لم يُدرِك البابليون (الكلدانيونَ) أنهم أخفوا في جسدهم، بل في موقع القلب، لغمًا اسمه «أهل السبي» سينفجرُ عليهم ذاتَ يوم. كذلك لم يُدرِك «أهلُ السبي» أنهم سيُحولِّون هذا المنفى إلى أكبرِ منعطفٍ في تاريخهم، وأن هذا المنعطفَ هو الذي سيفصلُ بين شعبِ يهوذا الكنعانيِّ والشعبِ اليهوديِّ العبري. وسيتمُّ ذلك عن طريق التدوين … والتدوين فقَط.
لقد وجدَ «شعبُ السبي» أن أفضلَ وسيلةٍ للبقاء هو عَبْر الكلمةِ التي تبقى في بطون التاريخِ أكثرَ من بقاء الإنسان أو الأحداثِ التي يصنعها الإنسان، بل إن بالإمكان تدوينَ أحداثٍ غيرِ موجودة أو ليست لهم وجَعْلَها جزءًا من تاريخهم؛ إذ مَن سيقول لهم غيرَ ذلك عندما يبتعدُ الزمنُ مئاتِ وآلافِ السنواتِ عن تلك الأحداث، أمام ذلك النسيانِ الكبيرِ الذي يَلُفُّ أحداثَ العالمِ القديمِ بسبب شحَّةِ التدوين، واقتصارِه على فئاتٍ قليلةٍ دون أخرى.
وجد شعبُ السبي أن بالإمكان الحديثَ عن تاريخ العالم كلِّهِ من خلالهم، ولِمَ لا؛ فهُم فئةٌ قليلةٌ يمكنُ استنباتُ جذورٍ وهميةٍ قديمةٍ لهم، ويمكنُ الحديثُ عن أول إنسانٍ في الوجود (آدم!) وتتبُّع ذريته وصولًا لهم حتى تصبحَ سلالةُ النسب هذه مرتبطةً بهم … وهو ما لم يَفطن له أيُّ شعبٍ قبلهم.
كان ذلك يحتاج إلى نوعٍ من التهذيبِ والتشذيبِ وإعادةِ الصياغة. أمَّا الأحداثُ التي تخصُّ شعوبًا أخرى فيمكنُ أن تصبحَ لهم بمجرَّد كتابتِها بلغتهم وربطِها بتاريخهم.
كانت اللغةُ السائدةُ آنذاك في الإمبراطوريةِ البابليةِ هي اللغة الآرامية، التي لم تكن بعيدةً عن الكنعانية، لكنَّ ميزتَها الأساسيةَ المرنةَ في طريقة كتابتها وسهولة تداولها؛ ولذلك دَوَّنَ أهلُ السبي أولى مروياتِهم الشعبيةِ باللغة الآرامية، وستُصبحُ هذه المروياتِ نواةَ التوراة.
يأخذ التدوينُ أهميته من خلال جَعْلِ هذه المدوناتِ مركزًا روحيًّا تلتفُّ حوله الطائفةُ الدينيةُ الجديدةُ التي بدأَت تنتقلُ من مجتمعٍ قوميٍّ خليطٍ (يهوذي) إلى مجتمعٍ دينيٍّ متماسك (يهودي) له مركزٌ روحيٌّ مُدَوَّن. وهو ما لم تستطع أن تُدركَ أهميتَهُ شعوبٌ أُخرى ذهبَت مدوناتُها أدراجَ الرياح؛ لأنها لم تَبتكِر فكرةَ «المركزِ الروحيِّ المدون»؛ أي فكرةَ أن يكونَ لها «كتابٌ مقدَّس». وإذا كانتِ الأساطيرُ قد لعبَت مثل هذا الدورِ سابقًا، فإن الكتاب المقدس سيتجاوز الأساطيرَ القديمة، وسيلعبُ الدورَ الجديدَ الذي قام به اليهود أولًا، مع تغيراتٍ نوعيةٍ في العقيدة الدينية لعل أهمَّها الانتقالُ من التفريد Henothesim إلى التوحيد Monothesim، ورغم أن هذا التوحيدَ ظل مشوبًا عند أهل السبي ثم اليهود إلا أنه اجتهدَ وسعَى لأن يكون يهوا (إلَه يهوذا) هو الربَّ أو الإلهَ الوحيدَ لليهود.
ولم يكُن بالإمكان اعتبارُه إلَهَ البشريةِ كلِّها؛ لأن الأمرَ ما زال متعلقًا بِلَمِّ مجموعةٍ من الناس معرَّضةٍ للفناء.
كان الأمر يتعلق إذن بصناعة دينٍ جديدٍ تُوضعُ في المنفى البابلي خطواتُه الأولى، ثم تكتملُ صناعتُه في زمنٍ لاحق. وكانت هذه الخطوةُ ردَّ فعلٍ ذكيًّا على آخر مرحلةٍ من مراحل نهاية شعب يهوذا.
إذن لا بُدَّ أن يتحول شعبُ يهوذا (الذي فقد الأرض) إلى شعب يهود (الذي يتعلق بالسماء)؛ إذ لم يكن هناك خيارٌ آخَر، ولو أن شعبَ السبي كان يتوقعُ عودةً إلى أرضه بعد «45» سنة (كما حصل) لما فكَّر بتدوين مروياته وتراثه على شكل كتابٍ مقدس. ومع ذلك كانت فكرة «الأمل» و«الخلاص» تراوده؛ ولذلك وضعَها في كتابه هذا على شكل انتظارٍ للمُخَلِّصِ أو للمسيحِ الذي لا بُدَ أن يكون ملكًا «ممسوحًا بالزيت»؛ ولذلك وجدوا ضالَّتَهم بعد موت صدقيا في الأسر البابلي في يهوياكين، الذي أخرجه من السجن الملك البابلي التالي لنبوخذ نصر وهو «أمل مردوخ» Emil-Merdouk (وتسميه التوراة أويل مردوخ)، وكان عمر يهوياكين عندما أُخرِجَ من السجن كبيرًا، ويبدو أن أمل مردوخ أكرمه وجعله مستشارًا له، وربما قتل الكهنة البابليونَ أمل مردوخ لهذا السبب.
لكن يهوياكين تُوفِّي بعد زمنٍ فوضع الكهنةُ من أهل السبي أملَهم في ابنه (شألتيئيل)، الذي عاصر ملوكَ بابلَ الآخرينَ الضعفاء (نرجال شار أوصر، ثم لباش مردوخ). وهكذا أصبح شألتيئيل هو المسيحَ المنتظَر، وبذلك نشأَت سلالةٌ ملكيةٌ باطنيةٌ جديدةٌ ليهوذا ترفع ملوكَها إلى مستوى المسيحِ المخلصِ المنتظَر. وكان هذا يترافقُ مع جهدٍ كانت تبذله المؤسسةُ الدينيةُ لأهل السبي من خلال الاستمرارِ بظهور من تُسمِّيهم بالأنبياء (الذين لا نعرف عنهم في الآثار شيئًا)، ومن خلال جهدٍ منظمٍ دقيقٍ كانت تقوم به مؤسسةُ الكهنةِ وعلى رأسهم «الصدوقيون» الذين بذلوا جهدًا عظيمًا في الجمع بين ترشيحِ الملكِ المسيحِ وربطِه بالمؤسسةِ الدينية.