تولَّى «يوناثانُ»، أخو يهوذا المكابي، أمرَ التمرُّدِ ضد السلوقيين، فقام بالعبور نحو شرق الأردن، ومن هناك قام بعملياتٍ حاولَت إرباكَ الجيشِ السلوقي.
وفي عام 158ق.م. عُقِدَت معاهدةُ صلحٍ بين يوناثان وباخيدس، تعهَّد فيها القائدُ السلوقيُّ بعدم التعرُّض لليهود وردِّ أَسْراهُم، وعاد باخيدس إلى أنطاكيا، وصار يوناثان، عمليًّا، رئيس دولة وكهنة يهوديا، وكان مقرُّه في مكماش (مخماس) شَمالَ القدس، وانتصر حزب القديسين من جديد، وقام بملاحقة الحزب الهيلينيِّ اليهودي.
وبدأَت دويلة/إمارة يهوديا تستقل شيئًا فشيئًا من الحكمِ السلوقي، خصوصًا أن المملكةَ السلوقيةَ تعرَّضَت إلى اضطراباتٍ سياسيةٍ واسعةٍ خلال تلك الفترة.
وهرب الكاهن «أونياس الرابع» من يهوديا إلى مصر، وكان كاهنًا أكبرَ قبل ياسون، وزعم بأنه ظُلِمَ بإقامة الياكيم بهذا المنصب، فمنحَه فيلومتر (بطليموس السادس)، في إقليم ليونتوبوليس، أرضًا ليقيم عليها معبدًا يهوديًّا، يكون نموذجًا صغيرًا لمعبد بيت المقدس (1).
وبدأ يوناثان باللعب على حبال السياسةِ السلوقيةِ المضطربة؛ فعندما ضَجِرَ الرومانُ من دمتيريوس الأول قامت برجام (الموالية لروما) بإرسال شخصٍ يُطالِب بعرش سوريا اسمه «الإسكندر بالاس» سرعان ما اعترفَت به روما ملِكًا، وكان الملكُ الحقيقيُّ دمتيريوس الأوَّلُ في أنطاكيا.
وأرسل الاثنان (دمتيريوس الأول وبالاس) إلى يوناثان يكسبان ودَّه في هذه المعركة الدائرةِ بينهما، فاختار يوناثان الوقوفَ إلى جانب «بالاس». وعندما انتصر «بالاس» على غريمه عام 150ق.م. صار يوناثانُ رئيسَ الكهنة في القدس بعد أن استغَل، قبل هذا الوقت، موقفَ دمتيريوس معه، وقام بدخول القدس، وتجديدِ بعضِ حصونِها ومبانيها.
كان «بالاس» ضعيفًا، وترك الأمور بيد وزيره «أمونيوس»، فقام دمتيريوس الثاني (ابن دمتيريوس الأول) بتجهيز جيشٍ كان يقوده لاسثنس بالمطالبة بعرش أبيه، وتوجَّه هذا الجيشُ إلى شمال سوريا أو «كليكيا» مع جيشٍ من مرتزقة كريت.
وبينما كان بالاس يقوم بالدفاع عن أنطاكيا ضد هذه الحملة شمالًا قام حاكمُ جوف سوريا السلوقي «أبولونيوس» بتأييد دمتيريوس الثاني، وكاد يُضيِّقُ الخناقَ على بالاس من الجنوب، لكن «يوناثان» تصدَّى له واستولى على مدن يافا وأشدود وعسقلان. وعندما علم بالاس بما أصابه يوناثان من النجاح رفعَه إلى مرتبة «قريب الملك»، وكانت أرفعَ مراتبِ الدولة، ومنَحَه مدينةَ عكير «إكرون Ekron» ملْكًا خاصًّا له (2).
ولمَّا مالت موازين القوى ضد بالاس وقام بطليموس السادس بالوقوف ضده ودَحْرِه كان يوناثان يقف إلى جانب دمتيريوس الثاني، الذي انتصر نهائيًّا على بالاس عام 147ق.م. فما كان من دمتيريوس الثاني إلا وثبته على يهوديا.
ولكن الدولةَ السلوقيةَ لم تهدأ؛ فقد قام قائدٌ من قوات بالاس بتنصيب ابن بالاس باسم «أنطيوخس السادس»، لكنه سرعان ما قُتِلَ هذا الصبيُّ في 142ق.م. وتناول بيده الصولجان وحكم تحت اسم «تريفون»، ولم يستطيع دمتيريوس الثاني أن يخلعه، وظل العرشُّ السلوقيُّ منقسمًا بينهما.
ويبدو أنَّ لَعِبَ يوناثانَ على الحبال هو الذي قاده إلى دعوةٍ من «تريفون» حيث استدرجه هذا إلى «عكا» وقتلَه هناك عام 144ق.م.، وهكذا ذهب يوناثانُ ضحيةَ نزعتِه الانتهازية.
...............................................
1- نصحي، المرجع السابق، ص204.
2- نفسه، ص205.