يتحدَّث سِفرُ حزقيال بنشوةٍ فريدةٍ منذ الإصحاح 40 وحتى الإصحاح 48 عن يوتوبيا أورشليم متجاوزًا خرابَها في رؤيا حدثَت له بعد ربعِ قرنٍ من السبي ليصفَ لنا مدينةَ أورشليمَ الحُلم التي يتمنَّى أن يراها، ويسمِّيها اسمًا يوتوبيًّا أيضًا هو «يهوه شمه».
كان لا بُد من العبور على أورشليمَ المُخرَّبةِ لصنع أورشليمَ الخياليةِ حتى تُصبِحَ جزءًا من أمل الشعب المَسْبي. وبذلك يكونُ حزقيال قد أعطى لأهل السبي فسحةَ أملٍ يجتازون بها بؤسَهم. وهو ما أسهمَ أيضًا في صنع اليهودية كدين، ولكن حزقيال لا يذكُرُ أورشليمَ بالاسم بل يسمِّيها المدينة، رغم أنه يقولُ في بداية كلامِه إنها في أرض إسرائيلَ وليس يهوذا! وهو أمرٌ مثيرٌ للاستغراب والتساؤل.
والرؤيا هي وصفٌ هندسيٌّ لما يريدُ أن تكونَ عليه المدينةُ ووصفُ طقوسِها وكهنوتِها وشعائرِها. والحقيقةُ أن هذه الرؤيةَ لمدينةٍ صافيةٍ نقيةٍ تُؤَدَّى فيها كُلُّ الشرائعِ والمتَّسمة، بين أهل السبي، بنوعٍ من العدالة وذاتِ الأبوابِ العديدة … إلخ.
هذه الرؤيا كانت تَشحَذُ في نفوسِ أهل السبي الأملَ بالعودة؛ ولذلك كان أَوَّلُ شيءٍ فعلوه بعد العودةِ هو بناءُ الهيكلِ والمدينة.
وتتكامل رؤيا حزقيال مع الرؤيا التي قدمها «سفر إشعيا»، وخصوصًا منذ الإصحاح «40» حتى الإصحاح «55» عندما يتحدث كاتبُ هذه الفقرات عن نهاية عقابِ أورشليمَ وأن جهادَها قد كَمُل، وأنَّ إثمَها قد عُفِيَ عنه، وأنها قد قَبِلَت من يدِ الربِّ ضِعفَين عن كلِّ الخطايا، ولا بُدَّ من العودة إليها الآن، وأنَّ من سيُحقِّقُ هذا هو كورش؛ المسيح المنتظر.
«انهضي … انهضي … قومي يا أورشليم التي شربت من يد الربِّ كأسَ غضبِه. ثُقْلَ كأسِ التَّرَنحِ شربتِ مصصتِ، ليس لها من يقودُها من جميع البنينَ الذين رَبَّتْهُم. اثنان هما ملاقياكِ. من يرثي لكِ. الخراب والانسحاق والجوع والسيف. بمن أُعزِّيكِ. بنوكِ قد أُعيوا اضطَّجَعوا في رأس كلِّ زُقَاقٍ كالوعل في شبكة. الملآنون من غضب الربِّ من زَجْرةِ إلهِك (1).»
وهكذا هيَّأَ أنبياءُ السبي والمؤسسةُ الدينيةِ وما تَبقَّى من البيت المالكِ جَوًّا جديدًا خلال ما يقرُبُ من نصف قرنٍ تحوَّل فيه أهلُ السبي من عِبادٍ تقليديينَ ليهوا إلى يهودَ لهم نواةُ كتابٍ مقدسٍ وأنبياءُ كبارٌ ولهم مسيحٌ مُحرِّرٌ هو «كورش» ومسيحٌ مُنتظَرٌ هو «زرُبابل».
وكان أهلُ السبي يملكونَ وقتَ فراغٍ كبيرٍ ويعيشونَ في أمانٍ نسبيٍّ ولا يحاربونَ ولا ينشغلونَ بالإعداد لحرب؛ ولذلك تأملوا في تراثهم القديم، وبذل كتَبَتهُم جهدًا متميزًا في كتابةٍ جديدةٍ لمروياتهم الشعبيةِ القديمة، وصاغوا من جديدٍ سجلاتِ تاريخِهم في ضوء تعاليمِ الأنبياء، ونسَّقُوا التقاليدَ الشرعيةَ والطقسية (2).
إضافةً لذلك وجدوا أنفسَهم وسط تراثٍ بابليٍّ وسومري — شفاهيًّا ومكتوبًا — لا حدودَ له، وكان هذا أيضًا مادةً أولية؛ بالإمكان خلطُها مع تراثِهم الخاص، وجَعْلُها مادَّةً لهم.
..........................................
1- العهد القديم: إرمياء 51: 17–20.
2- إلمسلي، المرجع السابق، ص463.