إذا كان العالَمُ البابليُّ هو الرحمَ الأول الذي خرجَت منه الديانةُ اليهودية؛ حيث عكَف الأنبياءُ والكهنةُ الكبارُ من سبي يهوذا (وأهل القدس بشكلٍ خاص) على وضع أولِ صياغةٍ للديانة اليهودية، من خلال كتابةِ المروياتِ التوراتية، اعتمادًا على التراث الشعبيِّ الفلسطينيِّ/الكنعانيِّ بشكلٍ خاصٍّ والساميِّ بشكلٍ عام، فإن العالَمَ الفارسيَّ كان هو الرحمَ الثانيَ الذي قام فيه عِزرا، بين بابل والقدس، بالصياغة الثانية للكتاب المقدَّس لليهود وإعلانِ ظهورِ الديانةِ لأول مرة. أمَّا العالَمُ الهيلنستيُّ فقد كان الرحمَ الثالثَ الذي تمَّت فيه الولادةُ النهائيةُ للدينِ اليهوديِّ من خلال الأمورِ الآتية:
(1) الترجمةِ السبعينيةِ للأسفار اليهوديةِ المقدسةِ التي أتاحت لليهود الجمعَ المنظمَ لمادة الكتابِ المقدسِ اليهودي، والذي سُمِّي بكتاب «الشريعة» وشَمل، في الغالب، مادَّة التوراةِ الأساسية التي ضمَّت الأسفارَ الخمسةَ الأولى بشكلٍ خاص.
(2) كتابةِ الأسفارِ الإضافيةِ مثل سِفرِ دانيال وحزقيال والأمثالِ والمزاميرِ والأسفارِ المحذوفةِ مثل أخنوخ وطوبيا … إلخ.
(3) مثل سِفرِ الجامعة، والمناخ الهيلنستي الواضح، والذي نتَج عنه ما نسمِّيه بهيلينية اليهودِ أثناء حكمِ البطالمةِ أولًا ثم السلوقيين «ذلك أن الإغريقَ واليهودَ كانوا جميعًا يتطورونَ في عالمٍ واحدٍ، ومنهم من كانوا يتطوَّرونَ في نفس الطريق. وكان الأمرُ كما هو اليومَ تمامًا، فكانت هناك مجموعةٌ من الأفكار تملأُ الجو، وهو شيءٌ تستطيعُ أن تسمِّيَه «روح العصر»، أو أي شيءٍ آخرَ يُرضيك ولا شك أنه كان يؤثِّرُ في الناس لا شعوريًّا» (1).
(4) قامَت الكتاباتُ الهيلنستيةُ في ذلك الوقت بإظهار خصوصيةِ اليهودِ وجَعلِهم أصحابَ شأنٍ خاصٍّ في الدين مثل ما قام به بولهيستور ودمتيريوس ويوبوليموس وأرطبانوس وكليوديموس وثيودوتس مؤلفُ النبوءاتِ السبيلينيةِ الذي كتَبه أرستوبولوس المشائي.
(5) تأليفِ سِفرِ الرؤيا الذي تضمَّن توقُّع ظهورِ المسيحِ من بيت لاوي وهارون لا من بيت داود «إن ذلك الجليليَّ الذي ألَّفَ ذلك الأثرَ الخالدَ في عهد هيركانوس — أَلَا وهو وصايا الآباءِ الاثني عشر، بما احتوت عليه من توقعاتٍ رفيعةٍ جاءت في عظةِ الجبل — قد خُيِّل إليه أن هيركانوس — وهو النبيُّ والكاهنُ والملك (الملك في الحقيقة والواقع وإن لم يتلقب باللقب) — قد تحقَّقَ في شخصه الأملُ المسيانيُّ المرجوني؛ ألا وهو ظهورُ مسيح، وإليه وجَّه الكاتبُ ترتيلتَين مما يُنشَدُ للمسيح» (2).
(6) ساهمَت الهيلينيةُ بشكلَيها الإيجابيِّ في التفاعل بين الإرثَين الهيلينيِّ واليهوديِّ عن طريق الحزب الهيليني، والسلبيِّ في مقاومة الهيلينيةِ عن طريق حزبِ القديسينَ والمحافظينَ والحسديم. وساهمَت هذه الثقافةُ في بلورة وصياغة ما نستطيعُ أن نُسَمِّيَه بالشكل المزدوج لليهودية؛ الدين العالمي والدين الخاص، العقيدة الدينية الشمولية والمُكبَّلة بخصوصية الشعب المختار. وهو الوصفُ الدقيقُ لليهودية في هذا الزمن.
(7) كان فيلون الإسكندريُّ (20ق.م.–50م) أوضحَ صورةٍ للتفاعلِ بين اليهوديةِ والهيلينية؛ فقد كان الفيلسوف اليهودي المُتَهليِن، والذي حشَر اليهودية في الفلسفة الإغريقية وحشَر الفلسفة الإغريقية في الدين اليهودي، فكان أكبرَ من عبَّر فكريًّا عن العالَمِ اليهوديِّ والهيلينيِّ معًا. إنه نتاجُ كلِّ تلك الفترةِ الملتهبةِ بالأخذ والردِّ بينهما، وكان يُلقَّبُ ﺑ «أفلاطون اليهودي»؛ لأن فلسفته قامت على فلسفة أفلاطون، ولكي يصل إلى غرضه هذا لجأ إلى المبدأ القائل إن جميعَ الحادثاتِ والأخلاقِ والعاداتِ والشرائعِ المنصوصِ عليها في العهد القديم ذاتُ معنيَين؛ أحدُهما مجازيٌّ والآخرُ حرفي، وإنها تَرمزُ إلى حقائقَ أخلاقيةٍ أو فلسفية، وتُمثِّل فلسفتُه أهمَّ محاولةٍ للتوفيق بين الدين اليهودي والفلسفة اليونانية، وتميَّزَت باستعمال التأويلِ الرمزيِّ والمجازيِّ للتوراة (3).
............................................
1 تارن، المرجع السابق، ص245.
2 نفسه، ص250.
3 محمد علي أبو ريان وحربي عباس عطيتو، دراسات في الفلسفة القديمة والعصور الوسطى، القاهرة، 1999م، ص248.