كان نبوخذ نصر قد عيَّن بدلًا من يهوياكين عمَّه صدقيا بن يوشيا (596–586ق.م.) فيما أخذَ يهوياكين (يهوياقين) إلى بابلَ أسيرًا وسجَنه هناك. لكن صدقيا هذا لم يكن ملكًا حصيفًا؛ إذ لم يتعِظ مما حصل لأخيه وابن أخيه؛ فقد ثار في السنة الثامنة من حكمه على نبوخذ نصر الذي جهَّز جيشًا حاصر به القدس لمدة سنة ونصف، فقام صدقيا بثَقْب سور القدس، وهرب مع جيشه باتجاه شرق الأردن، لكن جيش نبوخذ نصر أسَره قرب أريحا وتفرَّق جيشه، فأخذه قائد جيش نبوخذ نصر الذي كان في «ربلة» في حماة ليحكُم عليه، فأعدمَ أبناءه بحضوره، وقلع عينَيه، وأرسلَه مقيدًا بالسلاسل ليُسجنَ في بابل.
وهكذا أصبح هناك ملكان سجينان في بابلَ هما «يهوياكين» من السَّبيِ البابليِّ الأول، وعمه «صدقيا» من السَّبيِ البابليِّ الثاني.
وكان هذا هو التدميرَ الأكبرَ للقدس؛ فقد قرَّر نبوخذ نصر ألا يُبقِيَ على هذه المدينة التي أتعبَتْه بثوراتها وقلاقلها السياسية، ولم يكن الأمر متعلقًا بأيةِ مسألةٍ دينية. «وبعد شهر من سقوط المدينة وصل أحد ضباط الجيش الكبار لإحراق القصر والهيكل وجميع البيوت الكبيرة في القدس، وأُخِذَ الكاهنُ الأعلى والضباطُ العسكريون وخمسةُ أعضاءٍ في المجلس الملكي وموظَّفونَ مختلفونَ آخرونَ من ذوي الرتب العالية إلى ربلة حيث أُعدِمُوا، وتمَّ ترحيلُ باقي السكان (1).»
ويبدو أن أغلبَ سكانِ القدسِ اقتُلِعوا من أَرضهم وهُجِّرُوا إلى أرض بابل؛ حيث وُضِعُوا داخلَ ما يشبهُ السورَ قربَ بابل.
ولم تكُن القدسُ هي العقبةَ الكبيرةَ في طريق نبوخذ نصر لإرجاع الشام إلى حظيرته؛ فقد تابع مهاجمَتَه للمدن الفينيقية فأدَّبَها جميعًا ما عدا مدينةَ صور، التي قاومت حصارَهُ على مدى ثلاثةَ عَشَرَ عامًا، لكنها قَبِلَت في النهاية دفعَ الجزيةِ واعترفَت بالسيادةِ البابلية.
ويبدو أن نبوخذ نصر كان مقبلًا على إعادة فتحِ مصر؛ حيث تروي الأخبارُ حادثَ اصطدامِ الجيشِ البابليِّ مع الجيشِ المصريِّ المُعَزَّزِ بالمرتزقة الإغريقِ في فلسطينَ في أول أيامِ حكمِ أحمسَ الثاني (أمازيس) (568–525ق.م.) واستطاع الجيشُ البابليُّ هزيمةَ الجيشِ المصري (2).
وتذكُر نصوصُ نبوخذ نصر أنه في العام السابع والثلاثين من حكمه (562ق.م.) سار نبوخذ نصر على رأس جيشه نحو مصر حيث كان يحكم فيها أمازيس، لكنَّ فتحَ مصر لم يتمَّ؛ فقد مات نبوخذ نصر في نفس هذه السنة.
..............................................
1- مندنهول، جورج، المرجع السابق، ص79.
2- فخري، المرجع السابق، ص454.