس هو الناحية الزمنيّة لا المكانيّة .

- المحكم هو الآيات التي معناها المقصود واضح لا يشتبه بالمعنى غير المقصود ، فيجب الايمان بمثل هذه الآيات والعمل بها.
- المتشابه هو الآيات التي لا تقصد ظواهرها ، ومعناها الحقيقي الذي يعبر عنه بـ«التأويل» لا يعلمه الا الله تعالى فيجب الايمان بمثل هذه الآيات ولكن لا يعمل بها.

النسخ في اللغة والقاموس هو بمعنى الإزالة والتغيير والتبديل والتحوير وابطال الشي‏ء ورفعه واقامة شي‏ء مقام شي‏ء، فيقال نسخت الشمس الظل : أي ازالته.
وتعريفه هو رفع حكم شرعي سابق بنص شرعي لا حق مع التراخي والزمان بينهما ، أي يكون بين الناسخ والمنسوخ زمن يكون المنسوخ ثابتا وملزما بحيث لو لم يكن النص الناسخ لاستمر العمل بالسابق وكان حكمه قائما .
وباختصار النسخ هو رفع الحكم الشرعي بخطاب قطعي للدلالة ومتأخر عنه أو هو بيان انتهاء امده والنسخ «جائز عقلا وواقع سمعا في شرائع ينسخ اللاحق منها السابق وفي شريعة واحدة» .



صدورُ العدد السادس من مجلّة القرآن والاستشراق المعاصر
بالاعتماد على ملاكاتها: العتبةُ العبّاسية المقدّسة تصمّمُ وتنفّذ منظومةً ذكيّة للتحكّم بإنارة مرقد أبي الفضل العبّاس (عليه السلام)
لكونه يمثّل العراق فيها: مركزُ الفهرسة ونُظُم المعلومات يدرج مكتبتَيْ الروضة الحيدريّة وجامعة بغداد ضمن أحدث تقارير الاتّحاد الدوليّ للمكتبات
ملاكاتُ العتبة العبّاسية المقدّسة تُنهي إسقاط تصاميم مخطّطات بناية الحياة السابعة في بابل