كان الربعُ الأخيرُ من القرن السادس خاليًا من الأحداث إذا استثنَيْنَا اكتمالَ بناءِ الهيكلِ في عام 515ق.م. وبعد ذلك لا نعثرُ على أخبارٍ مُفصَّلةٍ عن القدس. وقد انتهى الأمرُ بفكرةِ مُلوكيةِ سلالةِ بني يهوياقين الذين أُرجعوا إلى داود، إلى نهايتها؛ فبعد النهاية الغامضة لزربابل لم نسمع بالمطالبة بملوكية يهوذا أو انتظار المسيح.
وربما انتصر الكهنة الصدوقيون (الحزب الديني) على زربابل وجماعتِه (الحزب السياسي) وتحولَّت القدسُ إلى مدينةٍ دينيةٍ يسيطر عليها الصدوقيونَ وهي تحت السيطرةِ الفارسيةِ سياسيًّا.
كان تأثيرُ القدس محدودًا جدًّا، بل إنها لم تستطع أن تُحققَ لأهلها، من «أهل السبي» و«الأقوام الذين نزحوا إليها بعد السبي»، أيَّ شيءٍ من تلك الصورةِ اليوتوبية التي رسمَها لها أنبياؤها (حجي وزكريا) وأصبح همُّها محصورًا في رضى الوالي الفارسيِّ عنها وفي دَرْءِ مخاطر «أدومَ» جارتِها، وفيما يتيسَّرُ من عيشٍ هابطِ القيمةِ فيها.
استمرَّ النموُّ البطيءُ للقدس في زمن الاحتلال الفارسيِّ في القرنَين الخامسِ والرابعِ قبلَ الميلادِ حتى ظهورِ الإسكندرِ المقدونيِّ في الشرق حوالي (333ق.م.) وسعى سكانُ القدسِ إلى تجنُّب خرابِ جديدٍ من قِبَلِ جيرانِها والتمسُّكِ بحمايةِ الفرسِ لهم.
ولا نعرف على وجه الدقَّةِ ما إذا كانت هناك من أحداثٍ قاسيةٍ قد مرَّت بالمدينة مطلعَ القرنِ الخامسِ قبل الميلاد، ولكن هناك من يُرجِّحُ ذلك.
وعلى مدى هذه الفترةِ التي تتجاوزُ القرنَ ونصفَ القرنِ نجحَ أهلُ السبي في تطويرِ الدينِ اليهوذي إلى الدين اليهودي. وذلك بحكم ابتعادِهم الواضحِ عن السياسة وخضوعِهم الكاملِ للفرس، بل وحمايةِ الفرسِ لهم ولحريتهم في العبادة.
استطاع أهلُ السبي تكوينَ نواتَينِ أساسيتَين لهذا التحوُّلِ الديني؛ الأولى أرضيةٌ هي «بيت الرب» أو الهيكلُ الذي رسخ معه القدس كمدينةٍ مركزيةٍ حتى لو كان ذلك عَبْر اليوتوبيات فأصبحت مركزَ العالم، والنواةُ الثانيةُ سماويةٌ تتمثلُ في كتابة «أسفار التوراة الخمسة».
لقد كان بناءُ القدسِ مستمرًّا، ولكنَّ بناءَ الهيكلِ بعَث فيهم روحًا جديدة، لكنَّ أهلِ السبي تخَلَّوا، نسبيًّا، عن فكرة ملك أورشليمَ الظاهريِّ أو الباطني، وارتضُوا بالوالي الفارسيِّ لولايةِ «عبر النهر» التي كانت يهوذا القدس جزءًا منها.
وسرعان ما تبدَّدَ حلمُ اليوتوبيا الذي رسمَه حزقيال، ثم شجَّع عليه زكريا وحجي على أرض واقع مدينة القدس، ولأن الهيكلَ كان قد اكتملَ فقد اشتعلَ الخيالُ اليوتوبيُّ حوله فقط ونُسِيَ الخرابُ الماديُّ للمدينة. بل وتهافتَت تنبؤاتُ حزقيال بمصائرِ الشعوبِ التي حول يهوذا، والتي كانت قاسية «فكان على أورشليم، بالضرورة، والحالةُ هذه، أن تسعى جاهدةً للإبقاء، وللتشديد على ميزة الديانة التي كانت هي مركزَها؛ والتي لم تتميَّز عنها عمليًّا؛ فكلُّ تقرُّب، ولو بعيدًا، من عقيدةٍ دينيةٍ غريبة، وكلُّ تَبَنٍّ، ولو بعيدًا أيضًا، لممارسةٍ طقسيةٍ غريبة، يثيرانِ الريبةَ والشُّبهة. ثم إنَّ عبادةَ العديدِ من الآلهة، خارجَ أورشليم — وهي نتيجةٌ شِبهُ حتميةٍ للإيمان بتعدُّدِ الآلهة — كانت لهذه الديانة بالمرصاد (1).»
ولم تكُن هناك حاجةٌ لظهور معبدٍ أو كنيسٍ أو مجمعٍ لممارسة الديانة؛ فقد كان الأمرُ مقتصرًا على القدس، وكان «هيكل يهوا» فيها كفيلًا بذلك. وهكذا ظهرت الحاجةُ أمام محاولةِ ترسيخِ يهوا كإلهٍ واحدٍ وحيدٍ لمحاربة معابدِ الآلهةِ الأخرى والتحريضِ على هَجرِها وهَدمِها، وهكذا رأى أهلُ السبي أنَّ هناك هيكلًا واحدًا للربِّ مثلَما هناك ربٌّ واحدٌ للعالم. وبذلك تصاعدَت أهميةُ الهيكل. ولم تظهرِ المعابدُ والكنيسُ اليهوديُّ إلا في القرنِ الثاني قبل الميلاد كمكانٍ للتربيةِ الروحية؛ لأن الهيكل كان هو المسيطرَ منذ القرن الخامس حتى القرن الثاني قبل الميلاد.
..........................................
1- أندريه إيمار وجانين أوبواويه، الشرق واليونان القديمة، ترجمة فريد م. داغر وفؤاد ج. أبو ريحان، ط2، بيروت، باريس، 1981م، ص271–272.