تولَّى ابنُ سمعانَ (يوحنا) الحكمَ وهو المُلَقَّبُ ﺑ «هركانوس»، وظلَّ لفترةٍ طويلةٍ قاربَت الثلاثينَ عامًا. وفي عهده استقلَّت يهوديا عن السيادة السلوقية، وشَهِدَت حربًا بين الأحزاب الدينية.
ابتدأ عهد هركانوس بالحملةِ الثانيةِ التي جهَّزها أنطيوخس السابع إلى القدس محاولًا احتلالَها بقيادته، فضربَ الحصارَ حولها عام 133ق.م. ولكنه بعد حصارٍ طويلٍ لم يستطع اقتحامَها، فاضطُر إلى عقد صلحٍ اعترفَ فيه هركانوس بالسيادة السلوقيةِ على المدينة ودفعِ الجزيةِ لأنطيوخس، وقَبِلَ بهدم أسوارِ القدس حتى تبقى مفتوحةً أمام الجيشِ السلوقي (1).
وأراد أنطيوخس إبقاءَ قواتِه في القدس، الأمرُ الذي ينال من مركز هركانوس فيها؛ ولذلك قام هركانوس بدفع ما قيمته 500 وزنة من الفضة لأنطيوخس ثمنًا لرحيل قواته، وتثبيت هركانوس رئيسًا للكهنةِ والسلطةِ في القدس، ففعل أنطيوخس ذلك شرط أن يكون هركانوس ومدينتُه تحت سيادتِه وتابعةً لأنطاكيا.
نفَّذ هركانوس ما كان مطلوبًا منه، وأثبت ذلك عند مشاركته إلى جانب جيش أنطيوخس ضد الفرس عام 128ق.م. عندما فتح أرضَ الجزيرة وإقليمَ بابلَ وطرد فراتيس ملك الفرثيين خارج ميديا، وبدا أنطيوخس كمن أوشك على استرداد إمبراطورية أنطيوخس الثالثِ السلوقية. لكن الأمور انقلبَت رأسًا على عقب عندما قام ملك الفرس الفرثيين بمباغتة أنطيوخس السابع في معسكره الشتوي، وهزَمه وقتلَه واستردَّ منه كلَّ فتوحاتِه، وبعث بجثمانه إلى بلاده، فشيَّعه السلوقيونَ بأعلى مظاهر التفجُّعِ والحزن، كأنهم كانوا يشعرون أن تاريخهم بدأ بالأفول بعد مقتلِ آخِرِ ملكٍ منحدرٍ من السلالة السلوقيةِ الأولى.
استغَل هركانوس ذلك الوضعَ الجديدَ وخرج على السلطة السلوقية نهائيًّا. وهكذا استقلت يهوديا منذ سنة 128ق.م. تمامًا عن الدولة السلوقية، واستمر ذلك الأمرُ حتى قضاءِ الرومانِ على السلوقيين عام 63ق.م(2).
ويبدو أن هركانوس قام بتوسيع حدودِ يهوديا وتثبيتِ أركانِها؛ فقد فتح السامرة وخرَّب هيكلَ جزريم، ثم فتح أدومَ وأجبَر أهلَها على الدخول في الدين اليهوديِّ خارجًا على الأسس الوراثيةِ للدين اليهودي. وكان من المفروض أن تبدأ الأمورُ الداخليةُ ليهوديا بالازدهار، لكن العكس هو الذي حصل؛ حيث نَشبَت حربٌ دينيةٌ شرسةٌ بين فرقتَين دينيتَين أساسيتَين لليهود هما: الصدوقيون والفريسيون.
الصدوقيون Sadducces هم الفرقة القديمة التي لها علاقةٌ تاريخيةٌ مع المؤسسةِ الكهنوتيةِ الصادوقيةِ التي قامت بتنظيم اليهود كجماعةٍ دينيةٍ في زمن السبي البابلي. وكان الصدوقيونَ لا يُقِرُّونَ بعبادةٍ مشروعةٍ غيرِ العبادةِ التقليديةِ القائمةِ على الذبيحةِ في الهيكل، وهم يُصِرُّونَ على التمسُّك بحرفيةِ الشريعةِ كما هي مدونةٌ في التوراة (وهي الأسفار الخمسة الأولى المنسوبة إلى موسى من العهد القديم) (3).
