كانت العقيدةُ الجديدةُ التي ظهرَت في أواخر سِني مملكةِ يهوذا — والتي يُمكِن تسميتُها «اليهوذية» أو «اليهوية» قبل السبي — تتمثَّل في العبادةِ غيرِ المنظمةِ والمرتبكةِ للإله «يهوا» الذي نرى أنه كان إلَهَ القبائلِ البدويةِ المتاخمةِ ليهوذا، قبل انتقاله ليهوذا، وخصوصًا قبيلةَ مَدْين. وهو صورةٌ صحراويةٌ من صور بعل. وكانت عبادةُ هذا الإلهِ التي نمَت في أحضانِ عبادةِ بعل الحيثيةِ اليبوسيةِ في أورشليم — مع تأثيراتٍ صحراويةٍ في تخوم يهوذا — قد تمثَّلَت في مطابقة بعل مع يهوا، أو بالأحرى إحلالِ يهوا محلَّ بعل، ثم افتعالِ حربٍ بينهما وتناقُضٍ بين طبيعتهما.
وكانت عبادة «يهوا» في بدايتها ضمنَ صيغةٍ تعدُّديةٍ مع غيره من الآلهةِ ثم أصبحَت — بحكم تكريسِها المستمر — تفريدية. واستمرَّت على هذا الشكل حتى السبي.
أما في السبي فقد تعرَّضَت عبادة يهوا إلى نقلاتٍ منتظمةٍ أدَّت فيما بعد السبي إلى جعل يهوا إلهًا واحدًا للعالم، مع احتفاظِهم بفكرة كونِه إلهًا خاصًّا بهم، عن طريق فكرة «الشعب المختار»؛ أي إنهم شعبُه المختار.
ولعل أولَ هذه التحوُّلاتِ أحدثها «إرميا» عندما ألغى ارتباط «يهوا» بمكان عبادته (أورشليم) حيث وجَد «أهلُ السبي» أنفسَهم في حيرةٍ من أمرهم؛ إذ كيف تصير لهم فرصةُ عبادةِ يهوا وهم في أرض بابل بينما معبدُه وعبادتُه في أورشليم ويهوذا، فأوضح لهم إرميا أن يتعبَّدوا يهوا في بابل؛ إذ قال لهم باسم يهوا «اطلبوا سلام المدينة التي سبيتُكم إليها، وصلُّوا لأجلها إلى الربِّ؛ لأنه بسلامها يكون لكم سلام.» وهذا يعني أنه يُمكِن عبادة يهوا في أيِّ مكان، في بابلَ وفي فلسطينَ على السواء؛ لأنه «إلَهُ الأرضِ كلِّها، ولأنه يريد رحمةً لا ذبيحة» … وهذه الفكرة الجديدة الجوهرية التي طرأَت على أهل السبي صارت، فيما بعدُ، فكرةً لكل يهودِ الشتاتِ في العالم (1).
والحقيقة أن إرميا هو الذي أسَّس العمقَ التراجيديَّ للتيهِ اليهوذي، وهو الذي، بمراثيه، استطاع جَعْلَ اليهودِ يتفقونَ على مأساتهم ويعترفونَ بذنوبهم؛ فقد جاء التصريحُ بدمار أورشليمَ على أنه عقابٌ إلهيٌّ على أهلِها تتقبلُه على لسان إرميا مؤسسًا أولَ نواةٍ مأساويةٍ في تاريخ يهوذا، وكانت هذه النواةُ ضروريةً لخلق ديانةٍ جديدة، بل إنها كانت السببَ لأن تتحول الديانةُ من اليهوية (اليهوذية) إلى اليهودية فيما بعدُ: «ولماذا يشتكي الإنسانُ الحيُّ الرجلُ من قصاص خطاياه. لنفحص طُرقَنا ونمتحنها ونرجع إلى الربِّ، لنرفعَ قلوبَنا وأيديَنا إلى الله في السماوات. نحنُ أذنَبْنا وعصَيْنا وأنت لم تَغفِر. التحفتَ بالغضَب وطَردْتَنا. قتلْتَ ولم تُشْفِق. التحفْتَ بالسحاب حتى لا تنفُذَ الصلاة.
جعلْتَنا وسخًا وكرهًا في وسط الشعوب. فتحَ كلُّ أعدائِنا أفواهَهم علينا. صار علينا خوفٌ ورعبٌ وهلاكٌ وسحق. سكبَت عينايَ ينابيعَ ماءٍ على سحق بنت شعبي. عيني تسكُب ولا تكُف بلا انقطاع (2).»
ثم يقول عن أورشليم: «من أجل خطايا أبنائها وآثام كهنتها السافكين في وسطها دم الصديقين. تاهوا كَعُمْي في الشوارع وتلطَّخوا بالدم حتى لم يستطع أحدٌ أن يمسَّ ملابسهم. حيدوا نجس ينادون إليهم. حيدُوا حيدوا لا تَمَسوا. إذا هربوا تاهوا أيضًا. قالوا بين الأمم إنهم لا يعودون يسكنون (3).»
ثم يقول:
«اذكُر يا ربُ ماذا صار لنا. أَشْرِف وانظُر إلى عارنا. قد صار ميراثنا للغرباء، بيوتنا للأجانب. صرنا أيتامًا بلا أبٍ. أمهاتُنا كأرامل. شربنا ماءَنا بالفضَّة. حطبنا بالثمن يأتي. على أعناقنا نُضطهَد. نتعب ولا راحة لنا (4).»
