الشتاتُ أو الدِّيَاسْبُورَا Diaspora هي فكرةٌ ومرحلةٌ تاريخيةٌ في حياة من أصبَحوا يُسَمُونَ يهودَ فيما بعدُ. ويقينًا أنها تبدأ مع السبي البابلي وليس مع السبي الآشوري؛ لأن السبي البابليَّ طال عاصمة يهوذا وأهلَها الذين سيُشكِّلون الدينَ اليهوديَّ فيما بعدُ، أما السبي الآشوريُّ فقد طال مدينةً أخرى هي السامرة التي لا علاقةَ لها بيهوذا، بل هي عدُوتُها اللدود.
فالشتات هو الفترة التي بدأَت مع السبي البابليِّ الثاني (الأكبر) لسكان يهوذا، وكان لهذه الفترةِ جوانبُ مهمةٌ في تكوين مجتمع السبي لاحقًا؛ فمن الجوانبِ الدينيةِ أنها كانت بدايةَ تدوينِ التراثِ الدينيِّ السابقِ (المرويات التوراتية) وظهور الأنبياء الذين بَنَوا الأسسَ الأولى للدين اليهودي، ومن هؤلاءِ عِزْرا ونحميا وحجي وزكريا وحزقيال. أمَّا الجوانبُ السياسيةُ للشتات فقد ظهر ملوكٌ باطنيونَ لمجتمع السبي ثم مجتمعِ يهوذا الجديدِ بعد السبي، ابتداءً من زرُبابل الذي اعتبروه المسيحَ المنتظرَ وسُلالته حتى نَصِلَ إلى يسوعَ الذي أعلن نفسه مسيحًا بعد «14» جيلًا؛ أي «ملكًا لليهود». ومن الجوانب الاجتماعية للشتات ظهورُ ما سُمِّيَ فيما بعدُ باﻟ «غوييم Goyim»، وهو عزلُ اليهودِ لأنفسهم وعدمُ الاختلاطِ مع المجتمعاتِ الأخرى، والنظرُ إلى هذه المجتمعات بشكلٍ سلبي. وتُسمَّى هذه المجتمعاتُ بالكفار أو الأميينَ (غوييم) وظهور ما يُسمى باﻟ «غيتو Ghetto» اليهودي؛ أي الحيِّ الخاصِّ الذي يسكُنه اليهودُ وحدهم في المدن التي يستقرُّون فيها، وبدأ ذلك في بابل، ورعى هذه الفكرةَ الأنبياءُ نحميا وعِزرا وحزقيال (1).
ثم تطوَّرَت كلمةُ الشتات، وأصبحَتْ تُطلَقُ على كل مجتمعٍ يهوديٍّ خارجَ فلسطين (2).
كان الكثيرُ من اليهود يعيشون منذ العصرِ الهِيلنستيِّ في مصر وسوريا وآسيا الصغرى وفي بُلدانٍ أخرى من حوض البحر الأبيض المتوسط. وكانت للهجرة اليهوديةِ الجماهيريةِ أهميتُها بعد قهرِ انتفاضةِ اليهودِ الأولى، وخاصةً الثانيةَ ضد الحكمِ الروماني (66–70، 132–135) م. وكادت المستعمراتُ اليهوديةُ تملأُ كلَّ بلدانِ حوض البحر الأبيض المتوسط. وبعد تدميرِ القدسِ على يد «تيطوس فلاويوس» عام 70م، وبعد تدميرِ القدسِ بالذات (عام 133م) لم يبقَ لليهود مركزٌ تقليديٌّ للعبادة، وهكذا تكوَّنتْ ظروفٌ تاريخيةٌ جديدة، مارسَت تأثيرًا ملموسًا في التبدُّلات التي طرأَت على الدين (3).
وتشير هذه الحقائق إلى أن القدس بعد تخلُّصِها من أهل السَّبْي لم تَعُد مدينةً للمجتمعِ اليهوديِّ إلا لفتراتٍ قليلةٍ جدًّا، بعد السبي الذي كان فيه مجتمعُ القدسِ حاويًا غيرَ اليهود. ويمكننا القولُ إن فكرةَ الشتات — لا الوطنِ الثابتِ أو الموعود — هي التي سيطرت، عمليًّا، على حياة المجتمع اليهودي. وهي التي شكَّلَت مُناخَهم الاجتماعيَّ والدينيَّ أكثرَ من فكرة الاستقرارِ والمجتمعِ التقليديِّ الدينيِّ أو القومي. ولهذه النقطة أهميتُها في تاريخ القدس التي لم تشهَد، كما عرفنا، تأسيسَ الدينِ اليهوديِّ ولم تكن مدينةً سياسيةً واجتماعيةً لليهود إلا لفترةٍ وجيزة، وكانت هذه المدينةُ، مثلَ غيرِها من مدن فلسطين، مكانًا لهجرة الناس ولقائِهم من جميعِ أرجاءِ فلسطينَ وما حولَها.
..............................................
1- محمود نعناعة، المشكلة اليهودية وهل تحلها إسرائيل، ج1، القاهرة، 1972م، ص321.
2- فيليب حِتِّي، تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، ترجمة د. جورج حداد وعبد الكريم رافق، بيروت، 1958م، ص204.
3- Shiloh, op. cit., p. 709.