عندما تَملَّك يوشيا مُلكَ يهوذا (640–609ق.م.) كانت يهوذا تخضَعُ تمامًا لآشورَ بعد أن انهارَت كلُّ آمالِها السياسية، وكان يوشيا قد أدرك هذه الحقيقةَ تمامًا؛ لذلك عمد طيلةَ حُكمِه إلى تهدئة الأمورِ السياسية مع آشور، وانصرفَ إلى الدين بكل جوارحه.
تقول المروياتُ الدينيةُ إنه من أجل أن يجمعَ شعبه حولَه، ويصرفَهم عن الكفاح السياسيِّ ضدَّ آشورَ أو غيرِها، كان عليه أن يهيِّئَ لثورةٍ دينية؛ حيث يصبح الدينُ عاملًا فاعلًا عند اليأس السياسي. وكان أساسُ هذه الثورةِ الدينيةِ يقومُ على كتابة كتابٍ أو سِفرٍ يكون بمثابةِ القانونِ الإلهيِّ لإلهٍ واحدٍ هو الذي يرعى شعبَ يهوذا تنبذُ معه آلهة يهوذا الأخرى وآلهة الشعوبِ الأخرى التي كانت تُعبَدُ في يهوذا وأورشليمَ لكي يترسَّخَ من خلالها حكمُه وحكمُ إلهِه، وقد أُطلِقَ على هذا الكتابِ اسم «سِفر الشريعة» الذي يرى كتَبَةُ التوراة أنه «سِفر التثنية» الذي كتبه موسى بيده! ومعروفٌ أن نسبتَه إلى موسى لاحِقة تداركَها كتَبَةُ التوراةِ وهم يحاولون ربطَ أجزاءٍ متفرقةٍ من تاريخ البشرية القديم «ذات الطابع الأسطوري والملحمي»، ونَسَبوه لهم أو جعَلوه متصلًا بهم.
وهكذا وضع يوشِيا عام 636ق.م. هذا السِّفر في مخبأ في «هيكل الرب»، وبعد فترةٍ طلَب من رئيس مدينتِه ومن كاتبه أن يُرمِّمُوا «هيكل الرب» تحت إشراف كبير الكهنة «حِلقيا» وإذا ﺑ «حِلقيا» يعثُر على «سِفْر الشريعة» ويُسلِّمه إلى رئيسِ المدينة وكاتبِ الملك، فقاما بدورهما بتسليمه إلى «يوشيا»، الذي عندما سمع مضمونَ السِّفر مزَّق ثيابَه، وأمر الرجلَين بجمع كلِّ شيوخِ ورجالِ وكهنةِ يهوذا وأورشليم، وقرأ عليهم مضمونَ السِّفرِ الذي يتضمَّن وصايا الربِّ وتحذيراتِه … وهكذا أُعلِنَت ثورةٌ دينيةٌ دمَّر فيها يوشيا كلَّ الأوثانِ الأجنبيةِ والسارياتِ وغيرها، وأصبح «يهوا»، لأول مرة في التاريخ، الربَّ الوحيدَ لأهل أورشليم، وصار ذلك اليومُ عيدَ الفصحِ لأول مرة أيضًا.
ويكادُ يشكِّل هذا الحادثُ منعطفًا دينيًّا جديدًا في تاريخ يهوذا والقدس؛ فقد ظهرَت لأول مرة ديانةٌ جديدة (يهوذية وليس يهودية) وهي ديانةٌ كنعانيةٌ بدأَت بالتبلور، وانفصلَت رسميًّا عن الديانات المحيطة بها من كنعانية وفينيقية وأمورية وآرامية … إلخ. وأصبح ثمَّة شريعةٌ وشعائرُ دينيةٌ واضحة. ومنذ ذلك الوقت بدأ يُطلَق اسمُ «يهوذي، يهوذيم» وسمِّي شعب يهوذا «يهوذه». أمَّا اللهجةُ الكنعانيةُ التي كُتِبَ بها سِفرُ الشريعةِ فأصبح لغةَ يهوذا (يهوذيت) التي أصبحَت نواةَ اللغةِ العبريةِ فيما بعدُ؛ والتي ظهرَت متأخرةً قبل القرون الميلادية الأولى.
