ظهر هذان النبيَّان في عصر زربابل، وهما من أشدِّ أنصارِه، ومن أكثرِ الأنبياءِ حثًّا على بناء أورشليمَ ثانية حتى بموادَّ أوليةٍ بسيطة؛ فقد قام النبيُّ حَجِّي بحَثِّ أهلِ السبي على بنائها «بما استطاعوا إليه سبيلًا من أخشاب بلادهم»، وتلك رسالةٌ تنطوي على الجرأة والشجاعة، أمَّا زكريا فقد ندَّد بتشاؤم الذين يزدرونَ بيوم الأمور الصغيرة؛ فما وافَت سنة 516ق.م. حتى كان الهيكلُ قد أعيدَ بناؤه، وعلى الرغم من أن مصيرَ المدينةِ كان معلقًا في كفَّة القَدَرِ لبقاء أسوارِها متهدمة، فإن هذا العملَ الضخمَ الذي قام به اليهودُ بعث فيهم روحًا جديدة، وداعبَهم الأملُ في أن تغدو أورشليمُ مرَّةً أخرى القصبةَ الدينيةَ لليهود (1).»
وكان النبيُّ حَجِّي يُبشِّرُ بملوكية زربابل، وبأنه المسيحُ المنتظَر، وكان زربابل يسعى أن يكون كذلك من خلال جهدِه المثابرِ في بناء بيت الربِّ، عسى أن يكونَ هذا الطريقُ هو السبيلَ إلى ما تنبَّأ به حجي: «وصارت كلمةُ الربِّ ثانيةً إلى حجي في الرابع والعشرينَ من الشهر قائلًا. كلِّمْ زربابل والي يهوذا قائلًا إني أزلزلُ السماواتِ والأرض. وأُقلِّبُ كرسي الممالكِ وأبيدُ قوةَ ممالكِ الأممِ وأُقلِّبُ المركباتِ والراكبينَ فيها وينحطُّ الخيلُ وراكبوها؛ كلٌّ منها بسيف أخيه. وفي ذلك اليوم يقولُ ربُّ الجنود: آخذُك يا زربابلَ عبدي ابن شألتيئيل. يقولُ الربُّ: وأجعلُكَ كخاتمٍ؛ لأني قد اخترتُك. يقولُ ربُّ الجنود (2).»
أما زكريا فقد أكمل مهمة حجي في التبشير بزربابل من جهة، كما أنه بنى أوَّلَ الصورِ اليوتوبيةِ المثاليةِ لأورشليمَ القادمة: «يقول الربُّ باسطُ السماواتِ ومؤسسُ الأرضِ وجابلُ روحِ الإنسانِ في داخله: ها أنا ذا أجعلُ أورشليمَ كأسَ تَرَنحٍ لجميعِ الشعوبِ حولَها، وأيضًا على يهوذا، تكونُ في حصار أورشليم. ويكون في ذلك اليومِ أني أجعلُ أورشليم حجرًا مِشوالا لجميع الشعوب، وكل الذين يشيلونَه ينشقُّون شَقًّا. ومُجتَمِعٌ عليها كلُّ أممِ الأرض. في ذلك اليومِ يقول الربُّ أضربُ كلَّ فرسٍ بالحَيرة وراكبَه بالجنون. وأفتحُ عينيَّ على بيت يهوذا، وأضربُ كلَّ خيلِ الشعوبِ بالعصا (3).»
ويقلل زكريا ذو النزعةِ المثاليةِ من أهمية الأحجارِ والحصونِ والأسوار، ويَزيدُ من التأكيد على الإيمانِ وعلى حضورِ ربِّ الجنودِ (يهوا) في المدينة، ويرى زكريا برؤياه المثاليةِ أن جميعَ الأممِ ستصعدُ إلى أورشليمَ وتسجدُ إلى الرب في عيد المظال «وفي ذلك اليوم يكونُ على أجراس الخيل قُدْسٌ للرب، والقدورُ في بيت الربِّ تكون كالمناضح أمامَ المذبح. وكلُّ الذابحين يأتونَ ويأخذونَ منها ويطبخون فيها. وفي ذلك اليومِ لا يكون بَعْدُ تاجرٌ في بيت رب الجنود (4).»
ومن الجدير بالذكر أن المؤرخَ اليونانيَّ هيرودوتس — الذي عاصر أحداثَ ما بعد السبي والعودة — زار بلادَ الشام في هذه الفترةِ ولم يأْتِ، لا من قريبٍ ولا من بعيد، على الإشارة إلى اليهود وعودتِهم المزعومةِ وبناءِ الهيكل … إلخ. وهو ما يَدْحَضُ كلَّ هذه المروياتِ التوراتية.
......................................
1- إلمسلي، المرجع السابق، ص644.
2- العهد القديم: حَجي 2: 20–23.
3- العهد القديم: زكريا 12: 1–5.
4- العهد القديم: زكريا 14: 20–21.