الجوانب المرتبطة بمزاولة الشركات الأجنبية لنشاطها في الدول المضيفة
إن عملية استخراج النفط في الدول المضيفة تتم وفقاً لعقود موقعه بين تلك الدول کطرف، والشركات الأجنبية الداخلة كطرف واحد أمام الدولة المضيفة.
وقبل دخول الشركات الأجنبية في أي اتفاق مع الدولة المضيفة، فإنها تعمل على دراسة العديد من الجوانب المرتبطة بمزاولة تلك الشركات النفطية الأجنبية لنشاطها في الدول المضيفة، والمتمثلة في التالي:
1 - المخاطر التي تواجه الشركات النفطية الدولية:
نظراً للصعوبات المالية والفنية التي تواجه العديد من الدول النامية، والتي وهبها الله سبحانه وتعالى مورد النفط، فإنها تعمل على استقطاب الشركات النفطية الدولية للعمل على استكشاف وإنتاج النفط وفقاً للشروط التي يتم الاتفاق عليها. وتعمل الدول المضيفة على وضع الترتيبات الأمنية والسياسية والفنية اللازمة، بما يكفل توفير المناخ المناسب للشركات الأجنبية للعمل بدون عقبات لضمان سرعة وحسن استخدام الموارد النفطية. ومع هذا فإنه من وجهة نظر الشركات النفطية الدولية، يصحب الاستثمار في الدول المضيفة العديد من المخاطر الاقتصادية والسياسية، والتي تختلف من دولة إلى أخرى، وهو ما يضاف إلى المخاطر الموروثة عن طبيعة صناعة النفط نفسها، في مراحل الاستكشاف والحفر والتطوير والإنتاج. وتتمثل أهم المخاطر التي تواجه الشركات النفطية الدولية عند استثمارها في الدول المضيفة في التالي:
أ - عدم الاستقرار السياسي
إن درجة الاستقرار السياسي للدولة المضيفة، وكذا الدول المجاورة، يعتبر من المرتكزات الأساسية التي تضعها الشركات الدولية في اعتبارها قبل أي اعتبار آخر.
فالشركات النفطية الدولية ترى أن عدم الاستقرار السياسي في الدولة المضيفة له أثار سلبية تتمثل في:
- التعاقب أو التغييرات في الحكم قد يعني عدم احترام النظام الجديد للإتفاقيات التي أبرمتها الشركة النفطية مع الجهات المعنية في ظل نظام الحكم السابق، وخاصة أنه في الكثير من الدول النامية تتغير القوانين بصورة مستمرة، وأحياناً يسري مفعولها بأثر رجعي.
- ومن المخاطر السياسية التي توليها الشركات النفطية اهتماماً كبيراً عند دراسة الاستثمار في الدول المضيفة هو التأميم Nationalization والمصادرة Confiscation. وبالطبع حدوث مثل هذه الجوانب يلحق بالدول المضيفة أثراً سلبياً كبيراً في تدفق الاستثمارات إلى البلد.
وتجدر الإشارة إلى أن عدم الاستقرار السياسي والمخاطر السياسية بصورة عامة التي تحيط بالبلد المضيف، تنعكس على قسط التأمين على أصول العقد المختلفة وعلى تأمين نقل المعدات والمستلزمات. إذ أنه في حالة وجود عدم استقرار سياسي ومشاكل معينة داخل البلد المضيف، يجعل شركات التأمين الدولية ترفع قسط التأمين، سواء على المعدات أو الأفراد بشكل كبير.
ب- النزاعات الحدودية والحروب الأهلية
من المخاطر التي تواجه الشركات النفطية النزاع بين الدولة المضيفة ودول مجاورة لها على الحدود، سواء البرية أو المائية. فنجد في هذا الصدد حصول الشركات النفطية على اتفاق للتنقيب عن النفط في منطقة محددة، وبعد الاستكشاف والحفر والتطوير ووجود احتياطي بكميات تجارية، يتم إخبار الشركة النفطية بأن دولة أخرى مجاورة تدعى أحقيتها في المنطقة التي اكتشف النفط فيها. ونزاعات من هذا النوع، وعلى الحدود بالذات، لا يتم حلها عادة بصورة سريعة، وتأخذ سنوات طويلة للبت فيها.