وهكذا نقل «يوشيا» هذا الشعب — الخليطَ المتفرقَ المشارب، العديمَ الهوية، الخليطَ الأعراق — من وضعه الملتبس هذا إلى شعب «شبه إثني» بدأ بتجاوز فُرُوقِه القبليةِ والاجتماعية، وأصبح «شعبُ يهوذا» ذا محورٍ دينيٍّ مكتوبٍ ومعلَن، وكان ذلك حوالي «636» ق.م.
ولولا ما فعلَه يوشِيا لتَفرَّقَ شملُ شعبِ يهوذا هذا أثناءَ وبعدَ السبي البابليِّ الذي سيأتي بعد «38» عامًا من هذا الحادثِ؛ إذ إن هذه الثورةَ الدينيةَ هي التي جعلَت هذا الشعبَ يتمحورُ حول جوهرٍ دينيٍّ مكتوبٍ يصعبُ تفتيتُه. وهكذا سيُصبحُ «سِفرُ الشريعة» جوهرَ كتابِ التوراةِ الذي سيظهرُ بعد قرون.
كانت نهاية يوشِيا غيرَ متوقَّعة؛ فبعد ثلاثةِ عقودٍ من رسالته الدينية الجديدة وابتعادِه عن السياسة ظهرَت أحداثٌ جديدةٌ جرَّتْه إليها فلقيَ حتفَه.
سقطَت آشورُ على يد البابليينَ (الكلدانيينَ) والميديينَ عام 611 ق.م. واقتسم الحليفانِ المنتصرانِ إرثَ الإمبراطوريةِ الآشورية، فأصبحتِ الشامُ من حصة بابل، وكان «نخو» أو «نخاو» الثاني، ملكُ مصر، قد قرَّر معاونةَ آشورَ المتداعيةِ على ضوء اتفاقٍ كان قد وقِّع بينهما بعد احتلالِ آشورَ لمصر، وهكذا جهز جيشًا وتقدَّم به نحو الفُرات. ولمَّا وصل إلى «كركميش» خرج يوشِيا بجيشه ليمنعَ تدخُّلَ جيش «نخاو» في مساعدة الآشوريين، فاعترضَ الجيشُ المصريُّ جيشَ يوشيا عندَ «مجدو» وقُتِل يوشيا وأخِذَ ابنُه «يهود آحاز» عام 609 ق.م. مكانه. ولم تمضِ ثلاثةُ أشهرٍ حتى تمكَّن «نخاو الثاني» من أَسرِه وبعث به إلى مصر. وأصبحَت القدسُ واقعةً تحت النفوذِ المصريِّ هذه المرة، وأصبح أخ يهود آحاز، المسمَّى «الياقيم = يهوياقيم» بن يوشيا مكانه (609–598 ق.م.) على أن يقبلَ الخضوعَ لمِصر ويدفعَ الجزية.
أما «نخاو» فقد تقابل مع الجيشِ البابليِّ بقيادة نبوخذ نصر (ابن الملك البابليِّ نبوبلاصر) في معركةٍ كبيرةٍ في كركميش، وانتصر البابليونَ وعاد «نخاو» إلى الدلتا مهزومًا، وتَبِعَه نبوخذ نصر حتى وصل إلى الحدود المصرية، وكاد يعيدُ فتحَ مصر لولا أن وصلَت إليه الأخبارُ من بابلَ تفيدُ بموت أبيه فاضطُّرَّ للعودة كي يَخلُفَه على العرشِ البابليِّ لحوالي نصفِ قرنٍ (605–562 ق.م.) وهكذا سقطَت تلقائيًّا كلُّ مدنِ وأقاليمِ بلادِ الشامِ تحتَ السيطرةِ البابلية، وكانت القدسُ ويهوذا ضمنَ هذه الأقاليم.