وكان الصدوقيونَ يُمسِكون بزمام الكهانة اليهودية بقوة، ولا يعترفونَ برئاسةٍ يهوديةٍ مشروعةٍ غيرِ رئاسةِ الكهنة، وكانوا يتمتَّعون بدعم الطبقاتِ الثريةِ دائمًا، ومن هؤلاء الصدوقيينَ ظهر فريقٌ متشددٌ اسمُه «الربانيون» أو «الحسديم Chasidim» الذي تَرأَّسَه الكاهنُ والنبيُّ عِزرا في حدود 444ق.م. وكان بذرةً لحزب القديسين الذين خاضوا الحرب ضد الهيلينية.
وفي القرن الثاني قبل الميلاد (أي مع الحكم السلوقي) ظهر فريقٌ جديدٌ منشقٌّ من الربانيين هم «الفريسيون Phareesis» الذين يَرِدُ أولُ ذِكرٍ صريحٍ لهم حوالي 120ق.م. ولكنَّهم ظهروا قبل ذلك بقليل. وهؤلاء الفريسيونَ هم الذين نادَوا بالحفاظ على التقاليد الشفوية، إضافةً إلى الشريعة المكتوبة، وهذا يعني أنهم نادَوا بالاعتماد على «توراةٍ غيرِ مكتوبة» إلى جانب «التوراة المكتوبة»، وهي التي أوحَى بها موسى كما يقولون، وتوارَثَها العارفونَ بالشريعة من بعده عن طريق التقليد الشفوي، وهو ما اسماه اليهود فيما بعدُ ﺑ «التلمود» الذي يتكوَّنُ من المتن (المشنا) والشرح (الجمارا).
وظهر من هذا الانشقاقِ الفريسيِّ مجموعةٌ من الطقوس والتعاليم الدينية الجديدة، منها أن الفريسيين، على عكس الصدوقيين، كانوا يُقِرُّونَ بصلاحية العبادة خارج الهيكل معتمدينَ في ذلك على «المجامع» أو «الكُنُس»؛ حيث كانت العبادةُ لا تقوم على الذبيحة، بل على قراءة الأسفار المقدَّسة وتفسيرها. ومن ذلك «الفريسيين» من الجذر الآرامي «فرش» بمعنى انعزل أو تميز؛ فهم المعتزلةُ أو المتميزون، وهؤلاء لم يكونوا كهنةً بل معلمينَ من طبقات العامة، وكانت شعبيتُهم لدى العامَّة تفوقُ الصدوقيينَ لهذا السبب. ولا بُدَّ من الإشارة إلى أن اليهودية التي استمرَّت تاريخيًّا منذ ذلك الزمن هي يهوديةُ الفريسيينَ لا يهوديةُ الصدوقيينَ التي زالت من الوجود قبل نهاية القرن الميلادي الأول (4).
هكذا إذن نحن أمام انعطافةٍ جديدةٍ في الديانة اليهودية تُشبِه الانعطافةَ التي أحدثها «عِزرا»؛ فهي انعطافةٌ مضادَّةٌ لإرث عِزرا (رغم أن الفريسيين يعتبرون عِزرا أكبرَ معلِّمٍ يهودي)، ولكنَّ تفتيتَهم للمؤسَّسة الكهنوتية الرسمية الأرستقراطية وللمنهج الكتابي وتبنِّيهم للتعليم الحرِّ بين الناس والمنهجِ الشِّفاهي جعل منهم صناعَ ثورةٍ جديدةٍ في الدين اليهودي (الذي لم يَعُد دينًا سماويًّا كما يدَّعُون، بل دينَ كهنةٍ محافظينَ وكهنةٍ ثوَّار).
ويبدو أن عصر هركانوس شهد ذرْوةَ الصراعِ بين الطائفتَين؛ الصدوقيةِ والفريسية؛ فقد كان الصدوقيون يمثِّلون دولةَ يهوديا وطبقتَها الحاكمةَ والثريةَ، والذين أصبحوا أشدَّ تعلُّقًا بالجاه والحياة الدنيا. أما الفريسيونَ فظهروا بمظهر المؤمنينَ الأوفياءِ والوطنيينَ المتحمسينَ الذين يرفضون الجمع بين رئاسةِ الكهنةِ والمُلْكِ في يدٍ واحدة، وأخذ الصدامُ بين الفريقَين طابعَ القتلِ والتدمير.