بالإضافة إلى ما سبق، فإن الشركات النفطية تواجه في بعض الدول المضيفة مشاكل الحروب الأهلية وهو ما يعني مخاطر، ليس فقط ذات طابع مالي، ولكن تمتد لتشمل الأفراد والممتلكات التابعة للشركات النفطية الدولية.
جـ - المخاطر المرتبطة بمتطلبات تنفيذ الأعمال:
تواجه الشركات النفطية الدولية وجود مخاطر في بعض الدول النامية، مثل عدم توافر البنية الأساسية، من مرافق وطرقات وخطوط تليفونات وعدم توافر الكوادر المؤهلة فنياً ومحاسبياً وإدارياً ، وغيرها من الجوانب. وبالتالي يتطلب الأمر قضاء وقت في المراحل الأولى، في توفير ما سبق في ضوء ظروف وقوانين الدولة المضيفة.
وبالإضافة إلى ما سبق فإن هناك صعوبات أخرى تواجه الشركات النفطية الأجنبية في الدول المضيفة، منها: البطء في إجراءات الحصول على تأشيرات الدخول لموظفي الشركات النفطية، والبطء في إجراءات استيراد المعدات والمستلزمات المختلفة، واختلاف الثقافات والعادات الاجتماعية، وعدم وجود مرونة كافية من قبل الدولة المضيفة في تفسير بعض فقرات بنود عقود المشاركة التي يشوبها الغموض.
د- المخاطر المرتبطة بتعديل معدلات الضرائب
تقضي بعض الترتيبات التعاقدية التي تتم بين الشركات النفطية والدولة المضيفة اعتبار الدولة بمثابة شريك في الأرباح Profit Sharing الناتجة عن استغلال العقد.
وتعتبر الضرائب على الدخل إحدى الوسائل التقليدية التي استخدمتها الدولة المضيفة لأخذ جزء من حصتها في الشركة النفطية. وبالتالي فإن التعديلات المتكررة لمعدلات الضرائب على الدخل، أو فرض ضرائب خاصة على الشركات النفطية من وقت إلى آخر، يعتبر من الجوانب غير المحفزة للشركات النفطية في الاستثمار في الدولة المضيفة. وهذا قد يحدث في حالة ما تكون الاتفاقيات غير مشتملة على الجوانب الضريبية، بصورة تحمي الشركة النفطية من أي تعديل يحدث في القوانين الضريبية للدولة المضيفة. ولهذا نجد في العديد من الدول أنه تتم الموافقة على اتفاقيات أو عقود استغلال الموارد النفطية من قبل المجالس التشريعية في البلد المضيف، لضمان عدم المساس بتلك العقود من قبل أية جهة أخرى، مثل الجهات الضريبية في البلد المضيف. إذ أن أي تعديل في عقد يحتاج إلى العودة إلى المجلس التشريعي، والذي قد يكون مجلس النواب، أو غيره حسب النظام المتبع في مختلف الدول المضيفة.
ومن الجوانب التي عادة ما تكون محل خلاف بين الشركات النفطية والدولة المضيفة، تحديد إجمالي الدخل والمصاريف التي تخصم من ذلك الدخل، للوصول إلى وعاء الضريبة. وعلى الدول المضيفة أن تدرك وسائل التلاعب التي تستخدمها الشركات النفطية، والتي منها بيع الشركة النفطية في الدولة المضيفة المنتج إلى شركة تابعة Affiliate بسعر يختلف عن سعر السوق. فنجد أن بعض الشركات تقوم بالتهرب الضريبي، عن طريق تحويل أرباحها من دولة لأخرى، وذلك من خلال التعامل الذي يتم بين الشركة الأم والشركات التابعة، أو من الشركات التابعة نفسها التي تقع في دول مختلفة. فقد يحدث أن تبيع شركة تابعة مقرها أمريكا اللاتينية، زيتاً إلى الشركة الأم في الولايات المتحدة الأمريكية بسعر أعلى للبرميل من السعر السائد في السوق. وهذا من شأنه تحويل الإيرادات من الشركة الأم (من أمريكا) إلى الشركة التابعة (أمريكا اللاتينية). ولهذا نجد بعض الدول تضع عقوبات قاسية على مثل هذا التلاعب.
