كانت الأحداثُ تجري متسارعةً في بابلَ العاصمةِ أيضًا؛ فقد خلع الكهنةُ الملك الصبي «لباش مردوخ» الذي حكم تسعة شهور، وقرَّروا هم تولِّي الحُكْم من خلال تعيينهم لكاهنٍ ناشطٍ اسمه «نبونائيد أو نبونيد» (556–539ق.م.)
كان نبونائيد مجهولَ الأبِ وكانت أمُّه هي الكاهنةَ العليا لإله القمر (سين) في حرَّان؛ ولذلك نُرجِّحُ أن يكون أبوه هو «نبوخذ نصر الثاني»، الذي ربما مَثَّل دَورَ الإله مع الكاهنة العليا (التي تقوم بدور الإلهة) في طقوس الزواج المقدس في حرَّان … ربما في عيد رأس السنة الحراني.
وكانت حران، منذ زمنٍ بعيد جدًّا، مشهورةً بعبادة إلَه القمر الذي هو إلَه المدينة الرئيسي وكان فيها معبدُ اﻟ «هلهول»؛ المعبدُ الأكبرُ لإله القمر. ولعل حرَّانَ كانت تابعةً دينيًّا ذاتَ يومٍ لمدينة أور مركز عبادةِ إلَهِ القمر أيامَ السومريين.
تركَت أم نبونائيد (أدد كبي) في حرَّان لوحًا شاهدًا على سيرتها أوضحَت فيه كيف أنها علَّمَت ابنها كهانةَ إلَهِ القمر، وكيف أن عُمرَها امتدَّ إلى 104 سنوات، وأنها عاصرَت آشور بانيبال حتى رأت ابنَها ملكًا على بابل، وكيف رَمَّمَ واعتنى بمعبدِ الهلهول.
تُحيط بشخصية نبونائيد أحداثٌ غامضة، وتحفُّ دعوتَه الدينيةَ أسرارٌ ما زال الكشفُ عنها صعبًا ومعقدًا، وربما كان الكشف عنها مَدْعاةً لإعادة النظر كليًّا بالديانة اليهودية وأصولها؛ فعلى الأرجح أن نبونائيد لعب دورًا مُهمًّا في إعادة صياغة ديانة يهوذا، وتحويلها إلى الديانة اليهودية..
لقد كان نبونائيد مُوحِّدًا، وقد أدرك ببصيرته الثاقبة أن مَأزِقَ بابلَ الحقيقيَّ ليس سياسيًّا، وأن عقيدتَها الدينيةَ كانت بحاجةٍ إلى ثورة جذريَّةٍ لكي تجابه نزعاتِ التفريدِ اليهوذية (من خلال يهوا) ونزعاتِ الثنويةِ الزرادشتية (من خلال إِلَهَي النورِ أهورمزدا والظلامِ أهريمان) وكان لا بُدَّ من القيام بثورةٍ توحيديةٍ تنطلقُ من أرض بابل.
كان نبونائيد قد تربَّى في أحضان عقيدةِ أمِّه (أدد كبي) النَّزَّاعةِ نحوَ التوحيدِ من خلال تفريدِها للإله «سين»، واعتبارِه أعظمَ الآلهةِ وأعلاهم. أمَّا هو فقد قرَّر، على ما يبدو، الإطاحةَ نهائيًّا بجميع آلهةِ بابل، وإعلانَ الإلهِ سين (إلَهِ القمر) إلهًا واحدًا للعالم كله.
ورغم أننا لا نملك أدلةً كافيةً ومفصَّلةً عن دعوته هذه، لكنَّ شَذرَاتٍ منها ومن سيرتِه تدُل على هذا. لقد شعَر نبونائيد أن الإله مردوخ لم يعُد صالحًا لتقديم عقيدةٍ دينيةٍ جديدة؛ ولذلك رفض المشاركةَ في احتفالاتِ رأسِ السنةِ البابليةِ لعدم إيمانِه بمردوخ.
وكان كهنةُ بابلَ ينظرون إلى عقيدتِه وتصرُّفاتِه بريبةٍ وخوف؛ ولذلك دبَّروا فاجعةً هائلةً له ولبابلَ يوم تآمروا مع كهنة أهل السبي داخل بابل واتصلوا بالفرس، وكان أهل السبي قد سبقوهم إلى ذلك في اتصالاتٍ سريةٍ مع الفرس، للإطاحة بنبونائيد وحكمه، والتخلص من الدين الجديد الذي كان يبشِّر به في حرَّان ويثرب وخيبر وتيماء وددان … إلخ؛ حيث انقطع للعبادة والتبشيرِ في مدن وضواحي جزيرة العرب.
وهكذا أعدُّوا هاويةً لعقيدة نبونائيذ التوحيدية، وقد حسبوا أنها ستكون له فقط ولدعاته، ولكنَّ الهاويةَ ابتلعَت بابلَ كلَّها وابتلعت تاريخَ وادي الرافدَين كلَّه يوم سقطَت بابل، ومعها سقطَت آخرُ حضارةٍ كبيرةٍ لوادي الرافدَين. وذهبَت أوهامُ كهنةِ مردوخَ سُدًى؛ إذ إن الفاتح الإخميني كورش ومن تلاه قَدَّمُوا، شكليًّا، الولاءَ لمردوخ في بداية احتلالهم، ثم فرضوا عبادة أهورامزدا إلَهِ فارس الجديد الذي كان يمضي باتجاه التوحيد.
وهكذا أفلتَت من بابلَ أعظمُ فرصةٍ تاريخيةٍ كان يمكن أن تقوم بها؛ ألا وهي فرصةُ دعوةِ التوحيدِ التي تقوم على أسسٍ لاهوتيةٍ راسخة. وتلقَّفَ هذه الفرصةَ أنبياءُ يهوذا وفارس في صيغٍ مربكةٍ للتوحيد؛ فهي بين أن تكون صيغًا تفريدية أو غارقة في أشباح التعدُّديةِ القديمة.
لكن نبونائيد، يقينًا، كان قد أثَّر في صياغة العقيدة الجديدة لشعب السبي الذي كان يفتقر إلى كاهنٍ وملكٍ عظيمٍ مثل نبونائيد. وربما كان ذلك الرجلُ المؤسسَ الحقيقيَّ للعقيدة الجديدة، لكنَّ أهلَ السبي وضعوا ثقتَهم السياسية بعدُوِّه (كورش) الذي جعلوا منه المسيحَ المنتظر، وهذا ليس غريبًا على كتَبةِ التوراةِ وأهلِ السبي واليهود لاحقًا.
وإمعانًا في موت بابلَ وإزاحتِها من مركز التاريخ أصبح تشويهُ تراثِها ونصوصِها، بل ونهبُ ما استطاعوا من هذا التراثِ وطَمْر بابلَ وشتْمها والدعاء عليها بالفناء، (انظر أسفار العهد القديم) وكل ذلك لأن بابل تُشكِّل ضميرًا خفيًّا وعقدةَ ذنبٍ لكل من مسَّها أو أخذ منها سطرًا أو كلمة.
وسيجود الزمن، ذات يوم، بالعظماء من الآثاريينَ والباحثينَ الذين سيكشفون سرَّ بابلَ في أواخرِ أيامِها وسرَّ عقيدتِها التي اغتيلَت في مهدها بعد أن نُهِبَت مادتُها، وربما ستتوفرُ فرصةٌ أوسعُ لنا للحديث عن هذا الموضوع.