قام ملك يهوذا «يهوياقيم»، بتحريضٍ من مصر، بالتمرُّد على حكم نبوخذ نصر البابليِّ الكلداني، فما كان من نبوخذ نصر الثاني إلا أن يجهزَ حملةً لمهاجمة القدس التي استسلمَت بسهولة، وأعلن ملكُها الولاءَ لبابل ودفعَ الجزية.
وعندما تولى يهوياكين (يهوياقين) بن يهوياقيم (الذي ربما كان هو نفسه يهوياقيم وليس ولده) الحُكمَ (598–596) قام هذا الملكُ بالتمرد على بابل، فما كان من نبوخذ نصر إلا أن يرُد بسرعة وحزم على هذا الملك، فحاصَر القدس ودخلَها وأسَر يهوياكين ومعه آلافُ الجنود والغنائم، وأرسلهم إلى بابل، وسُمِّي هذا النفيُ لأهل يهوذا ﺑ «السبي البابلي الأول» الذي يشير له النَّصُّ البابليُّ الآتي:
«العام السابع … في شهر كسليمو، ملك أكد استدعى جيشه، وسار ضد سورية وهاجم مدينة يهوذا، واستولى على المدينة في اليوم الثاني من شهر آذار وأسَر الملك وعيَّن ملكًا آخر اختاره هو، وأخذ الكثير من الغنائم وأرسلها إلى بابل.»1
وحسب العهد القديم فإن أعداد الأَسْرى الذين رحَّلَهم نبوخذ نصر الثاني إلى بابل تتراوح ما بين (3023–10000) شخص.2
ويبدو أن هذا السَّبي الأوَّل لم يستهدفِ السكانَ العُزلَ للقدس، بل استهدف «نزعَ سلاح القدس ويهوذا، وإزالةَ العسكريين والحدادين الذين يستطيعون صنعَ السلاح ورجالِ الإدارةِ السياسية، بمن فيهم الملكُ وموظفوه. ومن الطبيعي أن الموادَّ اللازمة للقيام بالحرب أُزيلت أيضًا؛ الخزانة الملكية وكنوز الهيكل، ولقد اتُّبعَت هذه المحاولة لإنزال العقوبة، وكذلك لإزالة إمكانيةِ العصيانِ ومغرياتِه والإجراءات القياسية التي اقتضاها العُرفُ في الإمبراطوريات القديمة.»3
إننا لا نتفق مع الآراء التي تسمِّي هذا السَّبيَ الأول والسبي الثاني سبيًا لليهود بل هو سبيٌ لأهل يهوذا؛ وتحديدًا لأهل أورشليم الذين مازالوا في أول خطواتهم لتكوين دينٍ خاصٍّ بهم أسميناه «دين يهوذا» أو «الدين اليهوذي»، وهو ليس الدين اليهودي بمعناه المعروف؛ إذ إن هذا الدينَ اليهوديَّ لم يتكوَّن إلا بعد السبي الثاني خلال ما يقرُبُ من القرنَين من الزمان حتى مجيءِ الإسكندرِ المقدوني.
وسنقول ببساطةٍ ووضوحٍ إن الدين اليهوديَّ تَكوَّن في العصر الحديدي الثالث (539–323ق.م.) إبَّانَ الهيمنةِ الفارسيةِ على الشرقِ الأدنى القديم. أمَّا قبل ذلك بقليل فلم يكن هناك سوى نواةٍ أوليةٍ لدينٍ جديدٍ يمكن أن نطلقَ عليه اسم «دين يهوذا»، بدأ مع إصلاحات يوشيا كما ذكرنا.
.......................................
1 عبد الحليم، المرجع السابق، ص234–235.
2 العهد القديم: إرمياء 52: 28 والملوك الثاني 16: 24.
3 جورج مندنهول، «القدس من 1000–63ق.م.»، القدس في التاريخ، حرَّر الطبعة الإنجليزية وترجمها الدكتور كامل جميل العسلي، عمان، 1992م، ص79.