وفي هذه الحالة، فإن سعر السوق الحر Free market price، لو كان أعلى هـو الذي يستخدم في تحديد إجمالي الدخل لأغراض ضريبة الدخل التي تفرضها الدولة المضيفة. ومع هذا نجد في كثير من الدول استخدام سعر معلن غير حقيقي Artificial Posted Price كبديل لسعر السوق الحر في احتساب الضريبة، حتى ولو تم بيع المنتج في سوق مفتوحة Open Market. وعموماً فإن العقد يجب أن يحدد بصورة واضحة كيفية معالجة تلك الجوانب الخلافية.
2- مدى مرونة الإطار التشريعي في الدول المضيفة
تجدر الإشارة إلى أنه من الناحية القانونية تقوم الشركات النفطية بدراسة الإطار التشريعي للبلد المضيف بصورة عامة، لمعرفة الترابط بين مكوناته. فنجد أن الإطار التشريعي يتكون من الدستور أولاً، ومن ثم قوانين الضرائب، وقوانين استغلال النفط، إن وجدت، ومن ثم عقود المشاركة في الإنتاج، وأخيراً عقود تشغيل الشراكة. وبالطبع نجد أنه لا يمكن مخالفة الدستور. فمثلاً في فنزويلا نجد أن الدستور يشير إلى أن حل النزاعات يتم أمام المحاكم الفنزويلية، وبالتالي هذا يعنى عدم التفكير في الإشارة في عقود المشاركة أو غيرها إلى أن يتم التحكيم أمام محاكم خارجية، باعتبار ذلك مخالفا للدستور. وعلى هذا الأساس تقوم الشركات الأجنبية بدراسة ذلك الإطار التشريعي لتحدد لنفسها الإطار الذي يمكن التحرك فيه أثناء المفاوضات والتعاقد مع الدولة المضيفة.
3- تأهيل كوادر الدول المضيفة وأعمال البنية الأساسية:
نظراً لحاجة الدول المضيفة إلى نقل الخبرات إليها من جهة، وإلى إقامة العديد من المشاريع الأساسية، فإنها عادة ما تجد أن هناك فرصة لتحقيق ولو جزء من تلك الاحتياجات من خلال الشركات النفطية، التي من المتوقع أن تعمل على استخراج النفط في أراضي الدول المضيفة ومثال ذلك نقل التكنولوجيا والخبرة من الشركات النفطية إلى الدولة المضيفة، من خلال تأهيل وتدريب الكوادر المحلية. وهو ما يتيح للدولة المضيفة بناء كوادر مؤهلة بمرور فترة معينة من الزمن يستطيعون العمل والتفاعل مع تلك الكوادر التابعة للشركات النفطية الأجنبية. وعادة ما تحدد الدولة المضيفة فترة زمنية معينة يتم فيها إحلال الأجانب وشغل وظائف معينة من قبل الكوادر المحلية.
وهناك جوانب قد تطلب الدول المضيفة من الشركات النفطية الأجنبية تنفيذها، إما في مرحلة الاستكشاف أو عند الدخول في مرحلة الإنتاج بكميات تجارية، وفقاً لما يرد في عقد الاتفاق، مثل إقامة بعض الطرقات والجسور والمستشفيات وغيرها من مرتكزات التنمية الأساسية في الدولة المضيفة.