ويبدو أن الغلَيانَ الدينيَّ الذي عاشَتْه يهوديا تلك الفترة أنتج الكثيرَ من الأدبِ الدينيِّ اليهوديِّ الذي مثَّلَته بعضُ الأسفارِ الموجودةِ في العهد القديم مثل «سِفْر الجامعة»، الذي يشكِّلُ نموذجًا للهيلينية اليهودية؛ إذ إن مؤلِّفَ هذا الكتابِ كان على ما يبدو من الطبقة الأرستقراطية التي عاشت في فلسطينَ عام 200ق.م. ويُعتبَرُ أحدَ الكفَرةِ وأحدَ أنصارِ التهلين، وقد جاءت لغةُ هذا الكتابِ متأثرةً بالإغريقية إلى حدٍّ ما. ويشعُر المرءُ بأن زمانَهُ كان إغريقيًّا (5).
وكذلك نشمُّ رائحة الهيلينية في أسفار الأمثال والمزامير ودانيال وأيوب وغيرها من الأسفار التي حُذِفَت من العهد القديم، مثل سِفرِ الحكمةِ وسِفرِ أخنوخ ووصاية البطاركة الاثنَي عشر وغيرها، ويبلغ عددُ هذه الأسفارِ المحذوفةِ أربعةَ عشرَ سِفرًا من التوراة السبعينية التي يحذفُها، اليوم، اليهود والبروتستانت من العهد القديم.
وكان أغلب هذه الأسفارِ المحذوفةِ يدور حول فكرةِ المسيحِ المُخَلِّصِ والمنتظَر، ويبدو أن هذه الفكرةَ عادت بعد أن تولَّى المكابيون رئاسةَ السلطةِ والكهانةِ في يهوديا (وهم ليسوا من سلالة زربابل الذي كان يشكِّل أوَّلَ مسيحٍ منتظَرٍ بعد السبي، ونُسِجَت حولَه أسطورةُ أصلِه من داودَ وإسرائيل).
وقد اختلفَت التعاليمُ المتعلقةُ بالمسيا (المسيح) اختلافًا عظيمًا؛ فهناك مَن يقول إنه قدسيٌّ إلهيٌّ موجودٌ قبل خلقِ العالَم، وهناك مَن يقول إنه بشرٌ معرَّض للموت، بَيدَ أن الفكرَ كان في تغيُّرٍ دائم؛ فقد انتقل من مملكة للمسيح على الأرض مع بعث الأجساد بعد الموت إلى مملكةٍ خالدةٍ سرمدية في السموات يصحبها الخلود الروحي (6).
ونستنتج من كل هذا أن العصرَ الهيلنستي — وخصوصًا في قسمه السلوقي — شهد على المستوى الكتابي تأليفًا جديدًا لبعض أسفار العهد القديم التي جُمِعَت مع الأسفار الأولى. بالإضافة إلى الأسفار المحذوفة الكثيرة، كما أنه شهد ولادةَ الأسفارِ الشفاهيةِ التي تُشكِّل متنَ وشرحَ ما يُسَمَّى ﺑ «التلمود».
وهذه انعطافةٌ جديدةٌ في تاريخ الأسفار اليهودية المقدسةِ الثالثة، يمكنُ أن نَعُدَّها الثالثةَ بعد انعطافةِ عِزرا الثانيةِ في العهد الفارسي، والصدوقية الأولى أثناء السبي البابلي.
وفي أواخر أيام هركانوس قام جيشُه بحصار مدينة سماريا Samaria الإغريقية، فاستغاثت هذه المدينة بأنطيوخس التاسع «كيزينكنوس Cyzincenos» فهزمَهم جيش هركانوس، فقام جيش كيزينكنوس بالاستنجاد ببطليموس التاسع (سوتر الثاني) عام 108ق.م. فأنجده بجيش، لكنَّ الهزيمةَ كانت مصيرَهُ أيضًا، وقُتِلَ أحدُ القائدَين الذين تركَهما في كيزينكنوس، أما سماريا فبعد أن اشترى اليهودُ خدمةَ الآخَرِ استولَوا على المدينة، وذبحوا أهلها، وقامت أمُّه، كيلوباترا الثالثة، بتدبير أمرٍ جعل الشعبَ يطردُهُ من الإسكندرية فارًّا إلى قبرص (7).
وهكذا ازدادت قوة «يهوديا» وقوة اليهود في القدس، قياسًا إلى يهود مصر في الإسكندرية، الذين كانوا أداةً في يد البطالمة.
...................................................
1- أبو عليان، المرجع السابق، ص110.
2- نفسه، ص111.
3- كمال الصليبي، البحث عن يسوع، 1999م، ص40.
4- نفسه، ص41.
5- تارن، المرجع السابق، ص244.
6- نفسه، ص246.
7- نصحي، المرجع السابق، ص229.