نال القدسَ دمارٌ كبيرٌ لكنَّ أهلَها لم يُسبَوْا كلُّهم؛ فقد بقي منهم القليل، ونَصَّب البابليون عليهم رجلًا منهم هو «جدليا». ويبدو أن مركز القدس لم يعُد صالحًا للسكن؛ ولذلك اتخذ جدليا مكانًا آخر هو «المصفاة» (الذي يُعتقَدُ أنه تلُّ النصبة قرب الجيب)، وطمأنَ سكانَ القدسِ، وأمرَهم بالخضوع التام لملك بابل. وبعد هذا الاستقرارِ النسبيِّ جاء إلى القدس بقايا جيش يهوذا الذي تفرَّق عندما أُلقيَ القبضُ على صدقيا من شرق الأردن.
ولا بُدَّ لنا أن نشير بوضوح إلى أن أهل يهوذا والقدس المسبيينَ — والذين كان أغلبُهم من أتباع «دين يهوذا» الجديد — تركوا فراغًا سكانيًّا كبيرًا في القدس، مما حدا بالقبائل الكنعانيةِ والآراميةِ والأدوميةِ والعربيةِ إلى الاتجاه نحو القدسِ والسكَن فيها، وبذلك تغيَّرَت هُوية القدس ويهوذا بصورةٍ جِديَّةٍ هذه المرة، ولم يعُد هناك ذِكر ﻟ «اليهوذيين» الذين تحدَّثنا عنهم. وسينتُج عن هذا الأمر لاحقًا، بعد عودة المسبيين، خليطٌ إثنيٌّ من السكان، كان «أهلُ السبي» لا يشكِّلون فيه إلا نسبةً معيَّنة.
وبعد مجيء بقايا جيش يهوذا قَدِمَ إلى القدس أحدُ المطالبينَ بالعرش من العائلة الملكية السابقة وهو «إسماعيل بن نثنيا أليشمع» وهجَم مع أصحابه على المصفاة وقتلوا جدليا وبعضَ البابليينَ وسكانَ القدس، وكان هذا العملُ بمثابة إعلانِ ثورةٍ جديدةٍ على بابل؛ ولذلك فرَّ بعضُ شعبِ القدسِ إلى مصرَ طلبًا للنجاة وخوفًا من انتقام البابليين.
وإذا كانت القدس قد سُبِيَت من طبقتِها الملكيةِ والدينيةِ والعسكريةِ والسياسيةِ العالية، فإن الفقراءَ و«سكان الأرض» — كما تُسَمِّيهم التوراة — ظلُّوا هناك.
لقد زالت مملكةُ يهوذا وزالت معها سيادةُ صهيونَ الدينية (وهو مقر الحكم) ولكن أهل الريف قد أفادوا، على الأرجح، من انتقال مركز العاصمة السياسية من بلادهم؛ فقد تكاثَر عددُهم، وتحركَت باتجاههم العشائرُ الأدومية، ولعل أفكارَ هذه العشائرِ أثَّرَت تأثيرًا دقيقًا جدًّا في تشكيل التقاليد الأدبية في فترة ما بعد السبي (1).
كما أن العلاقة بين من تَبَقَّى من سكان يهوذا والقدس أصبحَت جيدة مع أهل السامرة (وهذا يؤيد وجهة نظرنا حول الاحتراب لا الاتحاد بين يهوذا وإسرائيل)؛ فقد كانت السامرةُ تُعاني قبل السبي، بعد سقوط دولة إسرائيل، من مركزية القدس وتعاليها على أهل السامرة الذين فرُّوا من السبي الآشوري، وفقدوا آخرَ فرصِ الخلاصِ والعودةِ إلى بلادهم. وأمام غياب المركزيةِ الدينيةِ التي حاولَت الطبقةُ الدينيةُ والملكيةُ فرضَها على الناس في يهوذا والمشردينَ من إسرائيلَ عن طريق ابتكارِ عقيدةٍ جديدةٍ لعلاقاتٍ جديدةٍ بين يهوذا وإسرائيلَ المحطمتَين، بل ربما حلَمَت السامرة أن تزحفَ بأفكارها الدينيةِ الكنعانيةِ ورمزِها المتمثلِ بالإله «إيل» للتأثير على أهل القدس المُتَبقين، خصوصًا أنه صار بالإمكان احتضانُ «يهوا» وجعلُه ابنًا ﻟ «إيل»، وما «يهوا» إلا شكلٌ من أشكال «بعل» الذي كانت تتعبده السامرةُ بصفة ابن إيل. ونرى أن هذا الإجراءَ كان مدخلًا لعلاقةٍ جديدةٍ بين السامرة والقدس، تلك العلاقة التي لن تصبح متكافئةً بعد أن يعود أهل السبي، بل لتكون الفرصةَ المناسبةَ لدمج السامرة في عقائد يهوذا، والتعامل مع «إيل» على أنه «يهوا»؛ أي «الله هو يهوا» ثم العودة إلى تصفية تاريخ إسرائيلَ والسامرة، وتخيُّلِ وجودِ مملكةٍ موحدةٍ بينهما سابقًا تمهيدًا لدمج عقائدِهما، وضمِّ إسرائيلَ المحتربةِ مع يهوذا إلى تاريخ يهوذا، قاعدةِ الدينِ الجديد.
وهكذا كان السبي — سواء في بابل أو في القدس — فرصةً عظيمةً لتطورٍ نوعيٍّ باتجاه ظهورِ الدينِ اليهوديِّ ودمجِ عقائدِ إسرائيلَ (السامرة) مع عقائدِ يهوذا نهائيًّا، وهو الجانبُ الخفيُّ الذي لا يُرى تحت أحداثِ الدمارِ والقتلِ والسبي الذي قام به نبوخذ نصر لبابل.
ولا تُعرَفُ أخبارُ القدس كلما اقتربنا من سقوطِ بابلَ عام 539ق.م. ويبدو أن الفوضى دبَّت فيها، وأن بَدْوَ الصحراءِ من النَّقبِ وسيناءَ وأدومَ كانوا يتسرَّبون إليها وإلى مدن يهوذا المُدمَّرة بطريقةٍ غيرِ منظمةٍ طيلةَ ما يقرُب من نصفِ قرن.
كانت هذه النهايةُ المأساوية — التي جرَّها حكامُ القدسِ على أنفسهم وشعبهم — هي المشهدَ الأخيرَ لها في نهاية العصر الحديدي الثاني، والتي لم تكُن لها أيةُ علاقةٍ بالمعتقداتِ الدينيةِ أو بسبب دينٍ جديدٍ هو «الدين اليهودي» كما تحاولُ التوراةُ تصويرَ ذلك. لقد كان العملاقُ البابليُّ آنذاك مشغولًا بسعة إمبراطوريته وتجارتها أكثرَ من أيِّ شيءٍ آخر.
........................................
1- و. إلمسلي، «سقوط أورشليم وأهميته العالمية»، تاريخ العالم، السير جون. أ. هامرتون، المجلد الثالث، الفصل التاسع والستون، ترجمة إدارة الترجمة بوزارة المعارف العمومية، القاهرة، ب. ت، ص639.