بعد الخوض في تاريخ القدس القديم نوَدُّ التعرُّف بشكلٍ سريعٍ على موقع المدينة جغرافيتها.
تقعُ مدينةُ القدس على خط طول 14 35 شرقَ خط غرينتش، وعلى خط عرض 46 31 شمالَ خط الاستواء، وتستقر المدينة على مرتفعات يتراوح ارتفاعُها عن سطح البحر ما بين 720–780 مترًا وتبعُد في خطوطٍ مستقيمةٍ عن البحر المتوسط نحو 52كم، وعن البحر الميت نحو 22كم، وعن البحر الأحمر نحو 250كم (1).
وترتفعُ المدينةُ اليومَ على ثلاثة مرتفعات تحيطها ثلاثة وديان (انظر الخارطة 12).
أما المرتفعاتُ الثلاثةُ فهي:
(1) مرتفع موريا (Moria Hill): وهو المرتفعُ الشماليُّ الذي يضمُّ الحرمَ القدسيَّ الشريف، ونرى أ، كلمة موريا ذات علاقةٍ أكيدة بالأموريين وباسم فلسطين القديم (موريا). ولا علاقة لهذا الاسم بأيِّ اشتقاقٍ لاتيني.
(2) مرتفع أوفل (Ophel Hill): ويُعرف أيضًا بجبل «الضهور» ويرتفع عن سطح البحر حوالي 680 مترًا، وينخفضُ عن ساحة الحرم القدسي الشريف بنحو «200»م، ويبلغ طوله الممتدُّ من الشمال إلى الجنوب نحو «400»م، وعرضه من الشرق إلى الغرب نحو «135» م؛ أي إن مساحته تبلغ حوالي «55» دونمًا، ويُطلُّ المرتفعُ على قرية سلوان إلى الجنوب الشرقي من الحرم، كما عُرف مرتفع أوفل ﺑ «حصن يبوس»، و«حصن صهيون»، و«الأكَمة»، و«جبل صهيون» (2).
وفي أسفل المرتفَع تقع عين جيحون أو عين «روجل» أو عين «القصار» أو عين «ستنا مريم» أو عين «أم الدرج»، وقد سُمِّيَت بالاسمِ الأخيرِ لخروج العين من نبعٍ منخفضٍ يخرج من الصخر الصلد في الجانب الشرقي من المرتفع، وينزل إليها بدرجاتٍ يوصلها إلى كهفٍ طبيعيٍّ عند منتصفِ وادي قدرون.
ونُطلِق على مرتفع موريا ومرتفع أوفل والمرتفعِ الذي أنشِئَت عليه مدينة يبوس ﺑ «المرتفع الشرقي».
(3) المرتفع الجنوبي الغربي Southwestern Hill: وهو المرتفع الذي يقع مقابلَ المرتفعِ الشرقيِّ وينحصر ما بين وادي تيروبيون شمالًا ووادي هنوم جنوبًا.

خارطة (12): الخارطة الطوبوغرافية للقدس. المرجع: Mazar 1993: 699.
أما الوديانُ الثلاثةُ فهي:
(1) وادي قدرون (Kidron Vally): ويقع شرقَ المدينةِ ويُسمِّيه العربُ وادي سلوان ووادي ستي مريم ووادي النار ووادي جهنم، ودُعِيَ في القرن الرابع الميلادي بوادي «يهو شافط».
(2) وادي تيروبيون (Tyropoeon): ويقع غربَ المدينة باتجاه الشمال، ويلتقي واديَ قدرون على بُعد 900م جنوب مرتفع أوفل، فيتخذانِ شكل حرف V، وتقع المدينة والمرتفع بينهما. وقد دعاه يوسيفوس بهذا الاسم ومعناه «صانعو الجبن»، وفسَّره بعضهم «وادي الروث»، وهو اليومَ ملئٌ بالأحجار والطوب الذي ألقي فيها على مرِّ العصور.
(3) وادي هنوم (Hinnom Vally): ويقع إلى الجنوب والجنوب الغربي من المدينة، ويسمَّى أيضًا «وادي الربابة»، وهو يلتقي واديَ قدرون على بُعد 200م من نقطة التقائه بوادي تيروبيون.
ومن خلال هذا التكوين الطوبوغرافي للمدينة نلاحظ أنها كانت متميزةً في موقعها ومحميةً بخطوطٍ دفاعيةٍ طبيعيةٍ من ثلاثِ جهاتٍ شرقيةٍ وغربيةٍ وجنوبيةٍ تُمثِّلها الوديان، وتجعل اقتحامَها من هذه المناطق أمرًا صعبًا في العصور القديمة، لكنَّ جهتَها الشماليةَ مكشوفةٌ ولا توجدُ عوائقُ طبيعيةٌ فيها؛ ولذلك كان شمالُ المدينةِ نقطةَ الضعف التي كان يخترقُها الغزاةُ بسهولة.
أما مصادر المياه في القدس فكانت تأتي من قرية سلوان وهي القريةُ المجاورةُ لسور القدسِ من الجنوب وفيها عيونٌ تسمَّى عيون سلوان منها:
(1) عين جيحون (أم الدرج): التي تبعُد 300 متر عن الزاوية الشرقية لسور الحرم، وكانت المصدرَ الوحيدَ لمياه القدس منذ القِدَم، وعددُ درجاتها حوالي سبعَ عشرةَ درجةً تنتهي في العمق إلى مغارةٍ ضيقة عمقُها ثمانيةُ أمتار.
(2) بركة سلوان: قبلي عين أم الدرج وعلى بُعد أمتارٍ قليلةٍ منها وتقع غربَ مرتفع أوفل (الضهور).
(3) البركة التحتانية: إلى الجنوب الشرقي من بركة سلوان، وعلى بُعد بضعة أمتار منها، وتُدعَى أيضًا البِركةَ الحمراء، وهي التي دعاها يوسيفوس في القرن الأول للميلاد بحيرة سليمان (3).
(4) بئر أيوب: يصل عمقها إلى حوالي 125 قدمًا، وظن بعضهم أنها عين روجل المذكورة في العهد القديم، وهي تبعُد عن البِركة الحمراء حوالي ألفِ قدمٍ ولا نبعَ فيها ولا عينَ بل يأتيها الماءُ رَشْحًا من أم الدرج وغيرها (4).
.........................................................
1-أبو عليان، المرجع السابق، ص46.
2- نفسه.
3- شفيق جاسر أحمد محمود، تاريخ القدس والعلاقة بين المسلمين والمسيحيين فيها، الفتح الإسلامي حتى الحروب الصليبية، عمان، 1984م، ص31.
4- نفسه.