هذه هي صورةُ المأساةِ التي رسمَها أولًا إرميا، ثم ظلَّت ترافقُ اليهود أينما وُجِدُوا، ولعل صورةَ المأساةِ هذه هي التي دَعَت كتَبةَ التوراةِ في بابلَ إلى تَتَبُّع جذورِها في الماضي، وربط ما ليس لهم من مآسي ودمارِ الشعوب والأممِ القديمةِ بهم وبتاريخهم، من تاريخ التشرُّدِ المزعومِ مع إبراهيمَ وأولادِه في مصر، حتى تاريخِ التشرُّد المزعوم في مصر وسيناء مع موسى، حتى مآسيهم مع شاؤول وداودَ وسليمان. كلُّ هذا التاريخِ التراجيديِّ الموهومِ في الماضي كان نتاجَ حاضرِ التراجيديا الحقيقيِّ بعد سقوطِ أورشليمَ بيد البابليينَ وما بعد السبي. وكان هذا الحاضرُ هو الزمنَ الذي كُتِبَت فيه بعضُ أسفارِ التوراة، فَلِمَ لا يلُفُّها الحزنُ الشديدُ والملاحقةُ والمآسي، خصوصًا أن نبيًّا صريحًا مثلَ إرميا قد شكَّل، كتابيًّا، النواةَ التراجيديةَ للمأساةِ اليهودية.
أمَّا النبي حزقيال (ثاني أنبياء السبي) فقد ساهم في بناء اللاهوت والطقوس الجديدة؛ إذ كرَّس وحدانية «يهوا»، واستطاع أن يحوِّلَ يهوا من إلَهٍ مُعاقِبٍ مدمرٍ لشعبه إلى إلَهٍ غاسلٍ لآثام شعبه عن طريق التوبة؛ فهو إلَهٌ مُطهر؛ ولذلك فإنه سيُدبِّرُ لهم الخلاصَ بعد التطهير؛ ولذلك كرَّس حزقيال صورةَ الانتقامِ والنزعةِ الحربيةِ التي ستكون لليهود مع الأمم الأخرى، كما أنه استمرَّ في فضح صورة أورشليم التي أدَّت بها آثامُها إلى هذا الدَّرْك، وهكذا فإنه يصف أورشليم بالزانية؛ لأنها تركَت زوجَها أو إلهها يهوا وأشركَت معه آلهةً آخرين، وهي صورة الديانة اليهوذية قبل السبي: «وَزَنَيْتِِ مَعَ بَنِي آشُورَ؛ إِذْ كُنْتِ لَمْ تتَشْبَعِي فَزَنَيْتِ بِهِمْ، وَلَمْ تَشْبَعِي أَيْضًا. وَكَثَّرْتِ زِنَاكِ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ إِلَى أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ، وَبِهذَا أَيْضًا لَمْ تَشْبَعِي. مَا أَمْرَضَ قَلْبَكِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِذْ فَعَلْتِ كُلَّ هذَا فِعْلَ امْرَأَةٍ زَانِيَةٍ سَلِيطَةٍ. بِبِنَائِكِ قُبَّتَكِ فِي رَأْسِ كُلِّ طَرِيقٍ، وَصُنْعِكِ مَرْتَفَعَتِكِ فِي كُلِّ شَارِعٍ. وَلَمْ تَكُونِي كَزَانِيَةٍ بَلْ مُحْتَقَرَةُ الْأُجْرَةِ. أَيَّتُهَا الزَّوْجَةُ الْفَاسِقَةُ، تَأْخُذُ أَجْنَبِيِّينَ مَكَانَ زَوْجِهَا. لِكُلِّ الزَّوَانِي يُعْطُونَ هَدِيَّةً، أَمَّا أَنْتِ فَقَدْ أَعْطَيْتِ كُلَّ مُحِبِّيكِ هَدَايَاكِ، وَرَشَيْتِهِمْ لِيَأْتُوكِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِلزِّنَا بِكِ (5).»
وتُسيطِر صورةُ المرأةِ الزانيةِ على تشبيهاتِ حزقيال بحيث إنها تغَطي سِفرَه كله. وتُعطينا هذه الصورةُ انطباعًا واضحًا حولَ عبادةِ تعدُّدِ الآلهة التي كانت عمادَ الديانةِ اليهوذية قبل السبي؛ حيث كانت تُعبَدُ آلهةٌ عديدة؛ منها آلهةُ الغزاةِ والجيرانِ مع يهوا.
وأضاف حزقيال لذلك ما يمكن أن تفعلَهُ أورشليمُ وشعبُها إذا حاربت تحت راية يهوا المحارب، ربِّ الجنود. كذلك ساهم حزقيال بضبط الطقوس والشعائرِ الجديدةِ وتأصيلِها، خصوصًا شعائرَ التطهيرِ وأصول التقديس، وهكذا أصبحَتِ الشعائرُ مقدسةً ثابتةً لا يجوزُ التخلِّي عنها، وهو ما جمعَ أهلَ السبي حولَ نواةٍ شعائريةٍ ذَوَّبَت بينهم الفوارق الإثنية، وجعلَتْهم يشعرونَ أنهم أهلُ دينٍ مميزٍ عن بقية الشعوب.
هذه الشعائر هي ما أُطلِقَ عليه ﺑ «الناموس» مثل الخِتَانِ وقوانينِ الطعامِ والإسبَاتِ وتحريمِ الزواجِ من غير اليهود. هذه العاداتُ كانت أكبرَ عونٍ لهم على خلقِ شعورٍ قويٍّ بقوميةٍ أساسُها الدينُ يتفرَّدُ بها اليهودُ عن سائرِ الأمم (6).
.........................................
1- إلمسلي، المرجع السابق، ص 640–641.
2- العهد القديم: إرمياء 3: 39–50.
3- العهد القديم: إرمياء 4: 6–12.
4- العهد القديم: إرمياء 5: 1–6.
5- العهد القديم: حزقيال 16: 28–34.
6- إلمسلي، المرجع السابق، ص 641.