4- الالتزامات الخاصة بتفكيك المعدات واستعادتها والتنازل عنها
نظراً للاهتمام المتزايد بالبيئة، فقد أصبح لزاماً على الشركات النفطية العمل على تسوية وتنظيف مكان الاستخراج، واتخاذ كافة الوسائل التي تمنع التلوث البيئي. وتترتب على ما سبق تكاليف كبيرة. وتسعى الشركات النفطية إلى تجنب تلك الالتزامات المالية تحت مظلة ملكية الدولة المضيفة للمورد النفطي في نهاية مدة الامتياز المحددة للشركة النفطية، بموجب العقد. ونجد في هذا الصدد أنه في ظل معظم الترتيبات التعاقدية، تظل الحياة الإنتاجية للمورد قائمة عند تحويل أو نقل ملكية المورد إلى الدولة في نهاية فترة الامتياز المتفق عليها في العقد. وبنقل أصول الإنتاج إلى الدولة المضيفة، تنتقل معه التزامات الشركة النفطية الخاصة بإعادة منطقة الاستغلال إلى وضعها السابق إلى عاتق الدولة المضيفة ، إذا ما نص عقد الاتفاق على ذلك. أما إذا لم يتضمن عقد الاتفاق نقل التزام إعادة تسوية الأرض المستغلة إلى سابق وضعها وفقا لمعايير حماية البيئة التي تضعها الدولة المضيفة، فإن الأمر يتطلب قبل تسليم العقد إلى الدولة المضيفة في نهاية المدة المتفق عليها في العقد، القيام بعمل دراسة عن الآثار البيئية، واستصلاح المنطقة، وتحديد التكلفة اللازمة لذلك، في تاريخ تسليم العقد إلى الدولة المضيفة.
وإحدى الطرق الفعالة للدولة والشركات النفطية لمواجهة هذا الوضع هو تكوين مخصص يستثمر في بنك معين، وذلك بما يكفل جعل المبلغ في تاريخ التنازل مساوياً تقريباً للتكاليف اللازمة لإعادة منطقة الامتياز إلى سابق وضعها. وفي هذا الحالة، وعند تسليم العقد إلى الدولة المضيفة، تنتقل معه ملكية ذلك المخصص إلى الدولة وهو ما من شأنه حصول الشركة النفطية على إعفاء كامل من التزاماتها نحو تكاليف تسوية وإعادة إصلاح مكان الاستغلال.
5- استعادة الاستثمارات وتكاليف التشغيل
استنادا إلى عقود المشاركة في الإنتاج ، فإن الشركات النفطية الدولية تتحمل كافة التكاليف والمخاطر الخاصة بالاستكشاف والتطوير. وبمجرد الدخول في مرحلة الإنتاج بكميات تجارية، فإنه يسمح للشركة النفطية باستعادة ما تكبدته من تكاليف أثناء مرحلة الاستكشاف والتطوير، وكذا تكاليف التشغيل Recovery of Investment and Operating Costs ، وهو ما يسمى من وجهة نظر الشركة النفطية بإيراد استرداد التكاليف Cost Recovery Revenue، وذلك وفقاً للنسب والشروط التي يحددها العقد.
وفي ظل مفهوم التكاليف القابلة للاسترداد عادة ما تقتصر بنود العقد على استعادة التكاليف من الإنتاج من تراخيص معينة (وأحياناً حقل محدد)، وهذا ما يسمى بــــــ ringfencing، والذي في ظله تكون المبالغ القابلة للاسترداد مرتبطة بعقد أو ترخيص معين، وأية تكاليف تمت في عقد معين ringfenced License، لا يمكن أن تسترد من ترخيص أو عقد آخر خارج مجموعة التراخيص أو الحقل المحدد. إن قيام الدول المضيفة بإتاحة الفرصة للشركة الأجنبية باسترداد التكاليف القابلة للاسترداد، التي أنفقتها على عقد معين من إنتاج أي عقد ضمن مجموعة العقود الموقعة مع الشركة النفطية يعتبر ميزة تراعيها الكثير من الشركات النفطية، وتعتبر عامل جذب للاستثمار في مجال النفط، وبالذات في تلك الدول التي تلاقي عزوف الشركات النفطية عن الاستثمار فيها.